كسرة الجبل حكايات شروق خالد
«في الحفلة الكبيرة، ضحك معلم المافيا وسخر وقال إن فيه واحدة ثانية الطريق لها أسهل بكتير من مراته.. لحد ما طأطأ وعينيه جت على اللي واقفة ورا ضهره بالظبط»
الجزء الأول
الضحكة ماتت في الحلق وسكتت قبل ما “كمال” يفهم إيه اللي حصل بالظبط.
قبل ثانية واحدة بس، كان فيه ستة رجالة ملمومين حواليه تحت النجف المرعش بتاع القاعة الفخمة في قلب القاهرة، بيكركروا ويضحكوا بملء أفوامهم على نكتة رمى كلامها.
وفي الثانية اللي بعدها، الست اللي واقفة جنبه وشها اتقلب أصفر زي الليمونة وغاب منها الدم.
كان كمال الباشا في أواخر الأربعينات، راجل بعرض الباب، لبسه مظبوط بالساعة، وله هيبة تخلي أعتى رجالة البلد يعملوا له ألف حساب بس من غير ما حد يقدر يعترف إنه خايف منه. اسم “عيلة الباشا” بدأ من زمان قوي في الشغلانات اللي الناس النظيفة ما بتحبش تسأل عنها كتير، وكمال قضى ييجي خمسة عشر سنة بيمسح العرق ويجر الشغل ده كله للرسمي والأصول؛ شركات شحن، مطاعم، أمن خاص، مقاولات، وعقارات مالية البلد.
بس السمعة القديمة ما بتمسحش في يوم وليلة لمجرد إن المحاسبين بدأوا يظبطوا أوراق الضرائب.
لما كمال كان بيدخل أي مكان، الناس كانت كلها بتنتبه ورجليها بتقف.
وفي حفلة الجمعية الخيرية بتاعة المستشفى ليلة إمبارح، القضاة، والمقاولين، والمحامين، ودكاترة جراحة القلب، والبهوات أصحاب الابتسامات الغالية، قضوا ثلاث ساعات رايحين جايين حواليه كأن الأرض بتلف وتنجذب لعيلة الباشا بس.
وجنبه، زي ما هي واقفة بقالها اثنا عشر سنة، كانت مراته.
نجلاء الباشا.
في أواخر التلاتينات.
شعرها الأسود الملموم ببساطة ورا ودنها، عينيها الهدية، فستانها الكحلي الهادي، وما فيش في إيدها غير خاتم الجواز.
كمال قالها زمان إنها الست الوحيدة اللي يعرفها تقدر تلبس دهب ومجوهرات أقل من أي واحدة في القاعة، وتطلع أتقل وأغنى منهم كلهم في العين.
بس هو ما كانش فاكر أمتى كانت أخر مرة قالها كلام حلو زي ده.
في الليلة دي، نجلاء كانت شايلة كل التفاصيل الصغيرة اللي عينيه ما بتجيبهاش.
هي اللي افتكرت دكتور القلب اللي مراته لسه مخلصة كيماوي قريب.
وهي اللي عرفت إن المقاول اللي واقف جنب البار لسه دافن أبوه في فبراير.
وهي اللي نغزت كمال بالراحة وحذرته ما يفتحش سيرة مشروع أرض البحر قدام التاجرين اللي بياكلوا في بعض.
ولما ست كبيرة من المتبرعين حست بدوخة، نجلاء جابتلها كرسي بنفسها قبل ما حد يفكر ينده على الويتر.
وقضت ست شهور بتجمع تبرعات عشان مبنى العلاج الطبيعي للأطفال اللي الحفلة معملومة عشانه اصلاً.
كمال كان عارف كل ده، بس بالطرطوفة كده.. بالطريقة العايمة اللي الرجالة الكبار بيعرفوا بيها الحاجات المهمة عن الستات اللي ماسكين حياتهم وبايشين عشان ما تقعش.
لحد ما قربت “شيرين”.
شيرين كانت في التلاتينات، حلوة حلاوة باهظة ومحسوبة بالمسطرة، روج أحمر صارخ وفستان أسود عريان معمول مخصوص عشان الكل يبص.
كانت ماسكة استشارات لفنادق خمس نجوم.
وقضت الشهر اللي فات كله بتلاغف وتتشمط على كمال في ثلاث مؤتمرات شغل.
نجلاء كانت عارفة.
وكمال كان عارف إن نجلاء عارفة.
وما حصلش حاجة.
أو ده اللي كمال كان بيبنج بيه نفسه.
لأن الخيانة بالنسبة لكمال بتبدأ بمفتاح شقة، أو مكان مستخبي، أو لمسة جسم، أو ريحة روج على ياقة القميص.
ما جاش في باله أبداً إن الإهانة والكسرة ممكن يوصلوا بدري عن كده بكتير.
شيرين خبطت على كاس الشربات بتاعها.
«أنا مش عارفة نجلاء مستحملة شغل الميريري والضغط بتاعك ده إزاي!»
كام واحد حواليهم ضحكوا.
كمال ابتسم بنص بؤ: «ولا أنا عارف والله.»
شيرين مالت عليه أكتر.
«أكيد التفاوض معاها في البيت صعب ومُتعب.»
«ده مستحيل كمان.»
«يا حبة عيني يا كمال.. مسكين!»
ضحك كمال.
الشربات كان دفى دماغه، والرجالة حواليه مسترخين، والكل يبص ومتابع.
شيرين مالت برأسها: «أنا عن نفسي أسهل من كده بكتير.»
وهنا، كمال الباشا—الراجل اللي عدى من تحقيقات أموال عامة، ومحاولات السيطرة على شركاته، وخيانات من أقرب ناس له، ومحاولتين ق/تل قبل ما يقفل الخمسة وتلاتين سنة—ارتكب أغلى وأفدح غلطة في جوازه، لمجرد إنه حب يخلي ستة غرباء يكركروا.
«أنتي أسهل بكتير من مراتي فعلاً!»
وضحتوا.
وكمال ضحك معاهم.
فجأة وش شيرين اتغير.
عيناها جابت ورا كتفه.
كمال التفت ببطء شديد.
نجلاء كانت واقفة ورا ضهره بالظبط.
ماسكة في إيدها كوباية مية معدنية ما لمستهاش.
ده كل اللي كان.
ما فيش دموع.
ما فيش شفايف بترتجف.
ما فيش فضيحة ولا خناقة وسط الحفلة.
ولسبب ما، كمال تمنى بعدين لو كانت حدفت الكوباية في وشه بدل السكوت ده.
بدل ده، نجلاء بصت لـ شيرين.
وبعدها بصت للرجالة اللي كانوا بيضحكوا من ثانية.
وأخيراً، ثبتت عينها في عين جوزها.
كمال حس بحاجة مش مريحة بتعصر في صدره.
«نجلاء…»
حطت الكوباية على الترابيزة جنبها بالراحة.
«كمل كلامك يا كمال.. كمل اللعبة.»
«جرى إيه يا بنتي! أنتي عارفة إنها نكتة يعني!»
عيني نجلاء فضلت عليه ثانية كمان.
«عارفة.»
الرد ده خضه وقلقه أكتير من أي زعيق أو غضب.
استدارت عشان تمشي.
كمال مسك معصم إيدها.
مش بضغط.. بس بثبات خلي رجلين واقفين جنبه يشيحوا بوشهم فوراً.
نجلاء بصت لإيده اللي ماسكاها.
كمال سابها.
«ما تمشيش وتسيبيني عشان كلمة هبلة!»
رفعت عينها فيه.
«عندك حق.»
كمال هدي شوية.
كملت هي: «يبقى هبل ورخص مني لو مشيت وسبت بيتي عشان جملة واحدة.»
شيء ما في الطريقة اللي قالت بيها “جملة واحدة” خلي معدته تنعصر وتتقلب.
«يبقى اقعدي.»
«لا.»
«يا نجلاء!»
«أنا رايحة البيت.»
«إحنا جايين مع بعض!»
ابتسامة مكسورة وحزينة ظهرت على طرف شفايفها.
«صح.. جايين مع بعض.»
واستدارت ومشت.
كمال فضل واقف مكانه زي الصنم.
شيرين همست: «أنا آسفة يا كمال…»
التفت لها بحنية وقسوة تخوف خلتها ترجع نص خطوة لورا.
«آسفة على إيه؟»
«ما كانش قصدي أسبب…»
«أنتي ما سببتيش حاجة أصلاً.»
قسوة نبرته سكتتها تماماً.
بس حتى في اللحظة دي، كمال كان فاهم كل حاجة غلط.
كان فاكر إن نجلاء زعلانة وغاضبة.
والزعل والغضب حوار يقدر عليه؛ قضى حياته كلها بين رجالة غاضبين.. الغضب له طلبات، والغضب بيفاوض، والغضب بيصرخ ويقول هو عايز إيه.
لكنه ما كانش فاهم يعني إيه “الست لما تجيب أخرها وتستنزف”.
في البيت، نجلاء كانت غيرت فستانها خلاص لما دخل غرفة النوم.
كانت واقفة قدام الدولاب لابسة بنطال ترنج رمادي وتيشرت واسع قديم.
وفستان الحفلة ملفوف ومحطوط بعناية على الكنبة.
كمال قلع كرافتته بحنق وشاط.
«أنتي أحرجتيني الليلة قدام خلق الله كلهم!»
نجلاء اتجمدت مكانها.
وبعدين التفتت.
ولأول مرة، وشها ينطق بذهول وعدم تصديق بجد.
«أنا اللي أحرجتك؟»
«سيبتي الحفلة ومشيتي!»
«أنت قارنتني بواحدة تانية وهي بتتدلع عليك قدام نص البلد!»
«كنت بهزر يا شيخة!»
«وأنا مشيت في هدوء من غير ما أعملك وش.»
«خليتي شكلنا قدام الناس إن بيننا أزمات ومشاكل!»
نجلاء بصت له ملياً.
هو كان فيه مشاكل فعلاً.
وما أدركش ده غير بعد ما الكلام خرج من بوقه وخلاص.
جلست على طرطوفة السرير.
«كمال.. معلمة ابننا اسميها إيه؟»
غضبه اتعطل وتوقف.
«إيه؟»
«معلمة يوسف.. اسمها إيه؟»
قطب حاجبيه: «المعلمة هدى.»
«اسمها المعلمة هناء.»
«قريبة يعني.. ما تفرقش.»
نجلاء هزت رأسها ببطء شديد.
«طب إيه الدواء اللي أمك عندها حساسية منه؟»
ما ينطقش.
«حفلة يوسف بتاعة الموسيقى يوم الجمعة اللي جاية الساعة كام؟»
«الساعة سبعة.»
«الساعة ستة.»
«يا نجلاء! إيه الهراء ده وإيه علاقته باللي حصل الليلة؟!»
بصت له بعيون مليانة مية وفجأة الدموع لمست طرف رمشها.
«له علاقة بكل حاجة.»
كمال وقف مكان وما اتحركش.
مسحت تحت عينها قبل ما الدمعة تنزل.
«بقالي اثنا عشر سنة، بافتكر كل صغيرة وكبيرة عشان أنتي تقدر تنسى بريحتك.»
«ده مش عدل منك يا نجلاء!»
«أنا بافتكر دكاترة أمك.. وأعياد ميلاد عيال أختك.. واسم مراد محاميك ومراته.. وأي أكلة بتجيب لك حرقان في معدتك.. وأي بدلة بتكرهها قبل الاجتماعات التقيلة.. وأي حد من شغاليين عندك ابنه في مصحة، عشان ما تسألوش بعفوية وتجرحه في عشاء العيد!»
صوتها ما عليش ولا نبرته اتغيرت.
وده اللي خلي كل كلمة تخرج منها أتقل من الرصاص.
«بافتكر متى بتكون محتاج سكات.. وبافتكر متى بتكون محتاجني أكون واقفة بضهرك.. وباعرف مين في القاعة خطر عليك قبل ما أنتي تلمح إنه بيصلك اصلاً!»
كمال ضم ذراعيه لصدره.
«أنا مأمن العيلة دي وموفر لها عيشة ما تحلمش بيها!»
«صح.»
موافقتها السريعة أربكته ولخبطته.
«أنت عملت لنا عيشة فوق العادة.»
بصت حواليها في الأوضة الواسعة، العفش الغالي، اللوحات الأصلية، والدولاب اللي مساحته أكبر من الشقة اللي اتربت فيها هي أصلاً.
وبعدين همست: «وفي سكتك دي كلها.. قررت إن ده معناه إن باقي العيلة ما لهاش حق تحس بالوحدة ولا القهرة.»
فك كمال اتشد وقفل.
«أنتي مراتي!»
«عارفة.»
«فاكرة شيرين دي تعني لي حاجة؟»
«لا.»
«إذن بنحكي في إيه دلوقتي؟!»
نجلاء حدقت فيه لفترة طويلة جداً.
وفي الأخر همست: «هي دي المشكلة بالظبط.»
عبرت الأوضة ناحية الدولاب، فتحت الدرج اللي تحت، وأخرجت منه ظرف كريمي تقيل.
كمال انزعاجه طار وحل محله الخوف.
«إيه ده؟»
نجلاء ضمته لصدرها.
«كنت هعطيهولك يوم الأحد.»
«هو إيه ده؟»
مشت ناحية الباب.
وقف في طريقها وسد السكة.
«نجلاء!»
توقفت.
كمال بص تحت ورأى اسم مكتب محاماة معروف مطبوع في الزاوية.
شعر بدمه بيبرد ويتجمد في عروقه.
«أنتي كلمتي محامي؟»
وشها اتغير؛ ما كانش فيه ذنب.. كان فيه حزن ووجع دفين.
«كلمته من ست شهور.»
ولأول مرة في الليلة دي، كمال الباشا ما لقاش كلمة واحدة يقولها.
ساعتها نجلاء عطته الظرف.
ما كانش فيه ورقة طلاق ولا حاجة.
كمال كان هيضحك من كتر الارتياح والراحة اللي جتلوا.
لحد ما قرأ الصفحة الأولى:
تفويض بالوصاية القانونية.
والصفحة الثانية كان فيها موافقات طبية.
والصفحة الثالثة فيها الحسابات، وكلمات السر، وأرقام الطوارئ.
كل الأوراق اللي في الظرف كانت تخص ابنهم صاحب التسع سنين، يوسف.
كمال رفع عينيه ببطء شديد.
«إيه القرف ده؟ إيه ده؟»
نجلاء كانت واقفة وإيدها على مقبض الباب.
«أنا داخلة أعمل عملية جراحية يوم الإثنين.»
وشه اصفر وخلا من أي تعبير.
«عملية إيه؟»
بلعت ريقها بتعب وشقا.
وقالت الجملة اللي مسحت أخر أثر للغرور والتناكة من على وشه:
«العملية اللي بقالي ثلاث شهور بتحايل عليك ترجع البيت بدري عشان أقولك عليها ونحكي فيها.»
البيت ساد فيه سكوت زي المقابر. كمال واقف ماسك الأوراق في إيده ورجليه مش شايلاه، والظرف التقيل كأنه جمر نار في إيده.
نجلاء سابته ومشيت دخلت أوضة يوسف الصغير، قعدت جنب السرير، وبصت لوش ابنها وهو نايم في أمان الله.
كمال مشي وراها زي التايه، وقف على باب الأوضة، بص لمراته وهي بتطبطب على شعر يوسف، وقرب بصوت واطي ومخنوق:
«عملية إيه يا نجلاء؟ فهميني.. أنتي تعبانة من إمتى؟»
نجلاء ما بصتلوش، فضلت تبص لـ يوسف وقالت بصوت هادي كأنه همس:
«فاكر من ست شهور لما قلتلك أنا محتاجة أروح أعمل تحاليل وفحوصات؟ يومها قلتلي: “يا نجلاء أنا عندي اجتماع مجلس إدارة، خلصي أمورك وأبقى اطمنينا”. ومن يومها وأنا بروح وأجي على الدكاترة لوحدي، أسمع الخبر الشوم لوحدي، وأشيل الهم لوحدي.. وأنت مشغول في المعاملات والشحن والصفقات.»
كمال بلع ريقه وصوته اتهز: «أنا.. أنا ما كنتش اعرف إنه موضوع خطير!»
التفتت له نجلاء، وعينيها كانت مليانة وجع مش زعل، وقالت له بصوت يهد الحيل:
«أنت ما سألتش أصلاً يا كمال.. أنت افتكرت إن الفلوس والأكل والشرب هما كل حاجة. بس عارف إيه اللي بيصبرني وبيمشيني؟ إني كل ما أحس إن الدنيا ضاقت بيا، بفتكر حكايات شروق خالد.»
كمال حواجبة اتقطعت باستغراب: «شروق خالد؟ مين دي؟»
نجلاء ابتسمت ابتسامة مكسورة:
«شروق خالد.. البنت الغلبانة اللي كانت شغالّة في الحضانة بتاعة يوسف من سنتين. البنت اللي جاها المريض الخبيث في أخر مرحلة، والدكاترة رفعوا إيديهم وقالوا قدامها شهرين بالكتير والروح تطلع. البلد كلها كانت بتشفق عليها والكل استسلم.. بس شروق ما استسلمتش. قعدت تقاوم، وتتعالج، وتدعي ربنا وهي مبتسمة وشايلة شيلتها برضا.. شروق اللي قعدت سنة كاملة تحارب لوحدها ومن غير ما تشتكي لحد ولا تكسر خاطر حد، ولحد النهارده بتضحك ومكملة حياتها بستر ربنا.»
بصت نجلاء لـ كمال في عينيه وكملت كلامها:
«شروق خالد علمتني إن القوة مش بالفلوس ولا بالهيبة ولا بالسلطة.. القوة إنك تشيل وجعك وتعدي بيه من غير ما تطلب شفقات من حد مش حاسس بيك. أنا لما عرفت بموضوع العملية، افتكرت شروق وحاربت خوفي لوحدي، وجهزت كل حاجة عشان يوسف ما يتحوجش لحد لو جرى لي حاجة تحت المشرط يوم الإثنين.»
كلام نجلاء نزل على كمال زي ضربة المرزبة على دماغه. الراجل اللي بيهز بلد بكلمة منه، حاسس إنه صغير جداً، أصغر من القشة في مهب الريح.
كمال قعد على ركبه جنب نجلاء، ومسك إيدها الاتنين وباسهم بدفء وندم عميق، وصوته كان بيترعش لأول مرة في حياته:
«وحياة يوسف عندي.. وحياة كل لحظة حلوة بيننا يا نجلاء، أنتي مش هتعملي حاجة لوحدك تاني.. أنا تحت رجليكي، وسيبك من الحفلات والشغل والفلوس وكل القرف ده.. أنا معاكي من دقيقة دي.»
نجلاء بصت لإيده اللي ماسكة إيدها، وسحبت إيدها بالراحة وبدون قسوة، وقالت:
«الورق معاك يا كمال.. لو رجعت، يوسف أمانتك. ولو قمت بالسلامة.. هنشوف ساعتها إحنا هنكمل إزاي.»
كان البيت غارقاً في صمتٍ أشبه بصمت المقابر، وكمال يقف مذهولاً والورق يرتجف بين يديه، كأن المظروف قنبلة موقوتة انفجرت في وجهه ومسحت كل غروره وهيبته.
سحب خطواته بصعوبة وراء نجلاء التي مشت بهدوء ودخلت غرفة ابنهما “يوسف”. جلست على طرف السرير، ومدت يدها تطبطب على شعر الولد وهو نايم في أمان الله.
وقف كمال على باب الأوضة، يتأملها بكسرة ونشيج مكتوم، ثم قرب منها وصوته واطي ومخنوق:
«عملية إيه يا نجلاء؟ فهميني.. أنتي تعبانة من إمتى؟ وإزاي تخبي عليا حاجة بالبشاعة دي؟»
نجلاء ما بصتلوش، فضلت عينها على وش ابنها وقالت بنبرة هادية بس تقيلة زي جبل:
«فاكر من ست شهور لما قلتلك أنا محتاجة أروح أعمل تحاليل وفحوصات؟ يومها قلتلي بزهق: “يا نجلاء أنا عندي اجتماع مجلس إدارة وورايا صفقة شحن، خلصي أمورك مع أي دكتور وأبقى اطمنينا”. ومن يومها وأنا بروح وأجي على العكاترة لوحدي، أستنى النتيجة في الصالة لوحدي، وأسمع الخبر الشوم لوحدي.. وأشيل الهم وأنا ساكتة عشان أنت مش فاضي وغيرك أولى بوقتك.»
كمال بلع ريقه وصوته اتهز لأول مرة في حياته: «أنا.. أنا ما كنتش اعرف إن الموضوع خطير للدرجة دي!»
التفتت له نجلاء، وعينيها فيها وجع وكسرة مش مجرد زعل، وقالت له بصوت يهد الحيل:
«أنت ما سألتش أصلاً يا كمال.. أنت افتكرت إن الفلوس والشركات وهدوم الماركات هما كل حاجة. بس عارف إيه اللي كان بيصبرني ويخليني أقف على رجلي طول الست شهور دول؟ إني كل ما أحس إن الدنيا ضاقت بيا وأني خلاص بستسلم، بفتكر حكايات شروق خالد.»
كمال حواجبة اتقطعت باستغراب وهو بيمسح العرق من على وشه: «شروق خالد؟ مين شروق خالد دي؟»
نجلاء ابتسمت ابتسامة مكسورة وفيها رضا دافين:
«شروق خالد.. البنت الغلبانة اللي كانت شغالّة في الحضانة بتاعة يوسف من سنتين. البنت اللي جاها المرض الخبيث فجأة وفي أخر مرحلة، والدكاترة رفعوا إيديهم وقالوا قدامها شهرين بالكتير والروح تطلع. البلد كلها وقتها كانت بتشفق عليها والكل استسلم وقال خلاص البنت ضاعت.. بس شروق ما استسلمتش. قعدت تقاوم، وتتعالج، وتدعي ربنا وهي مبتسمة وشايلة شيلتها برضا تام.. شروق قعدت سنة كاملة تحارب لوحدها ومن غير ما تشتكي لحد ولا تكسر خاطر حد، ولحد النهارده بتضحك ومكملة حياتها بستر ربنا ورحمته.»
بصت نجلاء لـ كمال في عينيه مباشرة وكملت كلامها:
«حكايات شروق خالد علمتني إن القوة مش بالفلوس ولا بالهيبة ولا بعزوة الرجالة اللي حواليك.. القوة إنك تشيل وجعك وتعدي بيه بشموخ من غير ما تطلب شفقة من حد مش حاسس بيك. أنا لما عرفت بموضوع العملية والمرض، افتكرت شروق وحاربت خوفي لوحدي، وجهزت كل حاجة وكتبت وصايتي عشان يوسف ما يتحوجش لحد لو جرى لي حاجة تحت المشرط يوم الإثنين.»
كلام نجلاء عن شروق خالد وعن وجعها النزل على كمال زي ضربة المرزبة على دماغه. الراجل اللي بيهز بلد بكلمة منه، حاسس إنه صغير جداً، وأضعف من القشة في مهب الريح.
نزل كمال على ركبه جنب نجلاء، ومسك إيدها بلهفة وندم عميق، وصوته كان بيترعش بالدموع:
«وحياة يوسف عندي.. وحياة كل لحظة حلوة عاشت بيننا يا نجلاء، أنتي مش هتعملي حاجة لوحدك تاني.. أنا تحت رجليكي، وسيبك من الحفلات والشغل والفلوس وكل القرف ده.. أنا معاكي من الدقيقة دي ومش هفارقك لحظة.»
نجلاء بصت لإيده اللي ماسكة إيدها، وسحبت إيدها بالراحة وبدون قسوة، وقالت وهي بتبص لابنها:
«الورق معاك يا كمال.. لو رجعت، يوسف أمانتك. ولو قمت بالسلامة.. هنشوف ساعتها إحنا هنكمل إزاي.»
مر السبت والأحد على كمال كأنهم سنة كاملة. الشغل اتعطل، والتليفونات اللي ما كانتش بتسكت اترميت في الزبالة، والرجالة بتوع الشحن والعقارات كانوا بيدوروا عليه ومش عارفين يوصلوا له. كمال الباشا اللي كان بيدير ملايين بكلمة، بقى قاعد تحت رجلين مراته في الشقة، بيحاول يمسح العرق من على جبهتها، يجهزلها أكل دافي هي ما بتمسوش، ويدور بعينيه في وشها عن أي لمحة عفو أو أمل.
وفي صباحية يوم الإثنين، الساعة سبعة الصبح، كانت العربيات واقفة قدام المستشفى.
كمال كان ماشي جنب السرير المتحرك وهو ماسك إيد نجلاء بكل قوته، إيده اللي هزت سوق تشيكاغو ومصر كلها كانت بتترعش زي إيد طفل صغير. نجلاء كانت شاحبة بس هادية.. الهدوء المرعب بتاع الناس اللي سلمت أمرها لله وخلاص.
وقبل ما الباب الكبيرة بتاع غرفة العمليات يقفل، كمال مسك المشرط من إيد الدكتور وقال بصوت يرعب المستشفى كلها:
«لو خرجت من الأوضة دي من غيرها.. المستشفى دي مش هتقوم لها قائمة، أخلصوا مع الله وركزوا في شغلكم!»
نجلاء بصت له بثبات، وقالت له بصوت واطي قبل ما الباب يقفل: «افتكر وصيتي يا كمال.. يوسف.»
واستدار الباب وقفل.
قعد كمال على الكرسي الخشبي برة الأوضة. أربع ساعات كاملين الموت كان بيلف حواليه، أربع ساعات وهو حاسس إن كل فلوسه وهيبته ورجالته ما يسووش قشرة بصلة قدام لحظة واحدة مراته جوه فيها بين الحياة والموت.
سيد وحسن وعشري وجروب الرجالة كانوا واقفين على بعد خطوات، مش قادرين يقربوا منه من كتر الخوف والوجع اللي شافوه في عينيه. كمال كان باصص للأرض، وبيراجع كل كلمة قالها لنجلاء في حياته.. كل مرة سابها لوحدها، كل مرة استخف بوجعها، وكل مرة قارنها بغيرها عشان يضحك شوية غرباء.
وفجأة.. اتفتح باب العمليات.
خرج الدكتور وهو بيمسح العرق من على جبهته، ونزع الكمامة بالراحة.
كمال اتنطر من مكانه ومسك الدكتور من ياقة البالتو الابيض: «قولي إيه اللي حصل؟! نطق!!»
الدكتور ابتسم ابتسامة تعبانة وقال: «اهدأ يا كمال بيه.. الحمد لله، العملية نجحت، والمستأصل طلع بسلامة، ونجلاء هانم قامت بالسلامة والروح ردت فيها!»
كمال إيديه سابت الدكتور، وركبه خانته ونزل على الأرض وسجد في وسط الممر يطرق ويكبر، والدموع اللي حبسها سنين نزلت تغرق وشّه.
بعد أسبوعين، في الجاردن بتاعة البيت.
نجلاء كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، لافة شال دافي حوالين كتافها، والمية والدم رجعوا لوشها تاني. يوسف الصغير كان بيلعب قدامها بالكرة، وكمال واقف وراها، ماسك كوباية العصير الدافية وبيعطيها لها بنفسه.
كمال ما رجعش لشغله القديم بنفس الطريقة، طير نص شركاته، وقضى وقته كله جنب بيته وعيلته.
نجلاء بصت له وقالت ابتسامة هادية: «مش كفاية قعدة يا كمال؟ الشغل برة مستنيك.»
كمال قعد على ركبته قدامها، ومسك إيدها وباسها بعمق وقال:
«الشغل يغور، والفلوس تغور يا نجلاء.. أنا اتولدت من جديد يوم ما خرجتيلي من الأوضة دي. والنهاردة أنا اللي اتعلمت الدرس.. حكاية شروق خالد وحكايتك علمتني إن الراجل بجد مش اللي بيجيب فلوس، الراجل اللي بيصون الروح اللي شالت اسمه.»
ابتسمت نجلاء، وضغطت على إيده بالراحة، وعرفت إن الجبل اللي كان فاكر نفسه ما بيموتش.. أتيقن أخيراً إن الست هي اللي كانت شايلاه ومثبتاه في الأرض.
كسرة الجبل
حكايات شروق خالد