زوجي وخطيبتي سرقوا حياتي حكايات شروق خالد
ورق الطلاق اتحرك على الترابيزة الإزاز كأنه سكينة.
وقف قدام إيديا المرتعشة الساعة ٤:١٧ العصر، في كافيه زحمة في الزمالك، وجوزي قاعد جنب أعز صاحبة ليا وبيقولي أمضي على نهاية تلات سنين من عمري كأني بمضي على إيصال طلب أكل.
“امضي يا كارما.”
صوته كان هادي… ودي كانت أبشع حاجة.
لا متعصب، لا مكسوف، ولا حتى متوتر.
هادي وبس.
جنبُه، نرمين وطّت عينيها بنفس النظرة المكسورة اللي كانت بتتقنها من وإحنا صغيرين… نفس النظرة اللي كانت تخلي أمي تدخلها البيت وتأكلها بعد المدرسة، ونفس النظرة اللي خلتني من تلات شهور أفتح لها باب شقتي لما جت تعيط وهي شايلة شنطة بيضا وتقول إنها مالهاش مكان تروحله.
دلوقتي ضوافرها الحمرا فوق كم جوزي.
جوزي أنا.
“كارما…” قالتها بصوت واطي كأنها بتواسيني في عزاء. “ماينفعش تجبري قلب يفضل في مكان هو مش عايزه.”
بصيتلها في صمت.
عشرين سنة وهي بتقولي يا أختي. وقفت جنبي يوم فرحي، وشربت نخب جوازنا وقالت لأحمد إنه لو زعلني هيحاسبها قبل ما يحاسبه ربنا.
من تلات شهور دخلتها بيتي.
من أسبوعين رجعت بدري من سفرية شغل اتلغت… وسمعتها بتضحك في أوضة نومي.
ودلوقتي قاعدة قدامي، لابسة حلق اللولي اللي سلفتهولها، وبتتكلم عن الحب وكأنه حاجة مقدسة.
الكافيه ماكانش ساكت، بس بطريقة غريبة كل الترابيزات حوالينا بدأت تهدى. الملاعق بطلت تخبط في الكوبايات. الناس بقت تبص بسرعة وتلف وشها. ست عند الشباك بصتلي بنظرة شفقة وبعدين بعدت عينيها، كأنها محرجة تشوف واحدة حياتها بتتكسر قدام الناس.
أحمد خبط بصباعينه على الورق.
“الشقة، العربية، الحساب… كل حاجة متقسمة بالعدل.” قالها ببرود. “أنا مش عايز أظلمك، بس التطويل مش هيغير الحقيقة.”
بالعدل.
الكلمة خلتني عايزة أضحك.
بصيت على الورق. محاميه شاطر… مرتب كل حاجة بدقة باردة. الشقة اللي في الزمالك مكتوبة ملكية مشتركة. العربية باسمه. الحساب البنكي يتقسم بالنص.
اللي مايعرفوش… إني شوفت كشف الحسابات قبل كده.
واللي مايعرفوش… إن الشقة عمرها ما كانت باسمه.
واللي مايعرفوش… إن الراجل اللي كلمته قبل ما أدخل الكافيه بعشر دقايق مش مجرد محامي طلاق.
أما الكارثة الحقيقية… فهي الفلاشة اللي في شنطتي، واللي ممكن تدمر مش الجواز بس… لا، حياته كلها.
نرمين مدت إيدها تمسك إيدي.
سحبتها بسرعة قبل ما تلمسني.
وشها اتغير للحظة.
أحمد لاحظ… وفكه اتشنج.
“بلاش تخلي الموضوع يقلب قرف.” قالها وهو بيبصلي بتحذير.
بصيتله كويس… يمكن آخر مرة أبصله فيها كزوج. كان لابس البدلة الكحلي اللي أنا اشتريتها له يوم مقابلة الترقية. شعره مترتب، وساعته بتلمع، وشكله كله بيقول إنه الراجل العاقل اللي بيتعامل باحترام.
أي حد يعدي هيصدق إنه الضحية.
الزوج المحترم اللي مراته العصبية مش قادرة تتقبل الواقع.
ده كان اللي عايز الناس تشوفه.
مسكت القلم اللي جنب الورق.
نرمين طلعت نفس طويل كأنها ارتاحت.
أحمد رجع بضهره للكرسي.
لكن بدل ما أمضي… حطيت القلم فوق الورق وقلت:
“لا.”
الصمت نزل على الترابيزة فجأة.
أحمد رمش باستغراب. “نعم؟”
“قلت لا.”
وشه اسود. “كارما، ماتعمليش مشاكل.”
“مش همضي.”
نرمين اتنهدت بنعومة مصطنعة. “بلاش تعاقبيه عشان حب واحدة تانية.”
المرة دي ضحكت فعلًا.
ضحكة ناشفة وموجوعة.
“أعاقبه؟” كررتها وأنا ببصلها. “يا نرمين، إنتِ عشتي في أوضة الضيوف عندي. أكلتي من أكلي. لبستي هدومي. عيطتي على الكنبة بتاعتي عشان راجل سابك. وطول الوقت كنتِ بتنامي مع جوزي على سريري.”
عينيها لمعت فورًا، بس من غير دموع. كانت دايمًا شاطرة في تمثيل اللحظة قبل العياط.
أحمد قرب بجسمه وقال بحدة: “كفاية.”
“لا… لسه.”
فتحت شنطتي وطلعت موبايلي.
أحمد ضيق عينه. “بتكلمي مين؟”
ما رديتش.
طلبت الرقم.
رنّة واحدة.
“أستاذ ياسين معاك.”
بصيت مباشرة لأحمد.
“أستاذ ياسين، أنا في الكافيه. هما جاهزين يبدأوا إجراءات الطلاق. ياريت تطلع.”
إيد نرمين اتجمدت فوق كم أحمد.
أحمد بص للموبايل وبعدين لوشي.
“مين ياسين ده؟”
قفلت المكالمة وحطيت الموبايل على الترابيزة.
“محاميّ.” قلتها بهدوء. “وعلى عكس محاميك… هو قرا المستندات الحقيقية.”
لأول مرة من أول القعدة… أحمد ماعرفش يرد.
ياسين وصل بعد سبع دقايق، شايل شنطة جلد سودا، وماشي بهدوء يخوف أي حد عنده مصيبة مستخبية. كان في أوائل الأربعينات، دقنه محلوقة، وملامحه ثابتة، ووراه مساعد شاب ماسك ملف رفيع مليان علامات ملونة.
هز راسه ناحيتي الأول.
“مدام كارما.”
وبعدين بص لأحمد.
“أستاذ أحمد. فهمت إن حضرتك قدمت لموكلتي عرض طلاق.”
أحمد حاول يستعيد ثقته وقال بسخرية: “موكلتك؟”
“أيوه.” ياسين قعد جنبي بهدوء. “ومن اللحظة دي، أي تفاوض يخص الممتلكات أو الحسابات أو المسؤوليات القانونية هيتم من خلالي أنا.”
حكايات شروق خالد
أحمد ضحك ضحكة قصيرة كلها استفزاز.
“إيه يعني؟ فاكرة إنك هتخوفيني بمحامي؟ الموضوع واضح وبسيط.”
ياسين فتح الشنطة الجلد بهدوء، وطلع ملف أسود سميك.
“الحقيقة يا أستاذ أحمد… الموضوع مش بسيط خالص.”
نرمين بصت بينا بتوتر واضح لأول مرة.
“ممكن نفهم في إيه؟”
ياسين تجاهلها تمامًا، وطلع ورقة وحطها قدام أحمد.
“حضرتك كاتب هنا إن الشقة الزوجية ملكية مشتركة، صح؟”
“وده حقيقي.”
“لا.” ياسين قالها وهو بيعدل نضارته. “الشقة مسجلة بالكامل باسم مدام كارما من قبل الجواز بسنتين.”
أحمد سكت ثانية… وبعدين ضحك بثقة زيادة.
“أكيد في غلطة.”
“مفيش.” ياسين فتح الملف على ورقة مختومة. “وده عقد الملكية الأصلي.”
أنا كنت ساكتة، بس عيني ما سابتش وش أحمد وهو بيقرأ السطور.
الثقة بدأت تقع من عينيه واحدة واحدة.
“وده مستحيل…” تمتم بيها.
ياسين كمل ببرود:
“العربية كمان اتدفعت من حساب خاص بمدام كارما، ومسجلة باسم شركة استثمار تابعة ليها.”
“شركة إيه؟” أحمد رفع عينه بسرعة.
هنا أنا اتكلمت لأول مرة.
“الشركة اللي كنت فاكر نفسك موظف كبير فيها.”
نرمين بصتلي بعدم فهم.
أما أحمد… فوشه بدأ يشحب فعلًا.
ياسين طلع ملف تاني، أرفع شوية، عليه شريط أحمر.
“واضح إن حضرتك ماكنتش تعرف إن مدام كارما هي المالكة الأساسية لمجموعة النور للاستثمارات.”
الكافيه كله اختفى من حوالينا بالنسبة لأحمد.
“إيه؟”
صوته خرج مبحوح.
أنا شبكت إيديا قدامي بهدوء.
“فاكر لما الشركة اشترت فرع دبي السنة اللي فاتت؟”
هز راسه ببطء.
“أنا اللي موّلت الصفقة.”
نرمين بصت لأحمد بسرعة. “أنت قولتلي إنك شريك رئيسي!”
ضحكت بسخرية مرة.
“كان بيحب يصدق نفسه.”
أحمد حاول يتكلم، لكن ياسين سبقه.
“وده ياخدنا للنقطة الأهم.”
طلع فلاشة صغيرة من الملف الأسود.
ولأول مرة… أحمد فقد هدوءه بالكامل.
“دي إيه؟”
ياسين حطها بهدوء على الترابيزة.
“نسخة من تحويلات مالية غير قانونية تمت من حسابات الشركة خلال آخر ثمانية شهور.”
الصمت نزل علينا تقيل.
أنا كنت شايفة العرق بدأ يظهر عند صدغ أحمد.
“أنا… أنا معرفش حاجة عن الكلام ده.”
“غريبة.” ياسين فتح ورقة تانية. “لأن التوقيع الإلكتروني المستخدم في التحويلات باسمك.”
نرمين سحبت إيدها من على ذراع أحمد كأنها لمست نار.
“أحمد… هو في إيه؟”
بصلها بعصبية. “اسكتي.”
دي أول مرة يكلمها بالطريقة دي.
وعرفت وقتها إنها بدأت تستوعب إنها ما خطفتش راجل ناجح…
هي خطفت راجل بيغرق.
ياسين مال لقدام شوية.
“خليني أوضح الصورة يا أستاذ أحمد. موكلتي كانت عارفة بعلاقتك من فترة. لكنها ما بدأتش إجراءات قانونية غير بعد ما اكتشفنا إنك استخدمت صلاحياتك في الشركة لتحويل أموال لحسابات وهمية.”
أحمد ضرب الترابيزة بإيده.
“كدب!”
ناس كتير بصتلنا.
لكن ياسين حتى ما رمش.
“عندنا كشوفات الحسابات، الإيميلات، تسجيلات الدخول، وكاميرات الشركة.”
أنا فتحت شنطتي ببطء، وطلعت ظرف أبيض.
وحطيته قدامه.
“وده تقرير التحقيق الداخلي.”
إيده كانت بترتعش وهو بيفتحه.
كل ورقة كان بيقلبها كانت بتكسر جزء جديد من ثقته.
أما نرمين… فكانت بتبصله كأنها أول مرة تشوفه.
“قول إن ده مش حقيقي…” همست.
أحمد رفع عينه ليها بعصبية وانهيار.
“إنتِ مالك؟!”
شهقت بخضة.
وأنا لأول مرة من شهور… حسيت إني بتنفس.
ياسين قفل الملف بهدوء وقال:
“دلوقتي نرجع لموضوع الطلاق. موكلتي مستعدة تنهي الجواز بهدوء… بشرط.”
أحمد بلع ريقه بصعوبة.
“شرط إيه؟”
أنا بصيتله مباشرة.
“تمضي إنك تتنازل عن أي مطالبة بأي ممتلكات… وتقدم استقالتك فورًا قبل ما الملف ده يوصل للنيابة.”
الكلمة الأخيرة وقعت عليه كالرصاصة.
النيابة.
نرمين قامت واقفة فجأة.
“إنت نصاب؟!” صرخت فيها وهي بتبص لأحمد. “كنت بتقولي إنك هتبقى مدير الشركة السنة الجاية!”
أحمد قام هو كمان بعنف.
“اقعدي يا نرمين!”
لكنها رجعت خطوة لورا.
الخوف بدأ يغلب الحب بسرعة مرعبة.
وأنا افتكرت يوم ما دخلت بيتي تبكي وتقولي إنها اتخذلت من كل الناس.
طلعت أكتر واحدة كانت بتخدعني.
لكن الغريب… إنها هي كمان كانت مخدوعة.
حكايات شروق خالد
أحمد بص حواليه بتوتر، كأنه فجأة افتكر إن الكافيه مليان ناس، وإن كل العيون بقت عليه.
“إنتوا فاكرين نفسكم هتلووا دراعي؟” قالها وهو بيحاول يرجّع نبرة الثقة. “أي محامي يقدر يلفق ورق.”
ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا.
“عندك حق… عشان كده جبنا أدلة مش ورق بس.”
وسحب تابلت من الشنطة، ولفه ناحية أحمد.
ثانية واحدة بس كانت كفاية.
وش أحمد اتسحب منه الدم بالكامل.
على الشاشة كان فيديو من كاميرا داخلية في الشركة.
أحمد داخل مكتب الحسابات بعد مواعيد الشغل الرسمية… ومعاه فلاشات وهاردات.
التاريخ ظاهر.
والوقت ظاهر.
ونرمين شافت كل حاجة.
“يا نهار أبيض…” قالتها وهي بتحط إيدها على بقها.
أحمد حاول يخطف التابلت، لكن ياسين سحبه بسرعة.
“وفي نسخة تانية متخزنة برا الشركة.” قالها بهدوء. “يعني حتى لو كسرت ده، مش هيفرق.”
أنا كنت ساكتة، بس جوايا كان في حاجة بتتفك أخيرًا.
سنين وأنا بحاول أبقى الزوجة المثالية… أساعده، أرفعه، أدي له الثقة، وأخليه يحس إنه مهم.
وفي الآخر، أول ما حس إن عنده قوة كفاية… خانني بيها.
نرمين رجعت تبص لأحمد بصدمة.
“إنت قولتلي إن كارما كانت معتمدة عليك… وإن الشركة كانت هتقع من غيرك.”
ضحكت بمرارة.
“أحمد طول عمره بيحب يعيش الدور اللي يتمناه، مش اللي حقيقي.”
هو بصلي بكره صريح لأول مرة.
“إنتِ خططتي لكل ده.”
“لا.” قلتها بهدوء. “إنت اللي خططت. أنا بس سبتك تكمل لحد ما وقعت لوحدك.”
إيده كانت بتترعش.
“عايزة إيه؟ فلوس؟ انتقام؟”
“عايزة حقي.”
الصمت نزل بينا ثانية.
بعدها ياسين فتح ورقة أخيرة ودفعها ناحيته.
“دي اتفاقية التنازل. لو مضيت دلوقتي، مدام كارما مش هتقدّم البلاغات الجنائية النهارده.”
“ولو ممضتش؟”
ياسين سنده بضهره للكرسي.
“يبقى بكرة الصبح إدارة مكافحة الأموال هتبقى عند باب بيتك.”
نرمين بصت لأحمد بخوف حقيقي المرة دي.
“إحنا… إحنا ممكن نتحبس؟”
أحمد انفجر فيها.
“اسكتي بقى!”
صوته العالي خلّى الكافيه كله يسكت تمامًا.
ونرمين اتجمدت مكانها.
أنا شفت في عينيها نفس الصدمة اللي حسيتها يوم دخلت أوضة نومي وشفتهم سوا.
بس الفرق إن صدمتي كانت من الخيانة…
أما هي، فكانت من الحقيقة.
الحقيقة إن الراجل اللي ضحى بكل حاجة عشانه… مستعد يرميها تحت أول عجلة تنقذه.
وفجأة، أحمد بصلي بنظرة مختلفة.
متكسرة.
“كارما… ممكن نتكلم لوحدنا؟”
نرمين بصتله بسرعة، كأنها اتلسعت.
وأنا حسيت بحاجة باردة جوايا.
هو لسه فاكر إن عنده قدرة يأثر عليّ.
“مفيش حاجة بينا تتقال لوحدنا.”
“أرجوك.” صوته نزل لأول مرة. “أنا غلطت.”
ضحكت ضحكة صغيرة مش مصدقة.
“غلطت؟”
بصيت لنرمين.
“الغلط إنك تنسى عيد جوازنا. الغلط إنك تكسر كوباية. إنما الخيانة، والسرقة، والكذب… دي اختيارات.”
أحمد نزل عينه.
ولأول مرة من يوم ما عرفته… شكله كان صغير.
ضعيف.
خايف.
ياسين حط القلم فوق الورق.
“قدامك دقيقتين تقرر.”
الثواني عدّت ببطء قاتل.
وفي الآخر…
أحمد مسك القلم.
إيده كانت بترتعش وهو بيمضي.
على كل ورقة، كان بيخسر حاجة:
الشقة.
العربية.
منصبه.
صورته اللي بناها قدام الناس.
وفي آخر صفحة… خسرني.
لما خلص، رمى القلم بعنف.
نرمين كانت لسه واقفة، ملامحها شاحبة.
بصلها أحمد وقال بسرعة:
“نرمين… اسمعيني، إحنا نقدر نحل الموضوع—”
لكنها رجعت خطوة لورا.
“إنت كدبت عليّا.”
“كنت بحاول أحميكي.”
ضحكت بصدمة.
“تحميني؟! إنت كنت مستخدمني!”
الجملة ضربته أقوى من أي ورقة.
لأنه للمرة الأولى… حد عامله بنفس الطريقة اللي عامل بيها غيره.
أنا قومت بهدوء، ولمّيت الورق.
ياسين خد الملفات وقف جنبي.
أحمد رفع عينه ليا، وصوته خرج مكسور:
“كارما… إنتِ فعلًا هتدمريني؟”
بصيتله ثواني طويلة.
وافتكرت أول يوم حبّيته فيه.
أول شقة فرشناها سوا.
أول مرة قالي إنه عمره ما هيخذلني.
ثم افتكرت نرمين في سريري.
وافتكرت الحسابات المسروقة.
وافتكرت إنه كان عايز يرميني برا حياتي كأني ولا حاجة.
فابتسمت بهدوء وقلت:
“لا يا أحمد.”
اتعلق بالأمل للحظة.
لكنّي كملت:
“إنت اللي دمرت نفسك.”
لفّيت وخرجت من الكافيه، وياسين ماشي جنبي، والهوا البارد خبط في وشي كأنه أول نفس حقيقي آخده من شهور.
ورايا سمعت صوت أحمد بينادي باسمي.
ما بصتش.
ولا وقفت.
طول عمري كنت أنا اللي بجري وراه… أصلّح، أبرر، أستحمل، وأسكت.
أول مرة أمشي… وهو اللي يفضل واقف مكاني.
ياسين فتحلي باب العربية وقال بهدوء:
“إنتِ كويسة؟”
ضحكت ضحكة خفيفة متعبة.
“لسه مش عارفة.”
ركبت العربية، وقبل ما الباب يقفل، لمحته من الإزاز.
أحمد واقف قدام الكافيه، وربطة الكرافت مفكوكة، وشكله ضايع.
أما نرمين… فكانت بتبعد عنه.
بسرعة.
كأنها خايفة العدوى توصّلها.
العربية اتحركت.
ولأول مرة من أسبوعين، ماعيطتش.
عدّى يومين.
وفي صباح التالت، كنت قاعدة في مكتبي في الدور الأخير من شركة النور، لما السكرتيرة خبطت بخفة.
“مدام كارما… الأخبار نزلت.”
رفعت عيني عن اللابتوب.
حطت التابلت قدامي.
العنوان كان واضح:
“استقالة مفاجئة لمدير العمليات بمجموعة النور وسط تحقيقات مالية داخلية.”
صورت أحمد كانت تحت الخبر.
بس ملامحه ماكنتش شبه الراجل اللي اتجوزته.
كان مرهق… مكسور.
والناس على السوشيال ميديا بدأت تتكلم.
بعضهم دافع عنه.
بعضهم شتمه.
لكن أكتر حاجة شدتني… إن محدش جاب سيرتي.
أنا كنت دايمًا في الضل.
وده كان مقصود.
أبويا علمني زمان إن القوة الحقيقية مش لازم تبان.
رن موبايلي.
اسم نرمين ظهر على الشاشة.
بصيتله ثواني… وبعدين رديت.
صوتها كان مبحوح من العياط.
“كارما… ممكن أشوفك؟”
ماكنتش عايزة.
بس جزء جوايا كان محتاج يسمع… ليه.
اتقابلنا في كافيه صغير بعيد عن وسط البلد.
أول ما دخلت، بالكاد عرفتها.
من غير مكياج.
من غير ثقة.
من غير الدور اللي كانت بتلعبه.
قعدت قدامي وهي ماسكة كوب القهوة بإيد بترتعش.
“هو سابني.” قالتها بسرعة، كأنها لو اتأخرت مش هتقدر تنطقها.
ما رديتش.
“بعد اللي حصل بيوم.” كملت وهي بتبص لتحت. “قالي إنه محتاج يختفي شوية… وبعدها قفل موبايله.”
ضحكة مرة طلعت مني غصب.
“غريبة… نفس الطريقة اللي كان بيخونّي بيها.”
دموعها نزلت أخيرًا.
حقيقية المرة دي.
“أنا عارفة إني أستاهل.” همست. “بس صدقيني… أنا كنت فاكرة إنه بيحبني.”
بصيتلها طويل.
“وكنتي فاكرة إنه ماكانش بيحبني أنا كمان؟”
سكتت.
وده كان الرد.
أنا خدت نفس بطيء.
“إنتِ مش ضحية يا نرمين.”
وشها اتكسر.
“عارفة.”
“إنتِ دخلتي بيتي بعينيكي. وشوفتي حياتي… وخدتي قرارك.”
دموعها زادت.
“أنا كنت غيرانة منك طول عمري.”
الجملة فاجئتني رغم كل حاجة.
“غيرانة؟”
هزت راسها وهي بتضحك وسط عياطها.
“إنتِ دايمًا كنتِ الأحسن. الأشطر. الأهدى. الناس بتحبك من غير ما تحاولي. حتى أمك كانت بتحبني… بس كانت بتبصلك إنتِ بفخر.”
قلبي وجعني بطريقة غريبة.
مش عشانها…
عشان السنين اللي ضاعت بينا.
“ولما أحمد بدأ يشتكي منك قدامي…” قالت وهي تمسح دموعها، “حسيت لأول مرة إن في حد شايفني أنا.”
ضحكت بسخرية خفيفة.
“الراجل اللي خان مراته معاكي… كان بيخونك إنتِ كمان من أول لحظة.”
نزلت عينيها.
“أنا آسفة.”
الاعتذار جه متأخر قوي.
بس كان حقيقي.
وقفت وأنا بمسك شنطتي.
“أنا مسامحاكي… بس مستحيل أثق فيكي تاني.”
بصتلي بانهيار.
وده كان الفرق بين التسامح… والرجوع.
قبل ما أمشي، قالت بصوت مهزوز:
“هو فعلًا ممكن يدخل السجن؟”
وقفت ثانية.
افتكرت أحمد وهو بيبصلي آخر مرة، خايف لأول مرة في حياته.
ثم قلت بهدوء:
“القرار ده بإيده هو… كان دايمًا بإيده.”
حكايات شروق خالد
بعد أسبوع، كنت واقفة قدام الشباك في مكتبي، ببص على القاهرة وهي بتتحرك تحتيا كأن ولا حاجة حصلت.
العالم ما بيقفش علشان قلب اتكسر.
ودي كانت أول حقيقة اتعلمتها بعد الطلاق.
التليفون رن.
ياسين.
“صباح الخير، مدام كارما.”
“قولّي.”
صوته كان هادي، بس فيه حاجة غريبة.
“أحمد سلّم نفسه النهارده الصبح.”
غمضت عيني ثانيتين.
رغم كل اللي عمله… الخبر وجعني.
مش حب.
لكن وجع النهاية.
وجع إن الشخص اللي كنتِ فاكرة إنك هتكملي عمرك معاه… بقى خبر في قضية.
“في تهم رسمية؟” سألت بهدوء.
“تحويل أموال، تزوير إلكتروني، واستغلال منصب.”
سكت شوية، وبعدين قال:
“بس في حاجة لازم تعرفيها.”
قلبي اتقبض بدون سبب واضح.
“إيه؟”
“أحمد طلب يشوفك قبل أول جلسة تحقيق.”
لفّيت ببطء ناحية الشباك.
“رفض.”
“أنا لسه ماقولتلوش ردك.”
بصيت لانعكاسي في الإزاز.
الست اللي واقفة قدامي ماكنتش نفس الست اللي قعدت في الكافيه بإيد مرتعشة.
دي واحدة اتكسرت… وقامت.
“قولّه لا.”
قفلت المكالمة.
لكن بعد ساعة…
لقيت نفسي رايحة.
مش عشانه.
عشاني أنا.
كنت محتاجة أقفل الباب بإيدي.
قسم الزيارة كان بارد وريحتُه خانقة.
الظابط دخلني أوضة صغيرة فيها ترابيزة معدنية وكرسيين.
استنيت دقيقتين.
ثم الباب اتفتح.
أحمد دخل.
ولأول مرة في حياتي… شفته من غير أي قناع.
لا البدلة الغالية.
لا الثقة.
لا النظرة اللي كانت بتخليني أشك في نفسي.
كان مرهق، دقنه طالعة، وعينيه مليانة خوف وتعب.
وقف مكاني شوية كأنه مش عارف يقعد.
ثم همس:
“إزيك؟”
السؤال كان غريب جدًا لدرجة إني ماعرفتش أرد.
قعد قدامي ببطء.
في صمت طويل وقع بينا.
وأخيرًا قال:
“أنا كنت فاكر إني أذكى من الكل.”
بصيتله من غير تعبير.
ضحك ضحكة باهتة.
“واضح إني كنت غبي.”
“ليه طلبت تشوفني؟”
بلع ريقه.
“عشان أقولك حاجة ماعرفتش أقولها يوم الكافيه.”
سكت ثانية.
“أنا فعلًا كنت بحبك.”
الجملة نزلت بهدوء غريب.
زمان… كانت هتهدني.
دلوقتي؟ ماحركتش فيا غير الحزن.
“اللي بيحب حد ما بيكسرهوش بالشكل ده.”
نزل عينه فورًا.
“عارف.”
“إنت ماخنتنيش مرة واحدة يا أحمد. إنت خنت كل يوم رجعت فيه البيت ومثّلت إنك زوج محترم.”
إيده اترعشت فوق الترابيزة.
“أنا كنت بحسدك.”
رمشت باستغراب.
“إيه؟”
رفع عينه ليا أخيرًا.
“إنتِ كنتِ قوية… ناجحة… كل الناس بتحترمك حتى وإنتِ ساكتة. وأنا طول عمري كنت محتاج إثبات.”
افتكرت كلام نرمين.
الغيرة.
الغريب إن الاتنين وقعوا لنفس السبب.
“فلما بقيت المدير اللي الناس بتبصله…” كمل بصوت مكسور، “حسيت إني أخيرًا بقيت حد.”
“فقومت سرقت؟ وخنت؟”
دموع لمعت في عينيه.
“أنا ضيعت كل حاجة.”
المرة دي… ماختلفتش معاه.
اتنفس بصعوبة وقال:
“نرمين كانت غلطة.”
“لا.” قلتها بثبات. “نرمين كانت نتيجة.”
سكت.
وأنا كملت:
“الغلطة الحقيقية كانت إنك لما حسيت إنك بقيت أقوى… قررت تدوس على أكتر واحدة وقفت جنبك.”
دمعة نزلت على خده بسرعة مسحها.
وأنا اتفاجئت إني ماشمّتش ريحة الشماتة.
بس تعب.
تعب طويل جدًا.
وقف الحارس عند الباب.
“خمس دقايق.”
أحمد بصلي بسرعة، كأنه بيجري ضد الوقت.
“كارما… لو رجع بيا الزمن—”
“ماكملش.”
صوتي كان هادي لكنه حاسم.
“عشان الزمن لو رجع… إنت هتعمل نفس الحاجة. بس بطريقة أذكى.”
الكلمة ضربته.
لأنه عرف إني بطلت أصدق أي نسخة منه.
وقفت وأنا بمسك شنطتي.
هو كمان وقف بسرعة.
“هل ممكن… في يوم… تسامحيني فعلًا؟”
بصيتله آخر مرة.
وافتكرت كل حاجة:
حبنا.
خيانته.
الكافيه.
الورق.
الفلاشة.
ثم قلت بهدوء:
“أنا سامحت نفسي إني حبيتك.”
وعينيه اتهزت.
أما أنا… فلفّيت ومشيت.
وللمرة التانية…
ما بصتش ورايا.
عدّى شهرين.
القضية بقت تريند فترة، وبعدها الناس لقت فضايح جديدة تنشغل بيها.
كده الدنيا دايمًا.
أكبر وجع بالنسبالك… مجرد خبر قديم عند غيرك.
أما أنا، فكنت بتعلم أعيش من أول وجديد.
مش البطلة القوية اللي ما بتقعش.
لكن الست اللي وقعت… وقامت لوحدها.
رجعت أطبخ لنفسي بعد سنين كنت بطبخ فيها لحد تاني.
رجعت أفتح الشبابيك الصبح.
رجعت أنام من غير ما أراجع رسايل موبايل حد وأقنع نفسي إني متوهمة.
الغريب إن الوحدة ما كانتش أوحش حاجة.
الخيانة هي اللي كانت أوحش.
وفي ليلة هادية، كنت قاعدة على الكنبة في الشقة، لابسة بيجامة واسعة وشعري مربوط بعشوائية، لما جالي إشعار على الإيميل.
المرسل: سجن طرة المركزي.
اتجمدت إيدي للحظة.
فتحت الرسالة.
“المتهم أحمد الحسيني يطلب السماح بإرسال خطاب شخصي إليكم.”
بصيت للشاشة طويل.
كان ممكن أرفض.
كان المفروض أرفض.
لكن فضولي غلبني.
بعد يومين، الظرف وصل.
ورقة واحدة بس.
خطه.
فتحتها ببطء.
“كارما،
عارف إنك غالبًا مش عايزة تقري أي كلمة مني، بس دي أول مرة في حياتي أكتب من غير ما أحاول أكسب حد أو أقنعه بحاجة.
السجن مكان غريب.
بيخليك تسمع نفسك غصب عنك.
وأنا لأول مرة ساكت كفاية علشان أسمع كمية الخراب اللي عملته.
مش بس فيكي.
فيا أنا كمان.
عارفة أكتر حاجة مطلعانيش من دماغي؟
إنك يوم ما كشفتي كل حاجة… ماصرختيش.
ما انهرتيش.
بصيتيلي كأنك خلاص شوفتي حقيقني.
وده كان أسوأ من أي عقاب.
أنا طول عمري كنت بخاف أبقى شخص عادي.
والمضحك إني وأنا بحاول أبقى مهم… بقيت إنسان رخيص.
مش بطلب ترجعي.
ولا بطلب تسامحيني.
بس لو في يوم افتكرتيني… أتمنى تفتكريني قبل ما أبقى بالشكل ده.
أحمد.”
قريت الخطاب مرتين.
وبعدين حطيته على الترابيزة.
ماكنتش عايزة أعيط.
لكن دموعي نزلت بهدوء غصب عني.
مش عليه.
على النسخة القديمة مننا.
على البيت اللي كنت فاكرة إنه أمان.
على الأحلام اللي ماتت بطريقة قذرة.
رن جرس الباب.
مسحت وشي بسرعة، وقومت أفتح.
لقيت ياسين واقف، وفي إيده علبة حلويات صغيرة.
رفعها وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة.
“قولت يمكن الشركة نجحت في الصفقة الجديدة… أو يمكن كنتِ محتاجة سكر.”
ضحكت لأول مرة بصدق من فترة.
“الاتنين غالبًا.”
دخل وقعد، وبص على الظرف المفتوح فوق الترابيزة.
“منه؟”
هزيت راسي.
ما سألش أكتر.
وده كان أكتر شيء مريح فيه.
قعدنا ناكل في صمت مريح شوية، لحد ما قال بهدوء:
“عارفة… القوة مش إنك ماتتكسريش.”
بصيتله.
“القوة إنك بعد ما تتكسري… ماتتحوليش لشخص مؤذي.”
الكلام لمس حاجة جوايا.
لأني كنت قادرة أدمّر أحمد بالكامل.
كنت أقدر أفضحه أكتر.
أكسر الباقي منه.
لكنّي ماعملتش.
مش رحمة بيه…
رحمة بنفسي.
ياسين قام بعد شوية وهو بيلم بدلته.
“عندي جلسة بدري الصبح.”
وصلته للباب.
وقبل ما يمشي، وقف ثانية وقال:
“بالمناسبة… الحياة بعد الخيانة مش نهاية القصة.”
ابتسمت بخفة.
“أمال إيه؟”
بصلي بنظرة هادية دافية.
“يمكن أول مرة تبتدي فيها القصة صح.”
ولأول مرة من شهور…
قلبي ماخافش من البداية.
زوجي وخطيبتي سرقوا حياتي
حكايات شروق خالد