انتقام رقم 96#حكايات_شروق_خالد
تبرعت بالدم عشان أنقذ خطيبي بعد ما أصحابه اتصلوا بيا وقالوا لي إنه عمل حادثة قوية. وأنا طالعة من المستشفى، سمعت حد ورا باب الأوضة بيقول: «أنا مش مصدق إنها انطلت عليها الحيلة تاني ومغفلة للدرجة دي.» وقفت في مكاني وم نطقتش، بصيت لعلامة الزرقان والشكّة اللي في دراعي، وطلعت تليفوني. اللي اكتشفته عن السنين التلاتة اللي عشناهم سوا تحول التبرع ده للانتقام رقم 96.
الجزء الأول”لو بتحبني بجد، مش هتقعد تسأل وتفاصل محتاجين قد إيه وتاخد وتدي في الكلام.. هتروح تتبرع وخلاص من غير يرغي.”
دي كانت آخر كلمة قالها لي مازن قبل ما الممرضة تغرس الإبرة في دراعي.
بعد أربعين دقيقة، خرجت من بنك الدم في مستشفى خاص في المعادي ورجلي مش شيلاني وتعبانة، وفي قطنة بلزقة على دراعي، وكان عندي إحساس عبيط بالرضا إني عملت حاجة مهمة عشان الراجل اللي بحبه وأموت فيه.
على كلام أصحابه، مازن كان عمل حادثة بتموّت وهو بيجرب عربية في طريق السخنة. اتصلوا بيا في نص الليل وهما ملهوفين وبيصرخوا إنهم محتاجين فصيلة دم نادرة ومطابقة فوراً.
مسألتش كتير ولا فكرت.
مازن كان خطيبي وبقالي معاه ثلاث سنين.
وكنت مستعدة أعمل أي حاجة عشانه وأفديه بعمري.
وأنا رايحة ناحية الأسانسير، شفت واحدة بلبس التمريض بتزق عربية عليها صندوق تبريد طبي صغير. لمحت الورقة اللي لزقوها عليه من شوية.
اسم مكتوب عليه: نورين الشافعي.
مشيت وراها من غير ما أحس.
الممرضة دخلت من باب جانبي، وبكل بساطة وبدون أي اهتمام، طلعت كيس الدم من الصندوق ورمته في صندوق الزبالة!
وقفت متسمرة في مكاني.
افتكرت إن الدوخة هي اللي بتخليني أتخايل وأشوف حاجات مش حاصلة.
بس بعدها سمعنا صوت ضحك عالِي وطالع من القلب.
الضحك كان طالع من أوضة كبار الزوار، والباب كان موارب حتة صغيرة.
“أنا مش مصدق إن نورين انطلت عليها الحيلة تاني ومغفلة للدرجة دي!”
قلبي وقف.
قربت من الباب بالراحة.
مازن كان نائم متلقح على السرير براحته خالص، هدومه مظبوطة وشكله زي الفل، لا فيه أكسجين ولا إصابات ولا حتى لزقة جروح واحدة!
كان ماسك تليفون في إيده وبيقلب فيه وبيضحك.
وحواليه شريف وكريم وباقي شلة أصحابه.. نفس الناس اللي اتصلوا بيا بتمثيلية الموت والدموع الصبح.
شريف سأل وهو بيموت على نفسه من الضحك: “إحنا في الحركة الكام دلوقتي؟”
كريم رفع صوابعه وهو بيعد: “ستة وتسعين.”
كلهم انفجروا في الضحك.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
واحد افتكر وقال: “حركة الغوايش والمجوهرات كانت تموت من الضحك.. لما فهمناها إن مازن ضيع هدية خطوبتكم، ونورين قضت نص الليل بتدور عليها في الشارع تحت المطر والثلج!”
“وجالها سخونية يومها وكانت هتتمسح!”
“وبرضه جت التاني يوم وهي بتترعش تسأل لو كانت اتلاقت ولا لأ!”
موجة ضحك تانية هزت الأوضة.
حسيت إني عايزة أرجع ونفسي مسدودة من القرف.
بعدها قعدوا يفتكروا المرة اللي فهموني فيها إن مازن جاله غيبوبة بعد العملية، وأنا قضيت الليل كله بعيط وأدعي في المسجد عشان ربنا يشفيه.
وبعدين افتكروا تهمة السرقة العلمية والتزوير الفاشلة اللي لبسوهالي في آخر سنة في الجامعة.
ساعتها قضيت ساعات وأيام بجري زي المجنونة بلم أدلة عشان أبرأ نفسي وأثبت إني مش حرامية.
وده كان السبب اللي خلاني أتوصل متأخرة لحفل تخرجي وأضيع فرحة عمري.
طول السنين دي كنت فاكرة إنها مصائب وسوء حظ.
مشاكل بتطلعلي من تحت الأرض.
قلة بخت وصدمات.
وكان مازن دايماً يقولي إن عقلي صغير وبكبر المواضيع وبتأثر بسرعة وأوفر.
لحد ما سمعت جملة شقلبت كياني وفتحت عيني على الحقيقة.
شريف قال: “فاضل تلاتة بس.. تسعة وتسعين مقلب وانتقام والرهان يخلص.”
“وبعدين؟”
“مازن يسيب نورين ويرجع لـ نيرة.”
نيرة!#حكايات_شروق_خالد
حكايات شروق خالد
حسيت بضربة بسكينة في صدري.
نيرة كانت المرشحة الأولى والأقوى عشان تكسب مسابقة الرقص والاستعراض في الجامعة من أربع سنين.
كانت بنت ناس مريشين وعيلة معروفة، ومدربين خصوصيين ورعاة، والكل كان بيحلف إنها اللي هتصعد وتكسب.
بس أنا اللي كسبت.
نورين الشافعي.
بنت محاسب بسيط من شبرا ومدرسة ابتدائي.
افتكرت الليلة دي.
التصقيف اللي هز القاعة.
أمي وهي بتعيط في أول صف من الفرحة.
أبويا وهو بيصور كل لحظة بتليفونه القديم.
عمري ما اتخيلت إن ورا الكواليس، نيرة كانت بتعيط بحرقة وغل قدام مازن.
حد قال: “نورين خطفت منها البطولة واللقب.”
التاني رد عليه: “عشان كده مازن قرب منها وعمل بيحبها.. كان لازم يخليها تقع في غرامه الأول، وبعدين يدفّعها الثمن ذل ومهانة ويكسر نفسها.”
النفس اتقطع من صدري.
تلات سنين.
تلات سنين وأنا بحاول أكون كفاية وأعجبه.
تلات سنين استحملت فيهم قسوته وسكاته وإهانته عشان كنت فاكرة إن مازن طبعه جاف ومبيعرفش يعبر عن مشاعره.
فجأة هو اتكلم.
“كبرتوا الموضوع ليه؟ نورين هي اللي حاشرة نفسها في كل حاجة ومغفلة، محدش ضربها على إيدها.”
نبرة صوته مكنش فيها أي ذرة تأنيب ضمير.
كان فيها لامبالاة مقرفة ورخص.
رجعت لورا بالراحة قبل ما حد يلمحني.
خرجت أتسحب من المستشفى، وعديت البوابة، وقعدت جنب حوض زرع ودفنت وشي بين إيديا وقعدت أعيط بحرقة وجع.
تليفوني رن.
كانت أمي.
“نورين، باباكي خلص كل حاجة تخص الشقة اللي في الإسكندرية.. ومسافرين الأسبوع الجاي. لسه عندك فرصة تيجي معانا.”#حكايات_شروق_خالد
طول الشهور اللي فاتت كنت برفض.
عشان مازن.
بصيت للعلامة الزرقا والزرقان اللي في دراعي.
افتكرت دمي اللي اترمى في الزبالة.
افتكرت ستة وتسعين إهانة وذل اتحولوا لضحك ومهزلة ورهان.
رديت على أمي بصوت ثابت زي الحديد:
“ماما… احجزولي مكان معاكم.”
قفلت الخط.
بس أول ما رفعت رأسي، جالي مسج جديدة من مازن:
“تعالي بكرة.. لسه فاضل تلات حاجات محتاجين نخلصهم سوا.”
مكنتش اعرف وقتها إن الـ “تلات حاجات” دول هيخربوا ويهدوا حاجة أكبر بكتير من مجرد علاقة بين اتنين.
مسحت دموعي بصوابعي المترعشة، ووقفت على رجلي وأنا حاسة إن النور رجع لعينيا من جديد، بس المرادي نور العما والغل اللي هيردلي حق السنين دي كلها.
رديت على رسالة مازن ببرود تام وكتبتله: “حاضر يا حبيبي، بكره الساعة 10 الصبح هكون عندك.. حضرلي كل الورق والمواضيع اللي فاضلة عشان نخلصها سوا مرة واحدة.”
رجعت البيت، ودخلت أوضتي وقفت قدام المراية. بصيت للشكّة اللي في دراعي وللورم الخفيف مكان إبرة التبرع. ابتسمت ابتسامة شر مكنتش أعرف إنها جوايا. مازن وأصحابه افتكروا إن الـ 96 حركة اللي عملوها كانوا بيذلوني بيهم، بس هما مش فاهمين إنهم أدوني أوراق ومستندات تدينهم وتوديهم في ستين دقة.
في الثلاث سنين دول، وبحكم إني شغالة محاسبة ومراجعة في مكتب كبير، مازن كان بياخدني معاه الشركة بتاعته عشان “يستشيرني” في شغل العقود والضرائب. وكان بيخليني أراجع حسابات الشراكة بينه وبين والد نيرة، الراجل الأعمال الكبيرة اللي ممول مشروعه.
قعدت على اللاب توب طوال الليل. فتحت النُسخ المخبأة عندي من الميزانيات، وعقود السلفيات، والتحويلات البنكية. واكتشفت المفاجأة..
مازن مكانش بس بيلعب بيا وبيعمل مقالب عشان يرضي نيرة.. دا كان بيسرق فلوس والد نيرة نفسه! وكان بيسجل التحويلات والمخالصات المزورة دي باستغلال توقيعاتي وأختامي اللي كان بياخدها مني بحجة “الاستشارة”، عشان لما المصيبة تفرقع، يلبسهالي أنا ويهرب هو بالفلوس مع نيرة!
يعني المقلب رقم 97 و 98 و 99 مكانوش مجرد مقالب.. دول كانوا خطة التخلي عني وتربيسي في قضية أموال عامة اختلاس وتزوير بـ 20 مليون جنيه!
الساعة جت 10 الصبح.
نزلت ورحت على شركته في التجمع. دخلت الأوفيس بابتسامة هادية جداً، ومسكت في إيدي شنطة الشغل. مازن كان قاعد ومستنيني، وجنبه أصحابه كريم وشريف، ونيرة بنفسها كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبتبصلي بتكبر وتريقة.
مازن وقف وقال بتناكة: “أهلاً يا نورين.. كويس إنك جيتي في ميعادك. فاضل ورقتين محتاجين توقعيهم عشان نخلص موضوع القرض الجديد بتاع الشركة، وبعدها فيه طلب تغيير ملكية الشقة اللي كتبتهالك زمان.. محتاجين نلغيه.”
نيرة ابتسمت بصفار وقالت: “معلش يا نورين، أصل الشقة دي مازن هيسجلهالي باسمي قبل فرحنا.. أنتِ عارفة الأصول بقى.”
بصيت لـ مازن، وبعدين بصيت لـ كريم وشريف اللي كانوا بيحاولوا يداروا ضحكتهم بالعافية.
سحبت كرسي وقعدت ببرود، وحطيت الشنطة على الترابيزة.
“طب ومش هنكمل الـ 99 حركة الأول؟”
السكون نزل على الأوضة زي الصاعقة.
ضحكة نيرة اتجمدت على وشها. مازن وشه جاب ألوان وشفايفه اتهزت: “أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه يا نورين؟”
طلعت من الشنطة ملفين كبار لونهم أحمر، وحطيتهم على المكتب.
“بقول الـ 96 حركة اللي فاتت حقيقي كانوا بيموتوا من الضحك.. بالذات حركة كيس الدم اللي اترمى في زبالة مستشفى المعادي إمبارح.”
كريم وشريف وقفوا مذعورين، ومازن عروق رقابته زهرت وقال بلعثمة: “نورين.. أنتِ فاهمة غلط.. دي كانت..”
“سكتش؟” كملت عنه بابتسامة متوحشة. “طب بصوا كده في الملف ده.. ده ملف البلاغ اللي اتقدم مباحث الأموال العامة الساعة 8 الصبح. فيه كل تحويل بنكي مزور عملته يا مازن، كل اختلاس من فلوس أبو نيرة اللي سرقته ودخلته في حسابات وهمية باسمك وباسم نيرة، والتقرير المالي الجنائي اللي يثبت إن التوقيعات اللي أخدتها مني كانت تحت التدليس والاحتيال.”
نيرة وقفت بتصرخ: “أنتِ بتقولي إيه يا جربوعة أنتِ! أبويا هيدفنك!”
“أبوكي برة في الصالة مع الشرطة دلوقتي يا حلمية.. أصل أنا كلمته الساعة 7 الصبح وافتديته بالدفاتر المضبوطة قبل ما خطيبك يلبسه في حيطة ويخلع بفلوسه معاكي!”
في اللحظة دي، باب المكتب اتكسر، ودخل مباحث الأموال العامة ومعاهم والد نيرة اللي كان شكله هيجيب أجله من الصدمة والغل، وهو بيبص لـ مازن وبيزعق: “يا ابن الـ… بياكل في خيري وبيسرقني وبلبسني أنا وبنتي!”
الشرطة الكلبشات ضربت في إيد مازن، وفي إيد كريم وشريف بصفتهم شركاء في التزوير والتستر.
مازن وهو بيتسحب والكلابشات في إيده، بصلي بنظرة ترجي وانكسار وهو بيصرخ: “نورين! ارحميني يا نورين! عشان الخاطر اللي بينا! دي كانت ألعاب ورهان والله العظيم!”
قربت منه ببطء، ومديت دراعي اللي فيه علامة التبرع بالدم تحت عينيه بالظبط، وقلتله بصوت واطي يقطع القلب:
“كيس الدم اللي رميته في الزبالة إمبارح.. كان آخر حاجة نظيفة بيننا. والـ 3 حركات اللي فاضلين في الرهان؟ اعتبر السجن، والإفلاس، والفضاحة هما الـ 3 حركات بتوعي أنا.. وبكده الرهان خلص كسبانة فيه 100/100.”
خرجت من الشركة وأنا مرفوعة الرأس، الهواء النقي دخل صدري، وشفت أمي وأبويا مستنيني في العربية وتحت شمس جديدة، ركبت معاهم وأنا عارفة إن حياتي الحقيقية بدأت دلوقتي.#حكايات_شروق_خالد
بعد أسبوع، كنت قاعدة في كابينة على البحر في الإسكندرية مع أمي وأبويا. الشمس كانت دافية، والموج بيهدى ويروح، وأنا حاطة اللاب توب قدامي وبشرب كوباية شاي بالنعناع في أمان الله.
التليفون رن وكان رقم غريب.
رديت ببرود: “ألو؟”
جالي صوت محامي مازن وهو بيترجى وبيحاول يفاصل: “يا أستاذة نورين، التنازل منك بس هو اللي هينقذه من عقوبة التزوير المشددة.. مازن والدته محجوزة في المستشفى ومصدومة، وهو مستعد يكتبلك أي إقرار أو تعويض مالي تطلبيه.”
ابتسمت وأنا بفرك مكان الشكة اللي في دراعي، والتي كانت خلاص بدأت تختفي.
رديت بثبات: “قول لـ مازن إن التعويض الوحيد اللي يقدر يقدمهولي هو إن يقضي الـ 10 سنين الجايين جوة، عشان يتعلم إن مش كل البنات مغفلات، وإن في دم مابيروحش هدر.”
قفلت السكة في وشه وعملت للبلوك.
أبويا جه من ورايا وحط إيده على كتفي، وفي إيده كوباية قهوة: “ها يا نورين، جاهزة للبدء من جديد؟ المكتب الجديد في إسكندرية طالبين محاسبة قانونية تشرف على الحسابات كلها.”
بصيت للبحر، وحسيت بنسيم هوا نقي بيدخل صدري، وكأن كل القرف والهموم اللي عشتها الثلاث سنين اللي فاتوا اتبخرت مع مية البحر.
رفعت رأسي وابتسمت لأبويا وقلتله: “جاهزة يا بابا.. وجاهزة كمان أوريهم ازاي المحاسبة الشاطرة بتعرف تظبط كل الحسابات القديمة والجديدة بالقرش.”
الحياة مابتنتهيش لما بنكتشف خدعة الناس اللي بنحبهم، الحياة بتبدأ بجد لما بنعرف قيمة نفسنا وبنرفض نكون مجرد لعبة في إيد حد.
ومرت الشهور، وابتدت حياتي الجديدة في إسكندرية تأخد شكل تاني خالص.
اشتغلت في شركة الملاحة والتصدير، وبفضل ربنا ثم خبرتي ودقتي في شغل الحسابات، وقفت على رجلي بسرعة وقدرت أثبت وجودي. مديري في العمل كان شايف شطارتي وأمانتي، وفي ظرف سنة واحدة اتترقيت ومسكت رئيسة قسم المراجعة المالية.
في يوم، وأنا قاعدة في مكتبي والمساء بيحدف نوره الهادي على البحر، دخل عليا السكرتير وبإيده ملف.
“أستاذة نورين، ده الملف المالي بتاع التوريدات الخاصة بشركة الصيانة والخدمات الجديدة اللي جاية تقدم على مناقصة معانا.”
#حكايات_شروق_خالد
فتحت الملف بالراحة وأنا براجع أرقام الميزانية.. وفجأة عيني وقعت على اسم المالك والمؤسس للشركة:
نيرة المحلاوي.
ابتسمت بسخرية.
المحامي كان قال لي قبل كده إن نيرة وأبوها اضطروا يبيعوا كل أصولهم عشان يدفعوا الغرامات والتسويات بتاعة القضايا، ومفاضلش معاهم غير شركة خدمات صغيرة بتحاول تقوم من تحت الأرض.
طلبت السكرتير فوراً: “الممثل القانوني للشركة دي موجود برة؟”
“أيوه يا فندم، أستاذة نيرة بنفسها برة ومستنية الرد.”
“خليها تدخل.”
بعد دقيقة، الباب اتفتح، ودخلت نيرة.
مكانتش نيرة بتاعة زمان.. هدمتها كانت بسيطة، وشها باهت، ونظرة الكبر والافتراء اللي كانت في عينيها اتطفت خالص وتحولت لخوف وانكسار.
أول ما رفعت عينها وشافتني قاعدة على كرسي الإدارة، خطوتها اتجمدت على الباب، ووشها جاب ألوان.
“نورين؟!” هَمست بصوت مخنوق.
أشرت لها بإيدي ببرود: “اتفضلي اقعدي يا أستاذة نيرة.. إحنا هنا في شركة محترمة وبنتعامل بالأوراق والأرقام بس.”
قعدت على حرف الكرسي وهي بترتعش، وفتحت بؤها بالعافية: “أنا.. أنا مكانتش أعرف إنك شغالة هنا.. أر goكي يا نورين، بلاش تقطعي عيشنا. إحنا خلاص اتقرصنا وأبويا صحته متدهورة والشركة دي أملنا الوحيد نوقف على رجلنا.”
بصيت في أوراق المناقصة بتمعن، ورجعت قريت الميزانية.
أنا مكنتش حاقدة، ولا كنت عايزة أظلم حد.. لأن الحساب القديم صفّيته بالعدل والقانون.
قفلت الملف وبصيت لها بثبات: “الأوراق والميزانية فيها أخطاء حسابية تقيلة، ولو راجعتها لجنة ثانية كانت اترفضت فوراً.. بس أنا هديكم فرصة أسبوع تعدلوا الأرقام دي وتمشوا بالقانون مظبوط.”
نيرة عينيها اتملت دموع، وبصتلي بذهول ومكنتش مصدقة إن اللي قدامها دي هي البنت اللي كانت بتتآمر عليها وتذلها.
“أنتِ.. أنتِ بتساعديني بعد كل اللي عملته فيكي؟”
رديت عليها بنبرة هادية بس ثقيلة: “أنا مابساعدكيش أنتِ.. أنا بطبق الأصول اللي اتربيت عليها. أنا أخدت حقي بالكامل يوم ما كل واحد لبس الكلبشات وأخد جزاءه، ومفيش بيني وبينك تار شخصي. بس افتكري دايماً.. إن الدنيا بدوارة، والظلم مالوش رجلين.”
قامت وقفت وهي بتهز رأسها وبتمسح دموعها، وقالت بصوت واطي: “شكراً يا نورين.. آسفة على كل حاجة.”
خرجت ونفذت كلامي، وعدلت الأوراق ورجعت اشتغلت بنظافة.
أما مازن.. فجالي خبر من المحامي إن حكم السجن النهائي صدر عليه بـ 7 سنين مع الشغل والنفاذ، ووالدته اضطرت تبيع شقتهم عشان تسدد جزء من القضايا.
في الليلة دي، نزلت مشيت على كورنيش إسكندرية والهواء البارد بيلفح وشي. مسكت تليفوني وبصيت على صورة قديمة ليّا من ثلاث سنين.. كنت فيها بنت ضعيفة، مسلوبة الإرادة، ومصدقة كلام الحب المزيف.
مسحت الصورة نهائياً.
سندت على السور وبصيت للبحر الواسع وأنا حاسة بقمة القوة والسلام الداخلي. الخيانة كانت درس قاسي ومُر، بس هي اللي صنعت نورين الجديدة.. نورين اللي محدش يقدر يكسرها، ولا يلعب بكرامتها تاني أبدًا.
انتقام رقم 96
حكايات شروق خالد