التابوت الحي: الهروب من نار الخيانة** حكايات شروق خالد
“وداعاً للأبد”، همست زوجتي وهي تختم نعشي. كنت على قيد الحياة، مشلولة بسبب po//ison التي أعطتني إياها. في جنازتي الخاصة، سمعتها هي وطبيبتي النفسي تهمس بخطتهم لسرقة ثروتي وحرق صديقي لإخفاء الأدلة. بينما قاموا بدفع نعشي إلى المحرقة الهائجة، كانت لدي فرصة واحدة متبقية لـ…
استيقظت على رائحة خانقة من السوسن والمواد الكيميائية سميكة في الهواء.
حاولت أن أفتح عيني… لكن جفوني شعرت بثقل بشكل مستحيل، كما لو أن المعدن المنصهر قد سكب فوقهما. حاولت تحريك أصابعي. لا شيء. حاولت البلع. لا شيء. تم تجميد جسدي بالكامل في مكانه، بينما صرخ عقلي داخل سجن من اللحم.
ثم بدأت الأصوات تنجرف خلال الظلام.
أحذية تكشط ضد الأرضيات المصقولة. شخص ما يبكي بهدوء في مكان قريب. همست فوقي امرأة ترتعد:
“كان إيثان صغيرًا جدًا على الموت… ”
غمر الثلج عروقي.
صرخت داخل رأسي:
“ما زلت على قيد الحياة! ”
لكن لم يهرب أي صوت من شفتي.
رائحة الهواء من حولي من الخشب المصقول، والنسيج الساتان، والزهور البيضاء الطازجة. ببطء، وبشكل مرعب، جمعت الحقيقة نفسها معا.
لم أكن في المستشفى.
كنت داخل تابوت.
وكانت جنازتي تحدث بالفعل.
ذاكرتي الأخيرة عادت إلى أجزاء.
وقفت أوليفيا – زوجتي – على شرفتنا المضاءة بالشمس تحمل فنجان قهوة مبخر.
“يجب أن تشرب هذا”، قالت بهدوء، وهي تضع يدي على كتفي. “سيساعد على تهدئة قلبك. ”
لأسابيع، كنت أشعر بالدوار، والتعب، ويداي ترتعدان بلا رقابة. أصرت أوليفيا أنه كان إجهادًا من العمل. ميسون – طبيبي العلاج الطبيعي الموثوق به – يتفق معها تمامًا.
وأنا صدقتهم.
شربت القهوة بنكهة العسل والقرفة.
لكن تحت الحلاوة… كان هناك شيء غريب مر.
ثم جاء الظلام.
حتى الآن.
فجأة، ظهر صوت أوليفيا بجانب التابوت مباشرة.
“أخيرا… نحن أحرار منه. ”
ضحك رجل بهدوء.
“أخبرتك أن الصيغة ستنجح. لم يشك أحد في شيء. ”
مايسون.
كل فكرة بداخلي تجمدت بينما همست أوليفيا مرة أخرى:
“بعد اليوم، كل شيء يخصنا. ”
صمت قصير يتبعه قبل أن يتحدث ميسون بنبرة هادئة ومقاسة:
“نحن بحاجة فقط لبضع ساعات إضافية. الحرق يبدأ في الساعة السادسة. ”
حرق.
تلك الكلمة الوحيدة المدمرة تجسدت مثل جلاد يخطو في التابوت بجانبي.
لم يكونوا يخططون فقط لدفني حياً لأختنق في التراب.
كانوا ينوون حرقى حياً، وكانت الساعة تدق بعنف نحو النيران.
كانت الكلمة عاملة زي صاعقة كهربا ضربت في نفوخي.. حرق!
مش بس دافنيني حي عشان أختنق تحت التراب، لأ.. دول ناويين يحرقوني وأنا صاحي وجوايا الروح، والساعات عمالة تجري وتعد تنازلي ناحية جهنم اللي مستنياني.
صوت ميسون رجع يوشوش تاني: “طب وصاحبه؟ يونس.. الواد ده مش مبلعاله ريق، عمال يلف ويدور ويسأل، وشكله شاكك في الليلة كلها. ده لسه باعتلي رسالة بيقول إنه جاي على المحرقة عشان يودع إيثان الوداع الأخير.”
أوليفيا ردت عليه بنبرة حادة وشريرة مسمعتهاش منها في حياتي: “يونس؟ سيبه ييجي.. الموتور بتاع المحرقة قديم، وماسورة الغاز متهالكة. لو حصلت ‘حادثة’ وانفجرت والمكان ولع باللي فيه.. محدش هيستغرب. هنخلص من إيثان ونحرق يونس معاه، وكده مفيش أي دليل هيفضل صاحي في الدنيا، وكل الثروة والشركات هتبقى باسمنا رسمي قبل ما الأسبوع يخلص.”
أنا كنت بسمع الكلام ده وعقلي هيطير من راسي.. يونس! صاحبي وأخويا اللي حيلتي في الدنيا، الراجل الوحيد اللي حس إن في غدر وجاي يلحقني، ناويين يحرقوه هو كمان ويضيعوه بسببي؟
الغضب والخوف والرعب اتجمعوا كلهم في لقطة واحدة.. وفجأة، الإحساس بدأ يرجع في صباع رجلي الصغير.. ورمش عيني بدأ يتهز حاجة بسيطة. السم اللي ادتهولي في القهوة مكنش جرعة قاتلة.. ده كان شلل مؤقت عضلات الجسم، وبدأ مفعوله يفك بالبطيء!
العجلة بتاعة التابوت بدأت تتحرك.. حسيت بالهزة والجسم بيميل.
“يلا بينا يا ميسون، العمال جاهزين وفتحوا الفرن.. المحرقة سخنت أوي.” أوليفيا قالتها وهي بتضحك ضحكة خبيثة.
التابوت كان بيتحرك على السير.. وأنا سامع من بعيد صوت الهبّ بتاع النار.. صوت مرعب، هبّة الهوا السخنة بدأت تخترق خشب التابوت وتحسسني إن الموت خلاص على بعد خطوتين. السير عمال يسحبني للفرن جوة.. والنار صوتها بيعلى.. بيعلى أوي.
عقلي كان بيصرخ: “اتحرك! اتهز! اعمل أي حاجة يا إيثان!”
حركت صوابع إيدي.. اتحركت! بدأت أضغط بكف إيدي على بطانة الساتان الناعمة بتاعة التابوت. حاولت أفتح عيني.. الضلمة بدأت تتشرخ، وشوفت خيط نور رفيع جاي من قفلة غطا التابوت.
التابوت خبط خبطة جامدة.. وقف.
صوت عامل المحرقة برة وهو بيقول: “تمام يا فندم، التابوت جاهز للدخول.. هرفع يد التشغيل والفرن هيسحب الشغلانة لجوه.”
“استنى عندك! متفتحش الفرن!”
الصوت ده كان صوت يونس! دخل الصالة وهو بينهج وزعق فيهم.
أوليفيا اتوترت وقالت بتمثيل وعياط: “في إيه يا يونس؟ حرام عليك سيب جوزي يرتاح.. إحنا تعبانين.”
يونس زعق: “يرتاح إيه؟! إيثان مكنش عيان.. إيثان ميت فجأة وفي حاجة غلط! أنا طلبت تش*ريح الج*ثة والشرطة زمانها جاية في السكة.. محدش يلمس التابوت ده!”
ميسون صرخ في العامل: “شغل المكنة بسرعة! الواد ده مجنون وهيضيعنا!”
العامل شد اليد.. وصوت الموتور اشتغل بعنف.. والتابوت بدأ يتحرك ويدخل في فتحة جهنم.. السخونية بدأت تلسع وشي.. والخشب بدأ يقرقش من النار.
في اللحظة دي.. الغريزة بتاعة البقاء خلتني أجمع كل ذرة طاقة في جسمي المشلول.
رفعت إيديا الاتنين وضغطت بيهم بكل قوتي على غطا التابوت من جوة.. وبكل ما أوتيت من عزم وصراخ مكتوم في صدري.. رزعت الغطا!
“طاااااخ!”
الغطا اخلع واترمى لبرة.. وأنا قومت وقفت بطولي في التابوت والنار طالعة من ورايا وبتلف حوالين رجلي.. عيني فتحت على الآخر، وبصيت لهم ونور الفرن الأحمر عاكس على وشي كأني ميت قايم من قبره.
العامل صرخ وجري ورا.. ميسون ركبه سابت ووقع على الأرض وهو بيصوت من الرعب.. وأوليفيا وشها بقى أبيض زي الكفن، وجاتلها سكتة قلبية من الخضة ووقعت مكانها مش قادرة تنطق.
يونس أول ما شافني، صرخ بفرحة وذهول: “إيثان!! أنت صاحي؟!” وجري عليا شدني من وسط النار قبل ما تلمسني بالكامل، ورماني برة السير على الأرض النضيفة.
وأنا نايم على الأرض، بتنفس الهوا النضيف وبكح، بصيت لأوليفيا وميسون اللي كانوا بيموتوا من الرعب ومفاجأة الصدمة، وقلت بصوت مبحوح وناشف بس هز المكان:
“وداعاً للأبد.. إنتوا والفلوس اللي كنتوا هتموتوا عليها.”
في نفس اللحظة.. صوت سارينات شرطة النجدة رن برة المكان.. واللعبة كلها اتقلبت عليهم في ثانية!
أوليفيا كانت واقعة على الأرض، متبنجة من الرعب، وعينيها مبرقة فيا كأنها شافت شيطان خارج لها من جهنم، وميسون كان بيزحف لورا على بطنه وهو بيصرخ صريخ هيستيري: “عفريت!.. ده قام من الموت! يا جماعة الحقونا!”
يونس مكنش مصدق نفسه، كان حاضنّي وبيرعش وهو بيطمن إن جسمي دافي وفي نفس. سحبني لبرة الأوضة والشرطة بدأت تدخل من الباب الكبير ومعاهم الإسعاف.
الظابط دخل لقى المنظر: أوليفيا يغمى عليها من الصدمة، وميسون منهار تماماً وبيقدم اعترافات من غير ما حد يسأله: “هي السبب! أوليفيا هي اللي خططت! هي اللي جابت السم وحطتهوله في القهوة عشان تورثه.. أنا ماليش دعوة!”
يونس بص للظابط وقاله بصوت كله غل: “أهو.. المجرمين اعترفوا بنفسهم يا فندم.. دول كانوا هيدفنوا صاحبي ويحرقوه حي!”
الظباط كلبشوا ميسون وهو بيبكي، وشالوا أوليفيا وهي في غيبوبة الخضة على نقالة الإسعاف، بس المرة دي مش على المستشفى.. دي كانت طلعة على حجز النيابة والتحقيقات بتهمة الشروع في الق*تل مع سبق الإصرار والترصد.
أنا قعدت على كرسي برة المحرقة، وجسمي بدأ يسترد عافيته بالكامل بعد ما الهوا النضيف طرد باقي أثر السم من دمي. يونس جابلي كباية مية، وإيده كانت لسه بتمطر رعب عليا.
بصيت له وقلت له وصوتي لسه مبحوح: “عرفت إزاي يا يونس؟ إزاي جيت في الوقت ده بالظبط؟”
يونس أخد نفس طويل وقال: “يخرب عقلك يا إيثان.. إنت بقالك أسابيع بتشتكي من الدوخة، ويوم ما أوليفيا كلمتني تعيط وبتقول إنك مت فجأة ساكتة قلبية، قلبي مقبلش السمعة دي. دخلت شقتك من وراها ولقيت في سلة الزبالة شريط دوا غريب.. سألت دكتور صاحبي قالي ده ‘مُسكن عضلات قوي جداً’ بجرعات معينة بيعمل شلل مؤقت يبان كأنه موت سريري! وقتها عرفت إن في لعبة، وبلغت الشرطة وجيت جري على هنا.”
دموعي نزلت وأنا ببص لأخويا وصاحبي اللي كتبلي عمر جديد.. الراجل اللي هما كانوا ناويين يصفوه ويحرقوه معايا عشان يداروا جر/ي*متهم.
بعد شهرين..
كنت واقف في المحكمة، لابس بدلتي كاملة وبصحتي، واقف قدام قفص الاتهام. أوليفيا وميسون كانوا واقفين ورا القضبان، وشوشهم سودا ومتبهدلة، والغرور اللي كان مالي عينيهم اتبخر تماماً.
القاضي خبط بالشاكوش، ونطق الحكم اللي ريح قلبي ونزل عليهم زي الصاعقة:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء.. بالسجن المؤبد للأشغال الشاقة للمتهمين أوليفيا وميسون، مع مصادرة أي توكيلات أو أوراق تخص أملاك المجني عليه.”
أوليفيا بدأت تصرخ وتلطم على وشها وتناديني: “إيثان! سامحني! أنا بحبك.. والنبي بلاش المؤبد!”
بصيت لها بابتسامة باردة جداً، نفس الابتسامة اللي كانت على وشها وهي بتديني فنجان القهوة، وقلت لها بصوت مسموع في قاعة المحكمة كلها:
“القهوة بتاعتك كانت سِم.. بس الحكم ده هو اللي هيفوقك.. وداعاً للأبد يا أوليفيا، وسيبك من الفلوس عشان خلاص.. ملهاش صاحب غيري.”
خرجت من المحكمة وأنا حاطط إيدي في إيد يونس، وببص للسما وبشرب الهوا ونور الشمس مالي وشي.. بعد ما كنت خلاص على بعد خطوة واحدة من نار المحرقة، ربنا كتبلي أعيش وأشوف اللي ظلموني وهما بيتحرقوا بنار أفعالهم ورا حديد السجن.
**التابوت الحي: الهروب من نار الخيانة**
حكايات شروق خالد