صرخة من جوه الدولاب: المكالمة السحرية التي هزت إمبراطورية الملياردير! حكايات شروق خالد
صوت الرعد ضرب جامد لدرجة إن الحيطان الإزاز بتاعة الفيلا الكبيرة في التجمع الخامس اتهزت وكأنها خايفة.
ليلى، بنت عندها 7 سنين، كانت حافية وبترتعش، زنقت نفسها أكتر جوه دولاب أبوها الخشب، ورا صفوف البدَل الغامقة اللي ريحتها كانت دخان ومطر وريحة الكولونيا الغالية اللي أبوها مبيحطهاش غير لما يكون رايح يخوف رجالة فاكرين نفسهم أذكياء وأقوياء.
في حجرها كان فيه تليفون سرقته من المكتب.
كانت ماسكاه بإيديها الاثنين لأن صوابعها مكنتش راضية تبطل رعشة.
بره الدولاب، ورا باب الأوضة المقفول، ورا الطرقة الرخام، والسلالم الكبيرة اللي الكاميرات فيها بتراقب كل شبر في البيت، كان فيه حركة سريعة لخطوات ناس.
ناس أشرار.
ليلى اتعلمت، بدري أوي وقبل أي طفل في سنها، إن الكبار مش دايماً بيحتاجوا يزعقوا عشان يكونوا خطر. ساعات الخطر بيبقى عامل زي خطط بتتقال في السر والوشوشة. ساعات بيبقى حاطط ريحة حلوة. ساعات بيضحك للمصورين ويقولك “يا حبيبتي” قدام الناس، وبعدين يقفل عليك الأوضة أول ما محدش يكون واخد باله.
بلعت ريقها وهي بتبكي، وبصت لشاشة التليفون المنورة.
رقم واحد بس.
هو ده كل اللي كانت عارفاة ومحافظة عليه.
أبوها خلاها تحفظه من تلات سنين، بعد وقت قصير من يوم ما تبناها من ملجأ حكومي غلبان بره القاهرة.
“لو في يوم حسيتي إنك خايفة،” مراد السلحدار قالها كده وهو نازل على ركبته عشان عينيه تيجي في عينيها، “تكلميني فوراً. مش هيهمني أنا فين. مش هيهمني مين اللي واقف بيني وبينك. أنتِ تكلميني، وأنا هاجي البيت طاير”.
ليلى صدقته ساعتها.
ودلوقتي كانت بتحاول تصدقه بكل ما فيها.
التليفون رن مرة.
التانية.
التالتة.
وبعدين صوت راجل رد، صوت واطي، حذر، وساقع لدرجة تخلي أي غريب يقف مكانه ويرجع لورا.
“مين معايا؟”
ليلى حطت إيدها على بؤها، بس صرخة الخوف طلعت منها غصب عنها.
“بابا،” همست بصوت مخنوق.
لثانية واحدة طويلة، مكنش فيه أي صوت على الخط.
بعدين الصوت اتقلب تماماً.
مش بقى أحن.. مش بالظبط.
بس الروح ردت فيه.
“ليلى؟”
غمضت عينيها جامد، وكل الخوف اللي كانت حبساه جوه جسمها الصغير انفجر مرة واحدة.
“بابا، هما بيسرقوك،” قالتها وهي بتعيط وتشرق، “وعايزين يبيعوني النهاردة بالليل”.
على بعد آلاف الأميال، في شقة فوق السحاب بتطل على نهر التايمز في لندن، مراد السلحدار وقف في مكانه ومتحركش حتة.
المطر كان عمال يضرب في قزاز الشبابيك وراه. وعلى المكتب قدامه كانت مفروشة ملفات قانونية، وتقارير أصول، وورق تحقيق فيدرالي كان ممكن يهد نص بلد بحالها لو وقع في الإيد الغلط. مكنش بيقعد ينام أكتر من تلات ساعات في الليلة بقاله أربعتاشر شهر.
بس مفيش أي حاجة في الأربعتاشر شهر دول رعبته زي صوت بنته وهي جاية من التليفون المسروق ده.
“أنتِ فين؟” سألها.
“جوه الدولاب بتاعك”.
“باب الأوضة مقفول؟”
“آه”.
“أكلتي أي حاجة النهاردة؟”
“لأ.. شاهيناز قالتلي إن العشا للضيوف بس”.
مراد غمض عينيه.
شاهيناز الألفي.
خطيبته.
الست اللي ائتمنها على بيته، واسمه، والطفلة اللي بقت الحاجة البريئة الوحيدة اللي فاضلة في حياته وسط كل العك ده.
“اسمعيني كويس يا حبيبة بابا،” مراد قالها بصوت هادي، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الزعيق والعصبية. “خليكِ جوه الدولاب. وزقي أي حاجة تقيلة ورا باب الأوضة لو تقدري. متفتحيش الباب لأي حد. متشربيش أي حاجة. ومترديش لو حد نده على اسمك”.
“بابا، أنا سمعتهم. شاهيناز كانت بتقول إني مش بنتك بجد. وقالت إن فيه ست هتيجي تاخدني بكرا، بس أستاذ شريف قالها إن النهاردة بالليل أأمن عشان أنا سمعت حاجات كتير”.
إيد مراد اتشدت على التليفون لحد ما عقل صوابعه ابيضت.
“شريف قال إيه؟”
“قال إن الفلوس خلاص دخلت الحساب. خمسة وأربعين مليون. وقال إنك لو طلبت مراجعة حسابات هتق*تله. شاهيناز ضحكت ساعتها”.
ليلى شهقت، وبعدين همست بالكلمات اللي خلت الأوضة في لندن تقلب تلج أكتر من شتا بريطانيا.
“قالت إن الناس اللي على الحدود مبيسألوش عيال مين دول”.
مراد مبقاش يتنفس لكام ثانية.
ولما رجع يتكلم تاني، صوت الأب كان لسه موجود.
بس وراه، كان واقف الراجل اللي كل الحيتان، ورجال الأعمال الفاسدين، وتجار الس*لاح في البلد كانوا بيترعبوا من اسمُه.
“ليلى،” قالها، “أنا جاي البيت حالا”.
“بس أنت قلت إن الحكومة مش هترضى تسيبك تنزل”.
“يبقوا يحاولوا يوقفوني بعد ما تكوني في حضني”.
في اللحظة دي، طلع صوت حركة في الطرقة بره الأوضة.
ليلى اتسمرت في مكانها.
فيه حد خبط على الباب.
مش خبط جامد.
تلات خبطات بالراحة ومنتظمين.
“ليلى؟” شاهيناز الألفي ندهت من ورا الباب، بصوت طالع حلو وزي العسل المسموم. “حبيبتي، أنتِ صاحية؟”
—————————————————
حكايات شروق خالد
ليلى كتمت نفسها وحطت إيدها على بؤها وهي بتترعش جوه الدولاب، والتليفون لسه في إيدها على ودنها. مراد على الناحية التانية من الخط كان سامع كل حاجة، وصوت شاهيناز وهو بينده كان بيخليه يغلي من برودها وغدرها.
“ليلى؟ متخافيش يا حبيبتي، أنا عارفة إنك جوه.. افتحي الباب عشان الدكتورة بره وعايزة تطمن عليكِ قبل السفر،” صوت شاهيناز كان طالع هادي وناعم، بس ليلى كانت شامة فيه ريحة الغدر.
مراد همس في التليفون بصوت زي الفحيح بس حاسم: “ليلى.. متتحركيش من مكانك، أنا قفلت الخط بس أنا معاكِ.. خمس دقايق بالظبط والبيت كله هيتقلب”.
بره الأوضة، شاهيناز لفت وشها لشريف، مدير حسابات مراد، وقالتله بنبرة ناشفة: “البت قافلة الباب بالمفتاح من جوه، اِكسر الباب ياشريف خلصنا.. الست اللي هتاخدها مستنية بالعربية ورا سور الفيلا، والطيارة الخاصة جاهزة في المطار ومفيش وقت، مراد لو شم خبر من لندن هيدفننا صاحيين”.
شريف رجع لورا وضرب الباب بكتفه بكل قوته. الخشب بدأ يطقطق، وليلى جوه الدولاب بدأت تعيط من غير صوت وهي بتدعي ربنا يسترها. الضربة التانية الباب اِتفتح واِتكسر القفل بتاعه.
شاهيناز دخلت الأوضة وعينيها بتدور في كل حتة لحد ما لمحت النور الصغير اللي طالع من تحت باب الدولاب. مشيت بخطوات بطيئة وكعبها بيعمل صوت مرعب على الأرض الباركيه: “تستخبي في دولاب أبوكِ يا ليلى؟ طب ما هو أبوكِ ده خلاص.. بح”.
فتحت باب الدولاب فجأة، وشدت ليلى من دراعها جامد وهي بتصرخ: “هاتي التليفون ده!”. ليلى صرخت: “بابا هييجي ياخدني! بابا هيقت*لكوا!”. شريف ضحك بخبث وقال: “أبوكِ ممنوع من دخول البلد يا شاطرة، ومحجوز عليه هناك، يعني مش هيلحقك”.
وفجأة.. وقبل ما شريف يمد إيده عشان يشيل ليلى، البيت كله اِتنفض.
صوت ضرب نار حي بره الفيلا، وصريخ الحراس بتوعهم في الجنينة. الأجهزة والإنذارات بتاعة الفيلا كلها بدأت تضرب في نفس الوقت. شريف وشاهيناز اتسمروا في مكانهم ووشهم بقى أبيض زي القماش.
الباب الرئيسي بتاع الفيلا تحت اِتكسر بحتة رزع هزت حيطان الأوضة. وصوت خطوات تقيلة وسريعة جداً كانت طالعة على السلم الرخام.
شريف طلع طبنجه من جيبه وهو إيده بترعش ووقف ورا باب الأوضة، وشاهيناز استخبت ورا السرير وهي بتترعش. الباب بتاع الأوضة اِتضرب برجل واحدة طيرته من مكانُه، وقبل ما شريف يرفع صباعه على الزناد، كانت رصاصة سريعة صابته في كتفه وقعت الطبنجة من إيده وخلته يصرخ في الأرض.
دخلوا رجالة مدججين بالس/لاح، ووراهم.. ظهر مراد السلحدار.
مكانش لابس بدلة غالية، كان لابس جاكيت أسود غرقان بمية المطر، وعينيه كان فيهم شرار وغضب لو طال يحرق بيه الفيلا كلها مش هيتردد. مراد مكنش في لندن.. مراد كان نزل مصر من يومين في السر عشان كان شاكك في حسابات شريف، والمكالمة بتاعة ليلى كانت القشة اللي قطمت ظهر الحية.
أول ما ليلى شافته صرخت: “بابا!” وجريت عليه. مراد نزل على ركبتيه وشالها وحضنها بكل قوته، ودفن وشه في شعرها وهو بيتنفس لأول مرة من سنين.
بص لشاهيناز اللي كانت راكعة في الأرض بتعيط وبتبوس رجله: “مراد بيه.. والله شريف هو اللي وزني! هو اللي قالي نبيع الأسهم وناخد البت ونمشي.. سامحني!”.
مراد بصلها بنظرة قرف، وقال لرجالتُه بصوت يرعب: “شريف وشاهيناز، والست اللي مستنية بره في العربية.. يتاخدوا على المخرن القديم. مفيش بوليس هيدخل هنا.. أنا اللي هحاسبهم بنفسي على كل مليم، وعلى كل دمعة نزلت من عين بنتي”.
الرجالة سحبوا شاهيناز وشريف وهم بيصرخوا وبيترجوه، ومراد مشي وهو شايل ليلى في حضنه، ومغطي عينيها عشان متشوفش الدم اللي في الأرض.
خرج بيها في المطر، وركب عربيتُه المدرعة، وبص لليلى وقالها: “أنا هنا يا حبيبتي.. ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يبعدك عن حضني تاني”.
حكايات شروق خالد
العربية المدرعة مشيت وسط المطر والشوارع الفاضية، وليلى كانت دافنة راسها في صدر مراد، وسامعة دقات قلبه السريعة اللي بدأت تهدى أول ما حس إن بنته بقت في أمان.
مراد طلع تليفونه، وبنبرة حاسمة كلم المساعد الأول بتاعه: “الفيلا تتقفل، وتتمسح من أي أثر للكلاب دول. وتجيبلي كشف حسابات شريف بره وجوه البلد في خلال ساعة.. والست اللي كانوا متفقين معاها، عايز أعرف مين اللي باعتها ومين كبيرها”.
وصلوا لبيت تاني خالص، فيلا قديمة بس متأمنة زي الحصن في منطقة معزولة. مراد نزل وهو شايل ليلى، ودخل بيها أوضة دافية، وطلب من الشغالة الأمينة تجيب لها لبس ناشف وأكل سريع. قعد جنبها على السرير، ومسح على شعرها بالراحة وقالها: “خلاص يا ليلى.. كابوس وانتهى، ومحدش هيقدر يقربلك تاني طول ما أنا عايش”.
ليلى بصت له بعيونها البريئة وقالت بصوت واطي: “بابا.. هما كانوا بيقولوا إنك مش بابا بجد.. وإنك مش هترجع”.
مراد اتنهد، ونزل لمستواها وباس إيدها الصغيرة: “الأب مش بالدم يا ليلى.. الأب هو اللي بيحمي، وهو اللي بيصون. وأنا من اليوم اللي دخلتِ فيه حياتي، بقيتِ بنتي وحتة من قلبي.. والكلاب دول دفعوا تمن كلامهم ده غالي أوي”.
في نفس الليلة، في المخزن القديم على أطراف طريق السويس، كان شريف وشاهيناز مربوطين على كراسي والخوف هيركبهم. شريف كان كتفه متجبس بوجع، وشاهيناز كانت بتعيط وبتقول كل الأسرار من غير ما حد يسألها.
مراد دخل عليهم، وبكل برود قعد على كرسي قدامهم، وفتح لاب توب. وبدأ يحول الـ 45 مليون دولار اللي سرقوها من حساباته لحساب تاني خالص، ورجع كل الأسهم اللي شريف حاول يبيعها من وراه.
شريف وهو بيرتعش قال: “مراد بيه.. أنا رجعتلك كل حاجة.. أبوس إيدك سبنا نعيش!”.
مراد قفل اللاب توب، وبص لهم بنظرة موت وقال: “الفلوس دي تمن سرقتكم ليا.. ودي مقدرو عليها. إنما تمن إنكم فكرتوا تبيعوا بنتي وتخضوها.. ده ملوش تمن بالفلوس”.
التفت لرجالتُه وقالهم: “سلموهم للنيابة.. بس بعد ما تضمنوا إن تقارير التزوير والنصب والاتجار بالبشر توديهم ورا الشمس بقية عمرهم.. مش عايزهم يشوفوا النور تاني”.
مراد رجع لبيته، ودخل أوضة ليلى ولما لقاها نايمة ومطمنة، ابتسم لأول مرة من شهور. أخد التليفون المسروق اللي أنقذ حياتها وحطه في مكتبه.. عشان يفضل فاكر دايماً إن وسط كل الحروب والنفوذ والفلوس، فيه ملاك صغير بيحميه ومستنيه.
حكايات شروق خالد
عدت الأيام، والحياة بدأت ترجع لهدوئها في بيت مراد السلحدار. شاهيناز وشريف والست اللي كانت وسيطة في عملية البيع، كلهم لبسوا قض*ية اتج/ار بالبشر وتزوير وتهريب أموال، والق/ضية بقت قض/ية رأي عام، والنيابة حطتهم في سجن شديد الحراسة ومستقبلهم انتهى للأبد ورا الشمس.
مراد قرر يقفل صفحة الشغل المشبوه والنفوذ اللي كان كله حروب ومشاكل، وصفى كل أعماله اللي بره وجوه البلد، وركز في حاجة واحدة بس: بنته ليلى.
في يوم مشمس، مراد كان قاعد في جنينة البيت الجديد بيشرب قهوته، وبيتفرج على ليلى وهي بتجري وتلعب مع كلب صغير كان جايبهولها عشان ينسيها أيام الخوف. ليلى لفت وشها وبصتله بضحكة صافية هزت قلبه، وجريت عليه وارتمت في حضنه.
“بابا، أنا بحبك أوي،” قالتها وهي بتعلق في رقبته.
مراد ضمها لقلبه جامد، وباس راسها وقالها: “وأنا بعشقك يا قلب بابا.. أنتِ اللي أنقذتيني يا ليلى، مش أنا اللي أنقذتك”.
مكالمة ليلى الصغيرة من جوه الدولاب مكنتش بس إنقاذ لحياتها من أيد شاهيناز، دي كانت إنقاذ لمراد نفسه من عالم ضلمة كان غرقان فيه، وفهمته إن الفلوس والملايين والشركات ميسووش حاجة قصاد ضحكة بريئة من بنته اللي صانت اسمه، وبقت هي كل دنيته وأمله في الحياة.
صرخة من جوه الدولاب: المكالمة السحرية التي هزت إمبراطورية الملياردير!
حكايات شروق خالد