أبويا الحقيقي ظهر في فرحي حكايات شروق خالد

أول ما باب الكنيسة اتفتح، أبويا مسك دراعي بقوة وجز على سنانه وهو بيهمسلي: “اوعي تبطلي ابتسامه يا سلمى… مهما حصل كملي مشي.”

 

كان المفروض وقتها أخاف. بس أنا ابتسمت.

 

مش عشان كنت مرتاحة… عشان صوابعه كانت مغروزة في دراعي لدرجة إني حسيت نفسي مخنوقة.

 

الكل كان واقف. وصوت الموسيقى مالي الكنيسة. وضوء الشمس داخل من الشبابيك الملونة، مخلي المكان كله يلمع كأنه حلم.

 

وكنت ماشية ناحيه كريم… العريس اللي كنت فاكرة إنه أماني الوحيد.

 

وفجأة…

 

سمعت صوت كرسي بيتحرك بعنف. بعدها ست شهقت. وخطوات جري ورايا.

 

قبل ما ألف، حسيت بإيد شدت الطرحة من على راسي.

 

الكنيسة كلها سكتت.

 

لفيت ببطء… ولقيت راجل كبير، شعره كله أبيض، واقع على ركبته وبيبصلي بعيون مليانة دموع، وماسك طرف الطرحة بإيده المرتعشة.

 

قال بصوت متقطع: “أرجوكي… متخليهوش يسلمك ليه.”

 

أبويا اتجمد مكانه. وبص للحرس بعصبية: “طلّعوه بره حالاً.”

 

بس الراجل رفض يسيب الطرحة.

 

كان بيبصلي كأنه شاف روحه بعد عمر كامل من الضياع.

 

وقال وهو بيعيط: “استنيت ستة وعشرين سنة عشان أشوف وشك.”

 

قلبي وقف.

 

ورا منه أمي قامت من مكانها وهي بتصرخ: “متسمعيش كلامه! ده مجنون!”

 

الناس بدأت تهمس. والمكان كله اتقلب.

 

بصيت للراجل وأنا حرفيًا رجلي مش شايلاني: “إنت مين؟”

 

حط إيده على قلبه كأن السؤال وجعه.

 

وقال: “أنا اسمي ياسين… والراجل اللي ماسك دراعك قالّي زمان إنك موتي يوم ما اتولدتي.”

 

الكنيسة انفجرت بالكلام.

 

أمي صرخت أكتر. وأبويا قرب مني وهمس بعصبية: “كملي مشي يا سلمى.”

 

بس جسمي متحركش.

 

الراجل مد إيده جوه الجاكيت وطلع إسورة فضة صغيرة… إسورة مستشفى.

 

الإسورة اللي بيتحط فيها اسم البيبي أول ما يتولد.

 

بصيت عليها… واتنفسي اتقطع.

 

كان عليها تاريخ ميلادي.

 

واسم ست عمري ما سمعته قبل كده.

 

مش اسم أمي.

 

اسم أمي الحقيقية.

 

حسيت الدنيا بتلف بيا.

 

ياسين كان بيعيط وهو بيقول: “أمك قبل ما تموت ترجتني أحميكي… بس لما وصلت المستشفى قالولي إنكم إنتوا الاتنين موتوا.”

 

بصيت لأبويا… وشه كان جامد بطريقة مرعبة.

 

قال ببرود: “متصدقيش واحد غريب.”

 

لكن ياسين هز راسه وبصلي بكسرة: “أنا مش الغريب يا بنتي…”

 

وبعدين شاور على أبويا وقال: “هو الغريب.”

 

أبويا شد دراعي بعنف يحاول يكمل بيا للمذبح.

 

وفجأة ياسين صرخ بصوت هز الكنيسة كلها: “لو اتجوزتي الراجل ده النهارده… كل فلوس أمك الحقيقية وميراثها هيروح للعيلة اللي سرقتك!”

 

كل الناس شهقت.

 

ولأول مرة… بصيت لكريم.

 

كان واقف شاحب وبيبص في الأرض.

 

وقتها فهمت.

 

هو كان عارف.

 

إيديا كانت بتترعش وأنا بسأله: “إنت كنت عارف؟”

 

فتح بقه… بس مفيش حرف طلع.

 

وفجأة أمي صرخت من ورا: “هي كانت هتمضي بعد الجواز على طول!”

 

الكنيسة سكتت تمامًا.

 

وياسين بصلي والدموع في عينيه: “اسأليهم يا سلمى… ليه شهادة ميلادك اتغيرت قبل ما تتولدي بثلاث أيام؟”

 

حكايات شروق خالد

 

حسيت إن الأرض بتميد بيا.

 

بصيت لأمي… كانت بتتنفس بسرعة ووشها أصفر، كأن السر اللي دفنته عمره كله طلع للحياة فجأة.

 

وأبويا ضغط على دراعي أكتر وهو بيقول من بين سنانه: “ولا كلمة زيادة هنا.”

 

لكن المرة دي سحبت إيدي منه بعنف.

 

أول مرة في حياتي أخاف منه بالشكل ده.

 

وأول مرة أشوف في عينيه نظرة مش أبوة… نظرة واحد اتحاصر.

 

بصيت لكريم تاني وقلبي بيتقطع: “رد عليا… كنت عارف؟”

 

قفل عينيه لحظة، وبعدها قال بصوت واطي: “عرفت من شهر.”

 

شهقت وأنا حاسة إن روحي بتنسحب مني.

 

“وسكت؟!”

 

قال بسرعة: “كنت هقولك… والله كنت هقولك.”

 

أمي صرخت فيه: “اسكت!”

 

لكن ياسين قام واقف بصعوبة وهو ماسك صدره: “قول الحقيقة قبل ما تموت بيها زيهم.”

 

الكنيسة كلها بقت فوضى. الناس بتهمس. وفي ناس قامت تصور بالموبايلات.

 

وأبويا فجأة زعق: “ولا تليفون يتفتح هنا!”

 

لكن محدش سمعه.

 

أنا بقيت ببص حواليّا كأني صحيت في كابوس.

 

كل حياتي… كل ذكرياتي… حتى اسمي… طلع ممكن يكون كدب.

 

قربت من ياسين بخطوات مهزوزة: “إنت بتقول إنك أبويا؟”

 

دموعه نزلت فورًا.

 

قال: “أيوه… وأنا دورت عليكي سنين.”

 

“طب ليه دلوقتي؟ ليه ظهرت في فرحي؟”

 

طلع نفس طويل وقال: “لأنهم كانوا مستنيين الجواز عشان ينقلوا كل حاجة باسم جوزك.”

 

بصيت لكريم بصدمة.

 

قال بسرعة: “قسماً بالله أنا مكنتش داخل عشان الفلوس.”

 

ضحكت ضحكة مكسورة وأنا بقول: “بس كنت عارف إنهم سرقوني… وبرضه كملت.”

 

وشه وقع في الأرض.

 

وفجأة… صوت ست عالي قطع الكلام كله.

 

“كفاية كدب!”

 

كلنا بصينا ناحية الصوت.

 

كانت ست كبيرة قاعدة آخر الكنيسة، قامت وهي بترتعش وبتسند على العصاية.

 

أمي أول ما شافتها وشها ابيض.

 

همست بخوف: “إنتِ…”

 

الست قربت ببطء وقالت: “أيوه… أنا الممرضة الليلة دي.”

 

الكنيسة كلها اتجمدت.

 

الممرضة بصتلي بعين مليانة ندم وقالت: “أمك الحقيقية كانت غلبانة… لكن عيلة كبيرة جدًا. ولما ماتت وقت الولادة، أبوك رفض يسيبك.”

 

وبصت لأبويا اللي رباني: “بس هو كان مديون وغرقان… ولما عرف إن الطفلة دي ليها ورث بالملايين، اتفق مع الست اللي جنبك.”

 

أمي صرخت: “اسكتي!”

 

لكن الست كملت: “بدلوا الأوراق… وسجلوك باسمهم.”

 

إيديا بقت ساقعة.

 

“ليه؟”

 

أبويا ضحك فجأة… ضحكة خوفتني.

 

وقال: “عشان كنا أحق بيكي منهم.”

 

بصيتله بصدمة.

 

كمل وهو بيقرب: “إحنا اللي ربيناكي. إحنا اللي صرفنا عليكي. كان عندك إيه غيرنا؟”

 

دموعي نزلت وأنا بقول: “سرقتوا عمري.”

 

ولأول مرة… شوفت أمي بتعيط بجد.

 

قالت وهي منهارة: “أنا كنت بحبك… والله كنت بحبك.”

 

لكن ياسين رد بوجع: “الحب عمره ما كان سرقة.”

 

وفجأة… كريم طلع ورقة من جيبه.

 

وقال بصوت مكسور: “دي كانت الورقة اللي كانوا عايزين سلمى تمضيها بعد الجواز.”

 

خدتها بإيد مرتعشة.

 

ولما قريتها… الدم هرب من وشي.

 

تنازل كامل عن كل الأملاك والميراث.

 

بصيتله بذهول: “وكنت هتخليني أمضي؟”

 

دموعه نزلت وهو بيقول: “أبوكي هدد أمي بالحبس… وأنا ضعفت.”

 

حسيت بغثيان.

 

كلهم خانوها. كلهم.

 

بصيت لفستاني الأبيض… وفجأة حسيت إنه مش فستان فرح.

 

كان كأنه كفن.

 

قلعِت الدبلة من إيدي. وحطيتها في إيد كريم.

 

وقلت بصوت رج الكنيسة كلها: “النهارده مش يوم فرحي…”

 

وبصيت لأبويا وأمي.

 

“النهارده اليوم اللي عرفت فيه إن أهلي ماتوا من زمان.”

 

حكايات شروق خالد

 

 

أمي وقعت على الكرسي وهي بتعيط بهستيريا، والناس حواليها مش عارفين يهدوها ولا يبصوا عليا.

 

أما أنا… كنت حاسة إني واقفة برا جسمي.

 

كل حاجة حواليا بقت بعيدة. الصوت. الناس. الموسيقى اللي كانت شغالة من شوية.

 

حتى نفسي ماكنتش سامعاه.

 

ياسين قرب مني بحذر، كأنه خايف ألمسه فأختفي.

 

قال بصوت مكسور: “تعالي معايا يا بنتي.”

 

لكن قبل ما أرد… أبويا شدني من إيدي بعنف.

 

“إنتِ مش هتروحي في حتة.”

 

بصيتله ببرود لأول مرة في حياتي: “سيب إيدي.”

 

اتصدم.

 

يمكن أول مرة يسمع النبرة دي مني.

 

قال بعصبية: “بعد كل السنين دي هتصدقي شوية ورق وكلام واحد مجنون؟!”

 

صرخت فيه والدموع بتحرق وشي: “مجنون؟! ده الوحيد اللي شكله موجوع عليا بجد!”

 

سكت.

 

ولأول مرة… ملامحه اتكسرت.

 

قرب مني وقال بصوت واطي: “أنا فعلت كل ده عشانك.”

 

ضحكت بوجع: “عشان الفلوس.”

 

هز راسه بسرعة: “لا… عشان كنت عايز يبقى عندي بنت.”

 

الكلمة ضربت قلبي رغم كل حاجة.

 

لأن مهما حصل… هو فعلًا رباني.

 

علمني أمشي. كان بيصحى بدري يوديني المدرسة. كان بيقف قدام أي حد يزعّلني.

 

بس بنفس الوقت… كان كداب.

 

وسارق.

 

وأخدني من حياتي الحقيقية.

 

بصيتله والدموع مغرقة عيني: “لو كنت بتحبني بجد… مكنتش خبيت عني أنا مين.”

 

وشه انهار.

 

وأمي قامت تجري عليا تمسك فستاني: “إحنا خايفنا يا سلمى! لو الحقيقة ظهرت كانوا هيخدوكي مننا!”

 

بعدت إيديها عني.

 

“كان عندكم حق تخافوا… بس ماكانش عندكم حق تسرقوا طفلة.”

 

الكنيسة سكتت تاني.

 

وفجأة… صوت صفارات الشرطة قرب من بره.

 

كل الناس بصت ناحية الباب.

 

وأمي شهقت بخوف.

 

أما أبويا… فغمض عينيه كأنه كان مستني اللحظة دي من زمان.

 

دخل اتنين ظباط الكنيسة.

 

واحد منهم قال: “أستاذ فؤاد منصور؟”

 

أبويا رد بهدوء غريب: “أيوه.”

 

الظابط بصله وقال: “في بلاغ قديم اتفتح من جديد بخصوص تزوير أوراق وخطف طفلة من ستة وعشرين سنة.”

 

أمي انهارت في العياط.

 

وأنا حسيت قلبي بيتقطع.

 

لأن مهما عملوا… دول الناس اللي ناديتهم ماما وبابا طول عمري.

 

الظابط قرب منه يحط الكلابشات.

 

لكن قبل ما يلمسه… أبويا بصلي.

 

نظرة عمري ما هنساها.

 

وقال: “سامحيني.”

 

دموعي نزلت بغزارة.

 

كنت نفسي أكرهه. أصرخ فيه. أقول إني بتمنى ماعرفتوش.

 

بس مقدرتش.

 

لأن أسوأ أنواع الوجع… لما الشخص اللي حبك يكون هو نفسه اللي دمرك.

 

الظباط خدوه. وأمي كانت بتصرخ باسمي وهي بتتمسك في الفستان.

 

لكن رجليا ثبتت مكاني.

 

لحد ما اختفوا برا الكنيسة.

 

وساعتها بس… حسيت إني بقيت وحيدة فعلًا.

 

ياسين قرب مني تاني، ومد إيده بحذر: “أنا عارف إنك تايهة… بس أنا عمري ما بطلت أدور عليكي.”

 

بصيت لإيده طويل.

 

إيد غريبة… بس فيها أمان غريب.

 

وقبل ما ألمسه… سمعت صوت كريم ورايا.

 

“سلمى… أرجوكي.”

 

لفيتله ببطء.

 

كان واقف ووشه كله ندم.

 

قال: “أنا بحبك.”

 

ضحكت بمرارة: “الحب اللي فيه خيانة يبقى اسمه إيه؟”

 

قال وهو بيعيط: “كنت جبان… بس والله حبيتك.”

 

بصيت للدبلة اللي في إيده.

 

ثم للفستان الأبيض.

 

بعدها شلت الطرحة من على راسي… ورميتها على الأرض.

 

وقلت بصوت ثابت: “النهارده ماتت البنت اللي كنتوا تعرفوها.”

 

ومشيت ناحية باب الكنيسة… جنب الراجل اللي اكتشفت إنه أبويا الحقيقي.

 

وسبت ورايا فرح اتحول لجنازة أسرار.

 

أبويا الحقيقي ظهر في فرحي

 

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *