تمن القلم: 30 مليون جنيه حكايات شروق خالد
عديت كل قلم نزله على وشي.
واحد.
اتنين.
تلاتة.
على ما إيد ابني نزلت على وشي للمرة التلاتين، كانت شفتي اتفتحت، وبقيت حاسس بطعم الدم في بوقي، وأي أمل أو إنكار جوايا كأب انتهى تماماً. هو كان فاكر إنه بيكسرني وبيعرفني مقامي. مراته، عبير، كانت قاعدة قريبة، بتبص بابتسامة صفراء وباردة، من نوع الابتسامات اللي بتبقى عند الناس اللي بتتلذذ بشوفان غيرها وهو بيتهان.
ابني كان مقتنع إن شبابه، وعصبيته، والفيلا الكبيرة اللي في التجمع الخامس مخلينه قوي ومحدش يقدر عليه. اللي مكانش يستوعبه بقى، إنه وهو عايش دور الملك، كنت أنا خلاص أخدت قراري إني هحرمه من كل حاجة.
أنا اسمي فاروق رضوان. عندي 68 سنة. قضيت أربعين سنة من عمري ببني طرق، وكباري، ومشاريع تجارية في كل حتة في مصر. دخلت في صفقات ناشفة، وعاصرت أزمات اقتصادية هدت حيل ناس، وخسرت صحاب، وشوفت ناس كتير أوي بتغلط وتفتكر إن الفلوس هي اللي بتعمل بني آدم.
ودي الحكاية بتاعة إزاي بعت فيلا ابني وهو قاعد ورا مكتبه فاكر إن الدنيا مأمنة معاه.
كان يوم تلات بارد في فبراير لما رحت أحضر عشا عيد ميلاده. ركنت عربيتي الشاهين القديمة على بعد شارعين من الفيلا، لأن الممر بتاعها كان مليان عربيات مرسيدس وبي إم، من النوع اللي بيركبها ناس كل همها المظاهر والمنظرة الفارغة مش الشغل بجد. كنت شايل في إيدي هدية صغيرة ملفوفة في ورق بني بسيط. كان عيد ميلاد بهاء التلاتين.
الفيلا من برة كانت تشرح القلب وتاخد العين. وطبعاً لازم تكون كدة، ما أنا اللي دافع تمنها قرش لينيا. من خمس سنين، بعد ما قفلت أكبر صفقة في حياتي المهنية، اشتريت الأرض والمبنى كاش. سبت بهاء وعبير يعيشوا فيها وقلتلهم إنها بتاعتهم. بس الحاجة الوحيدة اللي مقلتهاش ليهم، وهي دي اللي كان فيها الخلاصة.. إن أساميهم عمرها ما اتكتبت في عقد البيع. الفيلا كانت ممسوكة باسم شركة عقارية مقفولة أنا وبس صاحبها والمسؤول عنها.
بالنسبة لهم، دي كانت هدية. بالنسبة لي، كان اختبار.. وهما سقطوا فيه سقوط يزعل.
العلامات كانت باينة من زمان أوي. بهاء مبقاش يعاملني على إني أبوه، وبقى يبصلي على إني حمل تقيل عليه. عبير كانت بتصر إني لازم اتصل قبل ما أجي، مع إن الفيلا قانوناً بتاعتي. كانوا بيكسفوا من عربيتي، ومن لبسي، ومن شكل إيدي الشقيانة، ومن سني. في أي لِمة، كانوا بيقدموني للناس كأني دقة قديمة، أو مجرد راجل ضربت معاه حظ. الموضوع ده كان دايماً بيخليني أبتسم في سري، لأني كنت فاهم دنيتهم أكتر مما يتخيلوا.. أنا اللي بنيت الأساس اللي هما واقفين عليه.
الليلة دي، كل حاجة اتهدت بسبب حاجة تافهة، بس هي في الحقيقة مكانتش تافهة.
أنا اديت لبهاء ساعة أثرية، كنت مصلحها ومظبطها من مجاميعها، نفس الموديل اللي جده كان بيحبه زمان. هو يدوب بص عليها وقام راميها على جنب، وقال قدام المعازيم كلهم إنه زهق من إني كل شوية أجي وأنا مستني منه “جميل وشكر” في بيت ملوش أي علاقة بيا بعد كدة.
بكل هدوء، فكرته ومسكت نفسي وقلتله: “ماتنساش يا بهاء مين اللي حط الطوبة الأولى تحت رجلك.”
الكلمة دي كانت كفاية تخليه يفقد أعصابه.
قام واقف.
زقني.
وبعدها بدأ يضرب بالبونية والقلم.
وأنا كنت بعد.
مش عشان عاجز أردله الضرب.. أنا كنت أقدر أفرمه. بس عشان كنت خلاص جيبت آخري ومبقاش يربطني بيه حاجة. ومع كل خبطة كانت بتنزل عليا، كان في حاجة جوايا بتموت وتمشي. الاحترام.. الأمل.. والأعذار اللي كنت بخلقها له.
على ما خلص وكان نفسه مقطوع، كان بيبصلي بنظرة انتصار كأنه كسب معركة. وعبير كانت لسة بتبصلي بقرف كأني أنا الغلطان. مسحت الدم من على بوقي وبصيت لابني. وفهمت اللحظة دي حاجة أهالي كتير بيفهموها متأخر أوي.. ساعات أنت مابتكونش بتربي طفل بار بيك، أنت ساعات بتكون بتكبر وبتصرف على راجل جاحد وقليل الأصل.
ولا زعقت، ولا هددت، ولا حتى طلبت البوليس. لميت هديتي من الأرض، لفيت ضهري وخرجت.
تاني يوم الصبح، الساعة 8:06 بالدقيقة، كلمت المحامي بتاعي.
الساعة 8:23، كلمت مدير الشركة العقارية بتاعتي.
على الساعة 9:10، الفيلا كانت معروضة للبيع السريع والسرّي لمستثمر عربي كان مستني فرصة زي دي من زمان.
الساعة 11:49، وبهاء قاعد على مكتبه في شركته مأنتخ وحاطط رجل على رجل، كنت أنا بمضي عقود البيع النهائية وبستلم الشيك.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
اسمه نور على الشاشة.
وأنا طبعاً كنت عارف هو بيتصل ليه.. لأن في حد خبط على باب الفيلا في التجمع، والناس دي مكانتش جاية تبارك ولا تشرب شاي.
حكايات شروق خالد
فتحت الخط، وجالي صوته وهو بيزعق والغل والناشفين في حنجرته: “أنت فين يا بابا؟ في مصيبة بتحصل هنا! في ناس أشكالهم غريبة واقفين على الباب ومعاهم بودي جاردات، وبيقولوا إنهم اشتروا الفيلا وعايزينا نخلي المكان فوراً! كلم المحامي بتاعك خليه يتصرف!”
أنا أخدت نفس طويل، ورديت بكل برود الدنيا: “المحامي بتاعي واقف جنبي يا بهاء، وهو اللي لسة مخلص ورق البيع ومسلمهم المفاتيح.”
الخط سكت لثواني، كأن الصدمة شلت لسانه، وبعدين قال بصوت متلخبط: “بيع إيه؟ أنت اتجننت؟ دي فيلتي أنا وعبير! أنت ملكش حق فيها!”
ضحكت ضحكة خفيفة من قلب وجعني أربعين سنة، وقلتله: “الفيلا دي عمرها ما كانت بتاعتك يا بهاء. العقد باسم شركتي أنا، والنهاردة الصبح أنا بعتها كاش وقبضت تمنها بالقرش. الناس اللي واقفين برة دول هما الملاك الجداد، ومعاهم أمر إخلاء رسمي.”
صوته اتهز وبدأ ينهار: “يا بابا أنت بتنتقم مني عشان امبارح؟ أنا كنت متعصب.. أنت عارف الضغوط اللي عليا! مش هترميني أنا ومراتي في الشارع عشان نرفزة عيال!”
قلتله بصوت حاد وزي الموس: “امبارح أنت منزلتش إيدك على راجل في الشارع يا بهاء، أنت ضربت أبوك.. ضربته تلاتين قلم وأنت بتعدهم في سرك ومستمتع. والـ 30 قلم دول هما اللي خلوني أبيع الفيلا بـ 30 مليون جنيه.. يعني كل قلم منك وقف عليك بمليون جنيه خسارة. شفت بقى إن ذكائك خانك؟”
عبير خدت منه الموبايل وبقت تصرخ وتعيط: “يا عمي حرام عليك! هنروح فين بحاجتنا؟ والناس والـجيران يقولوا علينا إيه؟ فضحتنا!”
رديت عليها وقبل ما أقفل السكة قلتلها: “لمي لبسك وحاجتك في أكياس زبالة يا عبير، واقعدي بيهم على الرصيف برة، عشان تتفرجي على جوزك (الملك) وهو بيعرف مقامه بجد. الشنطة الشاهين القديمة بتاعتي مش هتيجي تشيلكم.”
قفلت السكة في وشهم، وبصيت للمحامي بتاعي وقلتله: “يالا بينا يا متر، ورانا شغل كتير.”
خرجت من مكتب المحامي، وبصيت للسما المحملة ببرد فبراير، وحسيت فجأة إن الحمل اللي كان على كتافي سنين طويلة انزاح. بهاء كان فاكر إن كبر سني وضعف جسمي يخليه يدوس عليا، بس غاب عن عقله إن الراجل اللي بنى حياته من الصفر بالصخر والشقى، يقدر يهد اللي بناه في ثانية لو اتهانت كرامته.
سبتهم للشارع، وللناس اللي بتاكل وشهم، وللديون اللي هتلاحقهم بعد ما المظاهر الكدابة اتهدت. ركبت عربيتي الشاهين، دورتها، ومشيت وأنا حاسس لأول مرة إني حر.. الحرية غالية، والكرامة ملهاش تمن، والابن العاق ملوش عندي غير الوجع اللي اختاره بإيده.
تمن القلم: 30 مليون جنيه
حكايات شروق خالد