الساعة الناطقة:#حكايات_شروق_خالد

تجمّد مروان في مكانه عند عتبة الباب.
كان ماسك بوكيه الورد الأبيض بإيد بتترعش، ووشه شاحب زي الموتى، وعينيه متسعة من الصدمة وهو شايفني قاعدة على السرير، ساندة ظهري ببطء، وعيني في عينه مباشرة.
البوكيه وقع من إيده على الأرض، والورد الاتفرك على البلاط.
“نـ… نورا؟” اتلعثم، وصوته خرج خفيض ومبحوح كأنه مش مصدق. “أنتِ… أنتِ عايشة؟”
أنا ممِلتش ولا رمشت، وقلت بصوت هادي زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
“خايب أملك يا مروان؟ كنت فاكر إنك لما تسيبني غرقانة في دمي وتوشوش سمر وتقولها ‘هي ماتت’.. إن الموضوع خلص؟”
مروان اتراجع خطوة لورا وشكله هيهرب، بس اتفاجئ بمريم (المحققة) بتبان من ورا الباب ومعاها أمين شرطة، وقفت سادة الممر تماماً.
“استنى عندك يا أستاذ مروان،” قالت مريم بنبرة حادة وباردة. “الزيارة يلا بدأت.”
مروان بدأ يعرق بغزارة، وعينيه بقت تتنقل بيني وبين المحققة والرائد اللي واقف.
“أنا… أنا جيت أطمن على مراتي! أنا بحبها! اللي حصل ده كان سوء فهم… سمر هي اللي هجمت علينا وأنا كنت بظبط السك\ينة…”
“سوء فهم؟” دخلت في الكلام، وسحبت نفسي وقعدت بشكل أوضح رغم الوجع اللي بيعصر بطني. “وسوء الفهم ده هو اللي خليتكوا تتفقوا عليه من الصبح؟ لما سمر بعتتلك ‘يبقا الليلة كفاية’ وأنت رديت عليها ‘يبقا الليلة تنتهي الأمور’؟”
مروان وشه اتخطف تماماً، وكأن حبل المشنقة اتلف حوالين رقبته في اللحظة دي.
“أنتِ… أنتِ عرفتي منين؟”
“وعرفت كمان إنكوا استنيتوا ١٧ دقيقة كاملين تسيبوني أنزف وأنا متلقحة على سجادة الصالة عشان تظبطوا الحكاية اللي هتقولوها للبوليس،” كملت وأنا بساوره بعيني. “بس نسيت حاجة واحدة يا مروان… نسيت إن ساعتي الذكية كانت بتسجل كل كلمة، وكل همسة، وكل نفس خبيث اتكلمتوا بيه وأنا عاملة نفسي ميتة.”
مروان انهار وركبه خذلته، فجلس على الكرسي القريب من الباب وهو ماسك راسه بإيديه الإثنين، وبدأ يعيط بتمثيل ورخص:
“نورا ارجوكِ افهميني… سمر هي اللي ضغطت عليا! هي اللي هددتني وغسلت دماغي! أنا بحبك والله، أنا اتجننت لما شفت الدم…”
دكتور خالد قرب من السرير وبص لمروان بقرف، وبعدين وجه كلامه ليا بابتسامة هادية:
“مدام نورا، أعصابك أهم حاجة دلوقتي عشان البيبيين.”
مروان رفع راسه فجأة، وعينيه وسعت من الصدمة أكتر وأكتر:
“بيبيين؟ أنتِ… أنتِ حامل؟”
بصيت له بمنتهى القسوة والشماتة اللي عمري ما حسيتها في حياتي، وحطيت إيدي على بطني الملفوفة بالشاش:
“أيوه يا مروان… حامل في توأم. ولادك اللي كنت هتقت\لهم مع أمهم عشان خاطر واحدة واطية بعتك وباعت نفسك عشانها. ودلوقتي سمر هربت وسابتك تشيل الشيلة لوحدك.”
في اللحظة دي، مريم طلعت الكلبشات وصوت رنتهم ملأ الأوضة:
“أستاذ مروان، أنت مقبوض عليك بتهمة الشروع في القت\ل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتآمر على قت\ل زوجتك. اتفضل معانا من غير وش.”
مروان كان بيتقاد لبره وهو بيبصلي بنظرات رجاء وتوسل، وبيصرخ: “نورا سامحيني! نورا عشان خاطر العيال!”
بس أنا أدرت وشي ناحية الشباك، وبصيت للشمس اللي طالعة تنور السماء فوق القاهرة…
لأول مرة من تلات سنين، حسيت إني بتنفس حرية بجد.
الشرور اتقفلت عليه، والقانون هياخد حقي وحق ولادي بالقلم العريض، ومن النهاردة… رحلة حياتي الجديدة بدأت من غيره.
#حكايات_شروق_خالدثلاث كلمات بس.
«يبقا الليلة كفاية».
مش مجرد رسالة عادية، دي كانت شهادة وفاتي اللي مروان مضى عليها بكامل إرادته.
كل السنين اللي عيشتها معاها.. قصدي معاه، الوعود، الكلام الحلو عن بكرة، والليالي اللي نمت فيها على كتفه.. كل ده اتقلب في ثانية زي بيت ورق. مطلعش مضحوك عليه، ولا بطل غلبان دافع عن خطيبته أو صاحبته البريئة؛ ده كان شريك كامل في محاولة قت\لي.
غمضت عيني، وحسيت بنفسي بيضيق لدرجة إن جهاز دقات القلب بدأ يصفر. دكتور خالد نط وقرب من السرير، والمحققة مريم حطت تليفونها في جيبها ببطء، ووشها بقى أشبه بقطعة ثلج.
“يا نورا، اهدي.. اتنفسي براحة خالص،” قال دكتور خالد وهو بيعدل المحلول.
بس أنا مكنتش قادرة أهدى. النار كانت قايدة في جسمي، مش بس من الجروح، لأ، من الحقيقة المرعبة اللي خلت كل قطرة دم تجري في عروقي تتجمد.
افتكرت البيبيين اللي بينبضوا جوه بطني. توأم بريء ملوش أي ذنب غير إنه ناتج عن جواز مزيف وخيانة عمياء. إيديا اترعشت، وحطيتها بحماية على بطني الملفوفة بالشاش.
مش هاسمح لهم يقربوا من عيالي.
مش هاسمح لمروان ولا سمر يكسبوا في الآخر.
مريم لفت وشها ناحية باب الغرفة المفتوح نص فتحة، وقالت بصوت حاسم وحاد:
“اللعبة اتغيرت خالص. دي مقت\لتش دفاع عن النفس ولا خناقة شوارع. دي جر\يمة قت\ل مع سبق الإصرار والترصد، ومؤامرة متخططلها صح في وسط القاهرة.”
بصيت لها، وحسيت صوتي بيرجعلي تدريجي، ناشف ومبحوح بس واثق:
“فين سمر؟”
ردت مريم وهي بتطلع جهاز اللاسلكي بتاعها:
“المباحث داهمت شقتها في المعادي من دقايق، بس مكنش فيه حد. شكلها شمت خبر وهربت.. بس مش هتطول، المطارات والموانئ وكل حتة في المحروسة متعلم عليها دلوقتي.”
“ومين كمان؟ مروان؟” سألت وعيني بتلمع غضب.
“مروان في قسم الشرطة بيتحقق معه، ولحد دلوقتي كان بيمثل دور الضحية البريئة.. بس الرسائل دي كفيلة تقفل عليه الباب بالسنين.”
وقبل ما المحققة تلحق تقول تفاصيل تانية، باب الغرفة اتفتح فجأة.
دخلت الممرضة المسؤولة عن الدور في المستشفى ووشها أصفر وعينيها مفتوحة من الرعب، وقفلت الباب وراها بسرعة.
“دكتور خالد.. يا فندم.. لازم تعرفوا حاجة حالا.”
مريم وقفت في نص الاوضة ومستعدة:
“في إيه؟”
قالت الممرضة بصوت مهزوز:
“جوزها.. مروان. طلعوه مؤقتاً بكفالة أو على ما التحقيقات تخلص، وهو دلوقتي.. هو تحت في الاستقبال بتاع المستشفى. بيسأل عن أوضة مدام نورا.. وماسك في إيده بوكيه ورد أبيض.”
نفس الورد الأبيض.
رمز النقاء الكداب اللي جاي يقدمهولي وهو بيمثل دور الراجل المكسور على مراته.
سكتت الاوضة سكون مرعب.
دكتور خالد بصلي بقلق، ومريم مدت إيدها لطبنجتها في الغلاف بهدوء واتأكدت من الأمان بتاعها.
“هو عارف إنك فوقتي؟” سألتني مريم بعيون حادة.
هزيت راسي برفض، وحسيت قلبي بيدق جامد لدرجة وجعت بطني.
“لا.. أنا سيبته وهو فاكرني مت على السجاد. لما المسعفين جم، كان متأكد إني مش هقوم تاني.”
ابتسمت بمرارة، والدموع نازلة على خدودي، وبعدين بصيت للمحققة والجرأة ملو قلبي لأول مرة من سنين:
“خليه يطلع.”
عينيها وسعت من الدهشة:
“إيه؟! أنتِ اتجننتِ يا نورا؟ أنتِ لسه خارجة من العناية وواقفة على حرف الموت!”
“أنا مش مجنونة يا فندم،” قلت بصوتي الضعيف بس الثابت. “أنا قضيت تلات سنين مصدقة كذبه، عايشة في ظله، وبثق في واحد كان بيخطط يموتني في بيتنا. مش هختبي منه تاني.”
بصيت لساعتي الذكية اللي مرمية في كيس الأحراز على الكومودينو، ورجعت بصيت للمحققة:
“خليه يدخل الأوضة. خليه يشوف ضحيته اللي كان فاكرها ماتت.. وهي واقفة قدامه بتتنفس وعارفة كل بلاويه.”
نظرات مريم اتقاطعت مع دكتور خالد، وبعدين هزت راسها ببطء، وظهرت على وشها ابتسامة تحدي:
“شكلك مكنش تعرف مراتك على أصلها يا مروان. جهزوا الرجالة.. وخلينا نشوف هيعرف يستحمل يشيل الورد ده للآخر ولا لأ.”
وفي اللحظة دي، ومع صوت خطوات بتقرب ببطء في ممر المستشفى برا، حسيت البيبيين بيتحركوا جوه بطني بحركة خفيفة، كأنهم بيقولولي إنهم في ضهري في المعركة دي.
الباب اتفتح بالراحة.. وظهر وش مروان من الفتحة، أصفر، مبلل عرق، وماسك في إيده بوكيه الورد الأبيض، وهو ولا يعرف أبداً إن الحفرة اللي حفرها لي في مصر.. فتحت بوابتها عشان تبلعه هو لوحده.
#حكايات_شروق_خالدالباب اتقفل على صرخات مروان واستعطافه الرخيص اللي مكنش ليه أي قيمة خلاص. أمين الشرطة والمحققة مريم سحبوه بره الأوضة، والصوت بتاعه بيقل تدريجي لحد ما اختفى في الممر الطويل، وساب وراه ريحة خوف وضعف هو كان السبب فيهما.
رجعت ظهري لوراء على المخدة، وأخدت نفس عميق.. لأول مرة بحس إن الهواء بيدخل صدري بجد مش بيجرحه. الألم في بطني لسه موجود، بس وجع الروح.. وجع الخيانة اللي كان بياكل في قلبي تلات سنين.. اختفى تماماً كأنه ما كانش.
دكتور خالد طبطبع على كتفي بحنان وقال بابتسامة دافئة:
“بطلة يا مدام نورا.. اللي عملتيه ده شجاعة نادراً ما بنشوفها. أنتِ أنقذتِ نفسك وأطفالك بحكمة تدرس.”
في اللحظة دي، دخلت المحققة مريم تاني الأوضة، ووقفت جنب السرير وبان على وشها رضا أمني مفيش بعده:
“التسجيل اللي على الساعة اتفرغ تقنياً وبقى دليل قاطع لا يقبل الشك، والنيابة العامة أصدرت فوراً أمر ضبط وإحضار لسمر في كل المحافظات والمنافذ.”
وكأنها كانت حكاية مكتوبة بحرفية.. مجرد ما مريم خلصت كلمتها، تليفونها رن بصوت عالي.
ردت باهتمام وسرعة:
“أيوه يا فندم؟.. تمام.. ممتاز.”
قفلت الخط، ووبصتلي بابتسامة واسعة:
“شكل حظ صاحبتك الصؤط مش حلو خالص يا نورا. الكمين اللي محطوط على طريق الإسكندرية الصحراوي قبض عليها وهي هاربة في عربية تاكسي، ومعاها شنطة هدومها وشوية فلوس سحبتهم من حساب مروان قبل ما تهرب.”
غمضت عيني لحظة وأنا بقول في نفسي: اتقفل القوس.
سمر اتقبض عليها، ومروان في الحجز يستنى حبل المشنقة أو المؤبد، وأنا.. أنا هنا، في أمان، ومعايا أحلى هدية ربنا كتبهالي: توأم هربوا من الموت بقدرة قادر عشان يبقوا سبب حياتي ودفعتي الجديدة.
مرت الشهور بسرعة، وكأنها سنوات طويلة من تطهير الحياة من الشوائب.
في قاعة محكمة جنايات القاهرة، صدر الحكم التاريخي: المؤبد لمروان وسمر بعد ما اترفعت ضدهم قضايا الشروع في القت\ل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وتكوين تشكيل لقت\ل زوجة وسرقة الحقوق. مكنش فيه ثغرة واحدة ليهم، فساعتي الذكية ورسائلهم كانت أشبه بقاضٍ عادل نطق بالحكم قبل حتى ما يبدأ المحامي بتاعهم يدافع.
واليوم.. بعد ما خرجت من المستشفى وربنا تمم حملي على خير، كنت واقفة قدام شباك بيتي الجديد في المعادي، ومعايا على دراعي ولادي التوأم.. ولد وبنت، عيونهم بتلمع بالحياة والنقاء.
بصيت لشكلي في المراية، وشوفت الست اللي كانت نايمة على سجادة الصالة فاكرة إن نهايتها جت.. ولاقيتها واقفة قوية، صلبة، مبتسمة للحياة من جديد.
محدش يقدر يكتب نهايتك طول ما لسه في نفسك نَفَس.. وأنا، نورا، قصتي لسه في أولها.
#حكايات_شروق_خالدبعد خمس سنين من الليلة اللي غيرت مجرى حياتي، كنت قاعدة في جنينة بيتي الهادي في المعادي.
الهواء كان عليل، وريحة الياسمين مالية المكان. عيني كانت مرفوعة على جوري ويوسف، ولادي التوأم، وهما بيجروا حوالين شجرة الشبح ويضحكوا بصوت مليان بهجة وبراءة. ما شاء الله، كبروا وبقى عندهم خمس سنين، ملامحهم بتملا البيت دفء وحياة. كل ما ببص في عيونهم، بفتكر إني كنت على بُعد خطوة واحدة من الفراق الأبدي، وإزاي ربنا كتب لي حياة جديدة وعوضني بيهم عن كل لحظة وجع وخوف عشتها.
الباب الخشبي للحديقة فتح بهدوء، ودخل طارق وهو شايل شنط الشغل وواضح عليه التعب، لكن أول ما عيناه جت في عيني ولقى الأولاد بيجروا عليه ويحضنوه، ابتسامة واسعة نسفته كل إرهاق اليوم.
طارق.. زميلي القديم في الشغل اللي وقف جنبي كأخ وأكتر في أزماتي، واللي التحقيقات والمحاكمات قربتنا لبعض بصدق مش بمصلحة. العلاقة اللي بدات بدعم إنساني تحولت بحب حقيقي نقي، إنسان شافني مكسورة وفي قاع الوجع، وبدل ما يبعد، بناني حجر حجر لحد ما وقفت على رجلي من تاني.
“بابا جه!” صاح يوسف وجرى عليه، وشالته جوري في حضنه وهي بتضحك.
باسهم الاتنين، وبعدين قرب مني، وباس رأسي بحنان كعادته كل ما يرجع من الشغل. قعد جنب على الكرسي الخشب، وبص للأولاد بحب:
“لسه مصدقتش لحد دلوقتي إنهم بقوا شقاوة بالشكل ده.”
حطيت إيدي فوق إيده اللي على الترابيزة، وابتسمت:
“ولا أنا.. ساعات بحس إن اللي فات ده كان حلم بعيد، كابوس وصحيت منه.”
“عشان أنتِ ست الكل، وقوية بزيادة،” قالها بصوت دافئ ومطمئن. “مفيش كابوس بيدوم قدام إرادة واحدة زيك.”
بصيت لبعد، بعيد أوي عن أسوار البيت، لناحية السجن اللي بيقضي فيه مروان وسمر سنينهم، يقضوا العمر كله ورا الأقفاص الحديدية.. بعيد عن أي شر ممكن يهدد ضحكة ولادي. القضبان دي مكانها الحقيقي، ومكاننا احنا كان هنا.. في النور، والحياة، والبدايات الجديدة.
سحبت نفسي من التفكير في الماضي، وبصيت لطارق والأولاد اللي بيغنوا ويلعبوا حوالينا، وهزيت راسي بقناعة تامة..
القصة مخلصتش لما هم حاولوا ينهوها.. القصة بجد بدأت يوم ما قررت أعيش.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *