حماتي حاولت تستولى على بيت ابني

العنوان:

«حماتي حاولت تستولي على بيت ابني… لكنها لم تتخيل أبدًا ماذا كنت أخبئ في حقيبتي ذلك اليوم»

اتصل بي ابني أحمد مساء يوم خميس، وكان الوقت يقترب من منتصف الليل. فور أن سمعت صوته أدركت أن هناك شيئًا خطيرًا. كان صوته متوترًا ومخنوقًا، ذلك الصوت الذي لا يظهر إلا عند.ما يشعر أن الدنيا كلها تنهار بين يديه.

قال لي بصوت متعب:

— يا أمي… حماتنا عايشة معانا وخلّت حياتنا جحيم. بالله عليكي تعالي بكرة الاجتماع العائلي.

كنت جالسة على أريكة شقتي في القاهرة، والتلفاز يعمل أمامي لكن عقلي كان شاردًا. عند.ما سمعت القلق في صوته، انقبـ . ــض قلبي.

على مدار عشرين سنة، كنت أعمل ليل نهار. بنيت شركتي الصغيرة في تصميم الديكور خطوة خطوة، مشروعًا بعد مشروع. حرمت نفسي من الإجازات والراحة وحتى من عطلات نهاية الأسبوع. كل هذا كان له هدف واحد فقط: أن أشتري ذلك البيت الجميل الذي ثمنه يقارب 40 مليون جنيه في أحد الأحياء الراقية.

كنت أريد أن يبدأ ابني أحمد وزوجته نورا حياتهما بهدوء، بعيدًا عن الضغوط المالية التي عانيت منها في شبابي.

صحيح أن عقد الملكية كان باسمي، لكنهما كانا يدفعان لي إيجارًا رمزيًا… والحقيقة أنني لم أطلبه منهما أبدًا. كنت أرى أن مالي يجب أن يخد.م شيئًا واحدًا: سعادة عائلتي.

تعرفت على سميرة، والدة نورا، يوم عقد القران المدني. لا أنسى فستانها الباهظ وعطرها الثقيل الذي ملأ المكان. كانت تبتسم ابتسامة مصطنعة لا تصل إلى عينيها.

منذ اللحظة الأولى نادتني:

— يا كارمن!

كما لو أننا صديقتان منذ سنوات، رغم أنني لم أعطها تلك الألفة.

لكن نظراتها كانت دائمًا تمسحني من رأسي إلى قد.ميّ، كأنها تقيم قيمتي في كل لحظة.

قبل ثلاثة أشهر، قالت سميرة إنها تمر بمشكلة مع زوجها وأنها ستبقى مؤقتًا في بيت ابنتها. أحمد ونورا فتحا لها الباب بقلب طيب.

ظننت أن الأمر لن يتجاوز أسبوعين.

لكنني كنت مخطئة تمامًا.

في تلك الليلة قال لي أحمد عبر الهاتف بصوت مكسور:

— بتقول إن البيت بيتها… بتتحكم في كل حاجة. بتنتقدنا من أول ما نصحى لحد ما ننام. نورا بتعيط كل يوم تقريبًا. ومعاكِ يا أمي… عندها هوس. بتقول قدام الكل إنك متكبرة لأنك اشتريتي البيت كأنه لعبة.

ثم أكمل:

— بكرة عيد ميلاد نورا، وكل أهلها جايين. لازم تكوني هنا.

وافقت فورًا.

ليس لأدافع عن نفسي… بل لأن هذا البيت اشتريته أنا بعرق جبيني. ولن أسمح لأي شخص أن يغيّر الحقيقة وأنا ما زلت على قيد الحياة.

في اليوم التالي، عند.ما وصلت إلى الفيلا، كانت السيارات مصطفة أمام الباب. موسيقى هادئة تخرج من الداخل، ورائحة الباييلا الإسبانية تملأ المكان.

قالت سميرة إنها حفلة “بسيطة”.

نظرت إلى عدد السيارات وابتسمت بسخـ ــرية.

نزلت من السيارة، عدلت تنورتي، وأخذت زجاجة نبيذ فاخرة من سيارتي. ثم أمسكت حقيبتي الجلدية بإحكام.

كنت أعرف جيدًا ما بداخلها.

لم تكن حفلة عيد ميلاد فقط…

بل لحظة رسم خط لا يمكن تجاوزه.

دخلت بابتسامة هادئة. ركضت نورا لتعانقني فورًا، ولاحظت أن عينيها منتفختان من البكاء.

أما أحمد فشد على يدي بقوة، كأنه شخص يغرق وتمسك بطوق نجاة.

وفي نهاية الصالة… كانت سميرة جالسة على رأس المائدة الكبيرة كأنها ملكة القصر.

فستان أحمر ضيق، ومروحة سوداء تفتحها وتغلقها باستمرار.

بمجرد أن رأتني قالت بصوت عالٍ ليجعل الجميع يسمع:

— أهلاً بالمتبرعة الكبرى! بدون كارمن ما كان عندنا… حسنًا… أي شيء هنا، أليس كذلك؟

ضحك بعض الأقارب ضحكة متوترة.

تقد.مت ببطء، وضعت زجاجة النبيذ على الطاولة، ثم اقتربت منها وقبلتها قبلة رسمية على الخد.

قلت بهدوء:

— مساء الخير يا سميرة. واضح أنك نظمتِ كل شيء.

ردت بصوت مرتفع:

— بنعمل اللي نقدر عليه بالإمكانيات المتاحة. في النهاية البيت بيت بنتي وجوزها… أنتِ بس دفعتي الفلوس. والفلوس أي حد يقدر يدفعها… لكن الذوق والأصل موضوع تاني يا كارمن.

ساد الصمت في الصالة.

كنت أرى أحمد يكز على أسنانه، بينما نورا خفضت رأسها من الخجل.

لكنني كنت مستعدة.

قبل ثلاثة أسابيع فقط، مررت بالبيت لأعطيهما بعض المشتريات، فوجدت نورا تبكي في الحديقة بينما سميرة تصرخ عليها لأن الملابس لم تُطوَ كما تريد.

في ذلك اليوم اعترفت نورا لي أن أمها تقول لها يوميًا إنني اشتريت البيت فقط لأتحكم فيهما… وأنني سأطردهما عند أول خطأ.

عند.ما رأيت الخوف في عينيها مني… بسبب أكاذيب أمها، اتخذت قراري.

في نفس اليوم ذهبت إلى مكتب محامي في القاهرة.

والآن… كنت أحمل النتيجة في حقيبتي.

فتحت الحقيبة ببطء، وأخرجت ملفًا أزرق أنيقًا.

قلت بهدوء:

— في الحقيقة… جئت اليوم لأتكلم عن هذا الموضوع تحديدًا. من يدفع المال… ومن يملك البيت.

ضحكت سميرة بسخـ ــرية:

— مرة تانية فواتيرك يا كارمن؟ إحنا في حفلة مش اجتماع عمارة.

وضعت الملف على الطاولة.

قلت:

— عندك حق في شيء واحد يا سميرة… المال لا يشتري التربية. لكنه يشتري البيوت. وهذا البيت… اشتريته أنا.

أخرجت ورقة من الملف ودفعتها نحوها.

قرأ أحد الحضور بصوت عالٍ:

— “كارمن عبدالسلام… المالكة الوحيدة للعقار”.

تنفس أحمد بارتياح عميق.

قلت وأنا أنظر إليها:

— يبدو أنني لم أدفع المال فقط… بل وقّعت أيضًا.

توقفت مروحتها فجأة.

قالت بتوتر:

— هذه مجرد شكليات… بنتي وجوزها عايشين هنا. هذا بيتهم. لن تأتي إلى بيتي لتـ—

قاطعتها:

— بالضبط لأنه بيتهم أنا هنا. لأن أحدهم خلط بين الضيافة والملكية.

ثم أخرجت ظرفًا رسميًا من الملف ووضعته أمامها.

قلت:

— لم آتِ لأناقشك… بل لأبلغك.

فتحت الظرف بيد مرتجفة.

وعند.ما قرأت السطر الأول… اختفى اللون من وجهها.

— ما… ما هذا؟

قلت بهدوء:

— إنذار رسمي من محامي. لديك 15 يومًا لمغادرة هذا المنزل. ابني وزوجته مستأجران لديّ، وقد وقّعا عقدًا جديدًا يمنع إقامة أي شخص ثالث بدون إذني.

وأضافت:

— وإذن… لن أعطيه لك.

وقفت سميرة تصرخ:

— لا يمكنك فعل هذا! نورا! هل ستسمحين لها بطرد أمك؟

رفعت نورا رأسها أخيرًا.

قالت بصوت مرتجف لكنه قوي:

— ماما… هذا ليس من اليوم. أنتِ تصرخين علينا منذ شهور. نحن نريد السلام فقط.

احتضنها أحمد.

ضحكت سميرة بمرارة:

— وأين سأذهب؟ ليس لدي مكان!

قلت بهدوء:

— لا تقلقي.

وأخرجت إيصالًا آخر.

— أعرف أنك وقّعت عقد إيجار لشقة صغيرة في المعادي لكن لم يكن لديك ثمن التأمين. دفعتُه أنا… مع أول شهرين إيجار.

ثم أحضرت حقيبة صغيرة ووضعتها بجانبها.

— هنا بعض الملابس. يمكنك أخذ بقية أغراضك غدًا.

— اليوم عيد ميلاد نورا… ولن أسمح بتحويله إلى ساحة حرب.

ساد الصمت.

بعد لحظات، أخذت سميرة الحقيبة وغادرت دون أن تنظر إلى أحد.

بعدها بدأ الضيوف بالمغادرة بهدوء.

عند.ما بقينا نحن الثلاثة فقط، وضع أحمد رأسه على كتفي وقال:

— شكرًا يا أمي… لا أعرف كيف أرد لك هذا.

ابتسمت وربتّ على شعره.

قلت:

— الأمهات تبني البيوت لتحمي أبناءها… لا لتقيّدهم.

بعد أسابيع، قرر أحمد ونورا الانتقال إلى شقة أصغر وأكثر هدوءًا. وأنا بعت الفيلا بعد ذلك بفترة قصيرة.

أما سميرة، فقد سمعنا أنها انتقلت للعيش مع أختها في مدينة أخرى.

لم أند.م أبدًا.

المجتمع يقول أحيانًا إن علينا تحمل كل شيء باسم العائلة.

لكنني تعلمت أن الحب الحقيقي يعني أيضًا وضع حدود لا يمكن تجاوزها.

فالمال قد يشتري الجدران…

لكن سلام البيت ندافع عنه بالروح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *