فرح على ورق الطلاق حكايات شروق خالد

قبل فرحي بساعة واحدة، كنت واقفة حافية في أوضة العروسة في القاعة، وماسكة في طرف التسريحة بإيد، والإيد التانية على بطني اللي في الشهر السابع. الوجع بدأ من الصبح بدري، شد في ضهري كنت بقول لنفسي ده توتر، ده قلق، يمكن الواد حاسس إن أهله هيتجمعوا في بيت واحد فبيتحرك بزيادة.
بس الوجع قلب بجد، وبقى يجي ويروح زي الطلق.
إيمان صاحبتي نزلت بسرعة تشرف على الورد، وأمي كانت في القاعة تحت مشغولة في خناقة مع المنسق عشان أماكن الكراسي والشمع. ولأول مرة من ساعة ما الشمس طلعت، الأوضة هديت.. مفيش غير صوت نفسي العالي، وهمهمة المعازيم اللي بدأوا يوصلوا تحت.
وفجأة، سمعت صوت ياسين برا الباب.
قلبي دق بلهفة.. هو المفروض ميشوفنيش قبل الفرح، بس ياسين طول عمره بيكسر أي تقاليد. قولت أكيد جاي يسرق دقيقة يطمن عليا، يهديني، ويقولي إنه مش قادر يستنى اللحظة اللي هنبقى

فيها مع بعض.
قربت من الباب والابتسامة على وشي.
بس سمعت كريم صاحب عمره وهو بيسأله بصوت واطي
إنت بجد ناوي تكمل المسرحية دي؟
ياسين ضحك ضحكة باردة ومستفزة
بعد النهاردة، مفيش حاجة هتفرق.
جسمي كله تلم من نبرة صوته.
كريم سأله طيب و سلمى؟
ياسين اتنهد وكأن اسمي ده حمل تقيل على قلبه
أبوها خلاص دفع مقدم الشقة. وأول ما العيل يجي، هي هتتلهي فيه ومش هتاخد بالها من أي حاجة لفترة.
أطراف صوابعي جمدت.
كريم وطى صوته أكتر طب و دينا؟
السكوت كان مرعب، لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي في وداني.
لحد ما ياسين قالها
أنا عمري ما حبيت سلمى أصلاً. والطفل ده مش هيغير حاجة.. دينا هي اللي أنا عاوزها، أنا بس بعمل اللي في مصلحتي دلوقتي.
رجلي مكنتش شايلاني، وكنت هقع بالفستان.
حطيت إيدي على بوقي عشان مطلعش صوت، ودموعي نزلت سخنة وبتحرق. الواد رفس بوجع جوه بطني، ووجع ضهري زاد لدرجة خلتني أتسند على الحيطة وأنا باصة للفستان الدانتيل، وللولي اللي عليه، وللطرحة اللي كانت نازلة من شعري زي كذبة شيك أوي.
اللي واقف برا ده مكنش متوتر..
ولا كان شايل هم المسؤولية..
ولا كان مستني يبقى جوزي..
ده كان بيرسم حياته على حساب ثقتي، وفلوس أبويا، ووعد لواحدة تانية.
وفجأة، المزيكا بدأت.
خبطة خفيفة على الباب، وصوت ماما وهي بتقول بحنية
سلمى يا حبيبتي؟ يلا، الناس كلها مستنية.
بصيت لنفسي في المراية.. بصيت للعروسة اللي هو فاكر إنه خلاص ضحك عليها. وشي كان مخطوف، وعيني غرقانة دموع، وإيدي بتترعش.
بس مسحت دموعي بالراحة، ومسكت بوكيه الورد، وفتحت الباب.
لأني هنزل وهتمشى في وسط الناس وهروح لحد عنده.. بس المرة دي، مش ياسين لوحده اللي محضر وعوده.
حكايات شروق خالد
فتحت الباب ولقيت أمي واقفة بابتسامتها اللي مالية وشها، كانت شايفة بنتها الوحيدة العروسة اللي زي القمر، لكن مكنتش تعرف إن القمر ده كان بينطفي من جوه. سندت على إيدها وأنا بخبي رعشة جسمي، وكل خطوة بنزلها على السلم كانت الوجعة في ضهري بتزيد، بس الوجعة اللي في قلبي كانت أقوى ومخلياني قادرة أدوس على الألم.
وصلنا لباب القاعة الكبير، المزيكا عليت، والكل قام وقف.. عيون الناس كلها كانت عليا، مبهورين بالفستان وشكلي، بس عيني مكنتش شايفة غيره هو. ياسين كان واقف عند الكوشة، لابس البدلة وشكله العريس المثالي، راسم على وشي ابتسامة هادية وواثقة، وكأنه ملك الدنيا وما فيها.
قربت منه، مد إيده عشان يستلمني من بابا، وباس راسي قدام الكل.. في اللحظة دي جسمي قشعر من قرفه، بس كملت اللعبة.
المأذون قعد، والناس بدأت تهدى عشان كتب الكتاب. المأذون بدأ يقول الديباجة بتاعته هل تقبلين يا سلمى…
قبل ما يكمل الجملة، سحبت إيدي من إيد ياسين ببطء ووقفت. القاعة كلها سكتت، والهمس بدأ

يعلى. ياسين بصلي باستغراب ووشوشني في إيه يا سلمى؟ قعدي يا حبيبتي التعب مأثر عليكي.
مسكت المايك اللي كان قدام المأذون، وصوتي كان طالع ثابت لدرجة رعبتني أنا شخصياً
قبل ما نكتب الكتاب، وقبل ما الكل يبارك، حابة أشكر ياسين.. حابة أشكره إنه عرفني النهاردة بس، وقبل الفرح بدقائق، إنه متجوزني عشان مقدم الشقة اللي بابا دفعه، وعشان الورث اللي مستنيه من ورايا.
الصدمة شلت القاعة. وش ياسين قلب ألوان، وحاول يضحك بتوتر إنتي بتقولي إيه يا بنتي؟ إنتي أكيد

تعبانة من الحمل، يلا يا جماعة مفيش حاجة..
قاطعته وصوتي زلزل المكان وحابة أبارك كمان ل دينا.. حبيبة القلب اللي ياسين كان لسه بيقول لصاحبه كريم برا إنه مش قادر يستنى يخلص المسرحية دي عشان يروحلها، لأن الطفل اللي في بطني ده مش هيغير حاجة في حبه ليها.
بصيت للمعازيم وقولت يا ريت يا جماعة تطلعوا تليفوناتكم، لأن النهاردة مفيش فرح.. النهاردة فيه كشف مستور. ياسين ، ده

كان ناوي يبني حياته بفلوسنا وهو عينه على واحدة تانية.
ياسين مسك دراعي بغضب إنتي اتجننتي؟ إنتي بتفضحينا؟
زقيت إيده بقوة ورميت بوكيه الورد في وشه الفضيحة هي إنك فاكر نفسك راجل وإنت بتستغل واحدة حامل في ابنك. الشقة اللي دفعت مقدمها يا بابا، المحامي هيرجع حقنا منها النهاردة، والطفل ده.. هيتسمى باسمك أه، بس عمره ما هيشوف وشك.
وجع الطلق زاد عليا جداً، لدرجة إني مكنتش قادرة أصلب طولي، بس كنت حاسة براحة مش طبيعية. بابا وأخواتي هجموا عليه في الكوشة، والقاعة اتقلبت خناقة ودوشة، وأنا وسط كل ده كنت ماشية لبيرا، خارجة من القاعة وأنا رافعة راسي.
قبل ما أركب العربية اللي هتاخدني على المستشفى، بصيت للقاعة للمرة الأخيرة وقولت لنفسي أنا مكسرتش فرحي.. أنا أنقذت حياتي وحياة ابني من كذبة كانت هتدمرنا.
وفي المستشفى، وبعد ساعات من الوجع، شرفت يحيى الدنيا.. كان أحلى وأصدق حاجة حصلت في اليوم ده، وكأن ربنا بيقولي إن النهاية دي هي البداية الحقيقية.
حكايات شروق خالد
بعد يحيى ما شرف الدنيا، مكنتش بس أم جديدة، كنت ست تانية خالص. ياسين حاول يوصلّي كتير، بعت أهله، بعت صحابه، وحتى كريم اللي كان واقف معاه يومها جه وحاول يعتذر ويقول إنه كان بيحاول ينصحه، بس أنا قفلت الباب ده بالضبة والمفتاح.
مرت سنة..
كنت قاعدة في جنينة صغيرة مع يحيى اللي بدأ يمشي ويخطف قلبي بكل خطوة، ولقيت تليفوني بيرن. كان المحامي بتاعي.
مبروك يا سلمى، حكم المحكمة النهائي صدر.. الشقة رجعت باسمك بالكامل، والقضية اللي رفعناها بالتعويض كسبناها.
قفلت السكة وأنا بتنفس لأول مرة من سنة بحرية. وفي نفس اليوم، عرفت من إيمان صاحبتي إن ياسين حاله اتقلب. دينا اللي كان بايعنا عشانها، سابته أول ما عرفت إن فلوسه ضاعت ومستقبله اتدمر بعد الفضيحة اللي حصلت في القاعة. طلع إنه كان راسم عليها هي كمان إنه رجل أعمال ناجح، ولما الحقيقة بانت، هربت منه.
وفي يوم، كنت خارجة من المول وماسكة إيد يحيى، وشفته.
كان واقف بعيد، هدومه مبهدلة، ووشه شايل هموم سنين. أول ما عينه جت في عيني، حاول يقرب، بس أنا وقفت مكاني.. متهزتش.
بص ليحيى اللي كان نسخة مصغرة منه، وعينه لمعت بالدموع. قال بصوت مخنوق
سلمى.. أنا مش طالب غير إني أشوفه، بس خمس دقايق.
بصيت له بكل هدوء وقولت له
يحيى لسه صغير أوي يا ياسين.. مش هيفهم يعني إيه أب كان شايف وجوده مبيغيرش حاجة. لما يكبر، هو اللي هيقرر لو كان عاوز يعرفك ولا لأ. لكن دلوقتي.. إنت بالنسبة لنا مجرد ذكرى في قصة قديمة خلصت وقفلت كتابها يوم الفرح.
سيبته ومشيت، مكنتش حاسة بكرة ولا حقد، كنت حاسة بالعدل.
يحيى شد إيدي وهو بيضحك وبيشاور على عصافير في السما، ضحكت معاه ورفعت راسي للسما وأنا بشكر ربنا..
لأن اليوم اللي كنت فاكرة إنه نهاية العالم ودمار لأحلامي، كان هو اليوم اللي ربنا أنقذني فيه عشان أبدأ الحلم الحقيقي.. حلم فيه صدق، وفيه كرامة، وفيه حب ملوش شروط.
تمت.
فرح على ورق طلاق
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *