اهلي رموا اختي

أهلي رموا أختي المطلقة وتوأمها اللي لسه مولودين في وسط عاصفة مرعبة، وقالوا إنها فضحتنا وتستحق تتقطع علاقتنا بيها للأبد.. أول ما عرفت، سقت عربيتي 3 ساعات في المطر عشان أنقذها، بس اللي شفته لما وصلت هناك خلاني أترعش من الرعب!
العاصفة كانت بلعت الطريق تماماً، المطر كان بيخبط في إزاز العربية بقوة لدرجة إن المساحات مبقتش شايفة حاجة قدامها.. كنت بسوق زي المجنون من القاهرة لحد طريق السويس بعد ما خالتي كلمتني وهي بتترعش في التليفون وقالتلي أهلك سابوا هناء هناك.. في العشة القديمة اللي في المزرعة، ومعاها التوأم.. قالوا لازم تتربى وتعرف يعني إيه فضيحة!.
في الأول افتكرت إني سمعت غلط.. هناء أختي الكبيرة لسه والدة من أسبوعين، وجوزها سابها وهرب قبل ما الولاد يشرفوا، والشهر اللي فات ورقة الطلاق وصلت.. أهلي اتعاملوا مع الورقة دي كأنها جناية، وبالنسبة ليهم الطلاق مش وجع قلب، ده كان عار وكسرة نفس قدام الناس.
حاولت أكلمها 27 مرة، مفيش رد.. لحد ما خالتي بعتت لي رسالة خلت الدم يتجمد في عروقي هما خدوا منها الموبايل وقفلوا عليها!.
وصلت المزرعة في منطقة مقطوعة، الشجر كان بيتحرك بعنف والضلمة كانت كحل.. ركنت العربية في الطين وجريت على

العشة، الباب مكنش مقفول، وده اللي رعبني أكتر!
هناء! صرخت بأعلى صوتي.. مفيش رد.
جوه المكان كانت الريحة رطوبة وعفار، وكشاف موبايلي كان بيتحرك في كل حتة بخوف.. لقيت غيارات بيبي مرمية في الأرض، وشنطة هدومها مقطوعة، وببرونة واقعة على السجادة واللبن غرقان في الأرض.. والجو كان تلج.
وفجأة سمعت صوت.. صرخة طفل.. ضعيفة قوي، يا دوب مسموعة وسط صوت الرعد.. مشيت ورا الصوت لحد الأوضة اللي جوه، وفتحت الباب.
للحظة، جسمي نسى إيه هي الحركة.. هناء كانت قاعدة في الأرض، غرقانة مية، ولابسة ترينج خفيف وفوقيه جاكيت قديم بتاع بابا.. كانت ضامة طفل منهم على صدرها بفوطة، والتاني كان في سبت الغسيل وسط البطاطين وهو بيصرخ صرخات متقطعة من التعب.
بس مش ده اللي خلاني أترعش.. اللي رعبني بجد إن كان فيه بقع دم غامقة مالية الأرض، واصلة من الشباك لحد المكان اللي هي قاعدة فيه.. شفايفها كانت زرقاء، وعينيها مفتوحة بس مش مركزة في حاجة.. وفي إيدها اللي بتترعش، كانت ماسكة سكين مطبخ وموجهاها ناحية الباب!
ابعد عني.. همست بصوت مكسور.
هناء، ده أنا أحمد أخوكي.. اهدي يا حبيبتي.
أول ما عرفتني، السكينة وقعت من إيدها، وانهارت وهي بتقول كلمة واحدة خلتني أقسم إني مش هرحم حد كنت فاكراهم رجعوا تاني عشان يخلصوا عليا بجد!
يا ترى مين اللي كان بيحاول يهجم على هناء في الضلمة؟ وإيه السر اللي اكتشفه أحمد في العشة وخلاه يدرك إن أهله مكنوش بس قساة، دول كانوا مخبين جريمة أرعب من الطرد؟ الحقيقة هتقلب كيانكم!

أول ما السكينة وقعت من إيد هناء، جريت عليها بسرعة ركعت قدامها وأنا قلبي بيتقطع.
أنا هنا خلاص محدش هيقربلك.
كانت بتترعش بطريقة مخيفة، جسمها سخن وبيرتعش في نفس الوقت، وبتبص حواليها كأنها لسه شايفة اللي حصل.
حضنت الطفل اللي في إيدها بسرعة، ولفّيته في الجاكيت بتاعي، وبعدين جريت للطفل التاني في سبت الغسيل كان بيصرخ بصوت ضعيف، صوت طفل تعبان من البرد والجوع.
هناء مين اللي جه هنا؟ مين عمل كده؟
بصت لي بعيون زايغة وهمست
كانوا هنا مش أهلي ناس غريبة كانوا عايزين الولاد
جسمي كله شد.
إيه؟!
مسكت في هدومي وهي بتترعش
دخلوا من الشباك كانوا فاكريني لوحدي حاولوا ياخدوهم مني
بصيت ناحية الشباك
وكان مكسور.
مش مجرد مفتوح لا، الزجاج متكسر من برّه لجوه.
وفي الأرض آثار رجلين طين واضح إن حد دخل فعلاً.
في اللحظة دي فهمت.
اللي حصل مش مجرد طرد وقسوة.
في حد كان عارف إن هناء لوحدها ومعاها طفلين لسه مولودين.
وفي حد استغل ده.
رفعت الموبايل بسرعة وكلمت الإسعاف والشرطة.
وبين ما أنا مستني، بدأت أفتش بعيني في المكان
ولقيت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي.
جنب الشباك كان في قطعة قماش سودا شبه قفاز.
مش بتاعنا.
وبجانبه ورقة مبلولة نصها.
مسكتها وقلبي بيدق.
الكلام كان مش واضح كله بس الجزء اللي اتقري كان كفاية
التوأم مطلوبين الدفع يتم بعد
وقفت مصدوم.
دي مش سرقة عادية
دي محاولة خطف.
بصيت ل هناء وهي مرمية على الأرض ودموعها نازلة في صمت.
إنتي قاومتيهم؟
هزت راسها بالعافية
مسكت السكينة وصرخت هما جريوا لما سمعوا صوت الرعد
قربت منها وقلت وأنا بأسناني
إنتي أنقذتي ولادك.
الإسعاف وصلت خدوا هناء والأطفال بسرعة.
وأنا ركبت وراهم إيدي لسه بترتعش من اللي شفته.
في المستشفى
الدكتور قال
لحقتوهم في آخر وقت كانوا داخلين في انخفاض حرارة خطير.
قعدت على الكرسي وغمضت عيني
لو كنت اتأخرت ساعة بس
كنت هفقدهم.
بعد ساعات
الشرطة بدأت تحقق.
وريّتهم القفاز والورقة وآثار الدخول.
واحد من الضباط بص لي وقال
واضح إن الموضوع متخطط له مش صدفة.
بلعت ريقي
يعني حد كان عارف إنها هنا؟
رد
أكيد.
وفي اللحظة دي
ربطت كل حاجة ببعض.
أهلي.
هم اللي حطوها في المكان ده.
هم اللي قالوا لكل الناس إنها هناك.
ومن غير ما يقصدوا
حوّلوها لهدف.
رجعت البيت تاني بس المرة دي

مش نفس الشخص.
دخلت على أهلي وهم قاعدين كأن مفيش حاجة حصلت.
أبويا قال ببرود
رجعت؟ سيبتها تتربى؟
بصيت له بس المرة دي ما سكتش.
كنتوا هتموتوها.
الدنيا سكتت.
أمي قالت بعصبية
بلاش دراما إحنا بنربيها
صرخت لأول مرة
في ناس دخلت عليها! حاولوا يخطفوا ولادها!
اللون راح من وشهم.
إنتوا حطيتوها لوحدها في مكان مكشوف من غير حماية من غير حد
قربت خطوة وقلت بصوت واطي بس مليان نار
إنتوا مش بس قساة إنتوا السبب في اللي حصل.
أخدت قرار في نفس اللحظة.
هناء مش هترجع هنا.
بصوا لي بصدمة.
كملت
ولا أنا كمان.
رجعت المستشفى
دخلت أوضتها.
كانت نايمة والتوأم جنبها.
قعدت جنبها وقلت بهدوء
إنتي مش لوحدك تاني.
فتحت عينيها بالعافية
وقالت
هما مش هيرجعوا؟
هزيت راسي
لا وأنا مش هسمح بده.
الأيام اللي بعدها
نقلتها عندي.
بدأنا من جديد.
ببطء بتعب بس بأمان.
التوأم بدأوا يهدوا هناء بدأت ترجع تبص في عينينا من غير خوف.
أما الحقيقة الكبيرة
فاتكشفت بعد التحقيق.
العصابة اللي حاولت تخطف الأطفال
كانت بتراقب حالات زي دي أمهات لوحدهم أطفال حديثي الولادة.
وأول معلومة عن هناء
جات من حد في المنطقة سمع كلام أهلي عنها.
في الآخر
اتمسكوا.
والقضية اتقفلت.
بس اللي حصل
ما اتنساش.
بعد شهور
كنت واقف في البلكونة شايف هناء وهي بتضحك لأول مرة وهي شايلة طفل والتاني نايم في الكرسي.
البيت كان بسيط
بس فيه حياة.
وقتها بس فهمت
إن اللي حصل ليلة العاصفة
مكنش نهاية.
كان بداية.
بداية إننا نختار نفسنا
حتى لو ضد أقرب الناس لينا.
وإن العيلة مش دايمًا اللي بتولدك
العيلة هي اللي بتحميك لما الدنيا كلها تبقى ضدك.
المطر وقف
بس اللي حصل في الليلة دي فضل عايش جوانا.
مش مجرد ذكرى
كان نقطة فاصلة.
عدّى أسبوع
هناء خرجت من المستشفى والتوأم بقوا أحسن بس لسه ضعاف.
نقلتهم عندي وكنت شايف الخوف في عينيها كل ليلة.
كانت بتصحى مفزوعة تبص حوالين الأوضة تتأكد إن الباب مقفول وإن الولاد جنبها.
وفي مرة قالت لي بصوت واطي
أنا مش عايزة أرجع حياتي القديمة حتى لو هدفع تمن ده كله.
بصيت لها وقلت
إحنا مش هنرجع إحنا هنبدأ.
القضية كبرت.
الشرطة قدرت تمسك اتنين من العصابة واعترفوا.
وقالوا إنهم عرفوا مكان هناء من كلام منتشر ناس كانت بتقول
في واحدة مطلقة متشالة من بيت أهلها ومعاها توأم لوحدها.
الجملة دي
كانت كفاية.
رجعت بصيت لأهلي
مش بعين ابن
بعين واحد شاف الحقيقة.
رحت لهم آخر مرة
مش عشان أتصالح
عشان أقفل الباب.
أبويا قال
إنت مكبر الموضوع إحنا كنا بنربيها.
بصيت له بهدوء وقلت
التربية عمرها ما كانت خوف ولا رمي في الموت.
أمي حاولت تبكي
دي أختك وإحنا أهلك
قاطعتها
الأهل بيحموا مش بيكسروا.
سكتوا.
وأنا سبت البيت من غير ما أبص ورايا.
بدأنا حياة جديدة.
مش سهلة
بس حقيقية.
شقة صغيرة صوت أطفال بيعيطوا تعب قلة نوم
بس في المقابل
أمان.
هناء رجعت تشتغل أونلاين
ببطء خطوة خطوة.
كانت بتتعب وتقع وترجع تقوم.
وفي يوم لقيتها بتضحك وهي بتقول
أنا أول مرة أحس إني ببدأ من نفسي مش من خوف الناس.
التوأم كبروا
ضحكتهم بقت تملى البيت.
أول كلمة قالوها أول خطوة
كل حاجة كانت انتصار صغير
على اللي كانوا عايزين يكسرونا.
بعد سنة
وقفنا كلنا سوا في البلكونة.
الهوا كان هادي عكس ليلة العاصفة تمامًا.
هناء شايلة واحد والتاني متعلق في رجليها وبتضحك من قلبها.
بصت لي وقالت
فاكر الليلة دي؟
هزيت راسي
عمري ما هنساها.
سكتت لحظة وبعدين قالت
لو كنت اتأخرت شوية كنا ضُعنا.
بصيت للولاد وبعدين لها وقلت
لا كنا هنلاقي طريقنا برضه بس ربنا كان عايزنا نبدأ بدري.
القضية اتقفلت.
العصابة اتحاكمت.
وأهلي
بقوا مجرد ذكرى.
مش كره
لكن صفحة اتقفلت.
وفي يوم
هناء سألتني سؤال بسيط
إحنا بقينا إيه دلوقتي؟
ابتسمت وقلت
بقينا عيلة بجد.
النهاية؟
مش إننا نجونا بس.
النهاية
إننا اخترنا نعيش صح.
من غير خوف
من غير خجل
من غير ناس شايفين الرحمة ضعف.
النهاية
إن اللي اتكسر في ليلة العاصفة
اتصلّح.
وأقوى من الأول كمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *