بنت كلمتني في نص الليل وهي بتصرخ من الرعب

بنتي كلمتني في نص الليل وهي بتصرخ من الرعب وبتقولي الحقني يا بابا.. ضربني تاني وهيموتني! وفجأة الخط انقطع على صوت حاجة بتتكسر وصرخة هزت قلبي!.. الجملة دي مكانتش مجرد مكالمة فزع من بنتي اللي سلمتها لراجل أمنته عليها، دي كانت اللحظة اللي النار شعللت في عروقي وعرفت إن جوزها طلع وحش بشري، ومكنش يتخيل الندل ده إن الجبروت اللي عيش فيه بنتي هيدفع ثمنه غالي أوي، وإن الوجع اللي ذوقهولها هيترد له أضعاف مضاعفة وفي قلب بيته!
صوت رنة الموبايل الساعة تلاتة الفجر بيبقى دايماً وراه مصيبة، شاشة التليفون كانت منورة باسم نور بنتي وفرحة عمري، فتحت الخط وأنا لسه قايم من النوم ومخضوض، وقبل ما أقول ألو، جالي صوتها مخنوق، وبتنهج كأنها بتجري من الموت، وبتقول بكسرة ورعب بابا… أرجوك، تعال خدني من هنا… ضربني تاني وشي كله دم… ، الكلمات طلعت منها بالعافية، وزي ما يكون حد هجم عليها، الخط اتقلب ل دوشة وصوت صرخة حادة وطويلة من

قعر قلبها، بعدها صوت حاجة تقيلة وفخار بتتكسر على الحيطة بعنف، والخط اتقطع.. السكوت اللي ملى الأوضة بعد كدة كان يرعب، تيت.. تيت.. تيت، فضلت باصص للشاشة ومش مصدق، بنتي نور اللي جوزتها من سنة ل عصام المهندس الشيك، الراجل اللي جالي لحد بيتي في شبرا وباس على إيدي وقالي هحطها في عيني، بقى هو اللي بيمد إيده عليها ويسيل دمها؟ أنا اللي ربيتها وممديتش إيدي عليها يوم، يجي الغريب يكسر خطري فيها؟ قمت من على السرير كأن فيه جن مَسّني، النعاس طار من عيني وعقلي بقى شغال زي المكنة، لبست الجلابية بسرعة ودموع العجز والغضب نازلة على شيبتي، نزلت السلم جري، وركبت عربيتي القديمة وأنا إيدي بتتراش على الدريكسيون، المسافة من بيتي لبيتها في أكتوبر كانت كأنها بلاد، والمطر كان لسه بيبتدي ينقط على الإزاز، كل إشارة حمراء كانت بتقف في طريقي كنت بحس إنها س كينة بتترشق في صدري، كنت بفتكر كلام أمها الله يرحمها وهي على فراش الموت لما قالتلي نور أمانة في رقبتك يا حاج محمود، دي نوارة البيت ودمعتها غالية، وأنا ضيعت الأمانة، وافقت على جوازها من واحد مكنتش أعرف أصله ولا طبعه الحقيقي إيه ورا الوش النضيف والمظاهر الكدابة، عصام كان طول عمره بيبان هادي ومؤدب في وسط العيلة، يخش البيت بابتسامة وهدايا، ويصلي بينا جماعة في الصالون، ويقول كلام يوزن بلد عن الأصول والدين، بس ورا الأبواب المقفولة كان فيه شيطان مستخبي، الشيطان اللي بدأ يظهر بعد الجواز بكام شهر، لما نور بدأت تتوتر وصوتها يتغير في التليفون، ولما كانت بتتحجج وتلبس نظارة شمس وهي جاية تزورني عشان تخبي زرقان عينها وتقولي دي خبطة في ضلفة المطبخ يا بابا متقلقش، أنا صدقتها لأني مكنتش عاوز أخرب بيتها، ومكنتش أتخيل إن السكوت على الغلط بيولد غول، وصلت تحت عمارتهم، النور كان قايد في الصالة بتاعتهم في الدور الثالث، طلعت السلم تلات درجات في خطوة واحدة، قلبي كان بيضرب في صدري زي الطبلة، وقفت قدام الباب وحطيت إيدي على الجرس وفضلت ضاغط عليه من غير ما أشيلها، ومفيش ثواني والباب اتفتح، عصام كان واقف، لابس تيشيرت بيتي، شعره منكوش، وعينه حمرا من الغل، وباصص لي ببرود مقرف ومن غير ما يتخض وقال أهلاً يا حاج.. خير؟ جاي في وقت زي ده ليه؟، م رديتش عليه، زقيته بكتفي ودخلت الصالة، الأوضة كانت مقلوبة، أباجورة مكسورة حتت على الأرض، والسجادة متبهدلة، والدموع مغرقة المكان، ندهت بأعلى صوتي والوجع شاقق حنجرتي نور!.. إنتي فين يا بنتي؟، خرجت من المطبخ وهي بتترعش، هدومها مقطوعة، ووشها ورم تحت عينها الشمال، والدم نازل من شفتها ومبهدل رقبتها، أول ما شافتني جريت عليا وترمت في حضني وهي بتشهق وتصرخ يا بابا الحقني.. كان هيموتني وخنقني بإيده، ضميتها لصدري بقوة وأنا حاسس إن روحي بتطلع، وبصيت لعصام اللي كان واقف ساند ضهره على الحيطة وبكل بجاحة حط إيده في جيبه وقال بنتك مبتربيش يا حاج، ومبتسمعش الكلام، وأنا بجيب حق الله وبأدبها في

بيتي، والبيوت أسرار.. ياريت تاخدها معاك وتمشي لأن مبقاش ليها مكان هنا.
يا ترى الحاج محمود هيعمل إيه مع عصام في اللحظة دي، وهل هيرد حق بنته بإيده ويقلب الشقة مجزرة، ولا عصام مخبي مصيبة تانية هتهدد حياة العيلة كلها وتقلب الطاولة؟ اللي جاي صدمة ومواجهة تزلزل القلوب!
الحاج محمود كان واقف وبنته مرمية في حضنه بتترعش، وحاسس إن قلبه بيتسحب من مكانه وهو شايف وشها المتورم وآثار صوابعه على رقبتها.
وفي اللحظة دي
كان سهل جدًا يقتل عصام.
سهل جدًا يجيب أول حاجة تطولها إيده ويهشم دماغه.
لكن نور شدت جلابية أبوها بإيد مرتعشة وهمست متسبنيش لوحدي معاه.
الجملة دي فوقته.
فهم إن أهم حاجة دلوقتي مش الانتقام.
أهم حاجة يطلع بنته عايشة.
الحاج محمود لف على عصام وعينه كلها نار لو قربت منها تاني هدخلك قبرك بإيدي.
عصام ضحك بسخرية مستفزة وهي هتروح فين يعني؟ دي مراتي.
نور استخبت أكتر في حضن أبوها.
لكن الحاج محمود لاحظ حاجة.
الخوف اللي في عينها ماكانش خوف ست من جوزها وبس
كان خوف واحدة شايلة سر أكبر.
قال بهدوء مخيف خدي هدومك يا بنتي.
عصام وقف قدام الطرقة فجأة هي مش خارجة.
الحاج محمود قرب منه لدرجة إن نفسه خبط في وشه جرّب تمنعني.
ولأول مرة
عصام رجع خطوة لورا.
يمكن لأنه شاف في عين الراجل العجوز حاجة أخطر من القوة أب مستعد يخسر عمره كله عشان بنته.
نور خرجت مع أبوها قبل الفجر.
طول الطريق كانت ساكتة.
ضامة نفسها كأنها بتحاول تختفي.
ولما وصلوا البيت
دخلت أوضتها القديمة، نفس الأوضة اللي خرجت منها بفستان الفرح من سنة.
قعدت على السرير وبصت حواليها.
ولأول مرة من شهور
نامت من غير ما تخاف من صوت مفتاح الباب.
لكن الحاج محمود ما نامش.
كان قاعد في الصالة، سيجارته مطفية بين صوابعه، ودماغه بتاكل فيه.
فيه حاجة غلط.
حاجة أكبر من الضرب.
عصام مكانش خايف.
لا من الشرطة.
ولا من الفضيحة.
ولا حتى من إنه يخسر نور.
وده مش طبيعي.
الراجل اللي بيعنف مراته عادة بيخاف لما تسيبه.
لكن عصام
كان واثق زيادة عن اللزوم.
الصبح
نور صحيت على صوت أبوها وهو بيكلم حد في البلكونة.
كان صاحبه القديم اللواء فاروق، راجل معاش من الداخلية.
الحاج محمود قال بصوت واطي أنا محتاج أعرف الراجل ده وراه إيه.
اللواء سكت ثواني، وبعدها قال ابعتلي اسمه.
بعد يومين
الحقيقة نزلت عليهم زي الصاعقة.
عصام ماكانش مجرد راجل عصبي.
عصام كان غرقان في ديون وقمار إلكتروني.
ومديون لناس خطر.
والأخطر
إنه مأمّن على حياة نور بمبلغ ضخم جدًا قبل الجواز بست شهور.
الحاج محمود حس الدم اتجمد في عروقه يعني إيه مأمّن عليها؟
اللواء رد ببرود يعني لو حصلها حادث أو ماتت هو المستفيد الوحيد.
نور كانت قاعدة سامعة.
ووشها ابيضّ.
وبعدين بدأت تعيط بانهيار أنا كنت حاسة
أبوها جري عليها حاسة بإيه يا بنتي؟
نور شهقت كان دايمًا يقولي محدش هيصدقك لو اتكلمتي وكان يخليني آكل أدوية تهديني ويقول الدكتور كاتبها.
الحاج محمود قلبه وقع.
أدوية إيه؟
نور جابت الشريط من شنطتها.
اللواء أول ما شافه وشه اتكشّر دي مهدئات قوية.
نور بصت لأبوها برعب أنا كنت ببقى مش شايفة قدامي بعدها مرة صحيت لقيت نفسي واقعة في البانيو ومش فاكرة حاجة.
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل بشكل مرعب.
الحاج محمود فهم.
عصام ماكانش بيضربها وبس.
عصام كان بيكسرها واحدة واحدة
لحد ما تموت أو تتجنن.
وفي الحالتين هو الكسبان.
الحاج محمود أصر يبلغ.
لكن نور خافت.
كانت مرعوبة من الفضيحة.
من كلام الناس.
من جملة استحملي عشان بيتك.
الحاج محمود مسك وشها بين إيديه وقال البيت اللي يخنقك مش بيت يا نور ده قبر.
الكلمة كسرتها.
ولأول مرة
وافقت تحكي كل حاجة.
التسجيلات.
الرسائل.
صور الضرب.
حتى فيديو كانت مصوراه بعشوائية وهو بيكسر الأوضة ويهددها والله يا نور محدش هياخدك مني غير على قبرك.
الفيديو كان كفاية.
عصام اتقبض عليه بعد أسبوع.
وفي القسم
قعد يزعق دي مراتي! وأنا حر!
لكن لما واجهوه بالتأمين، والديون، والتسجيلات
وشه اتغير.
القناع وقع.
واتحول من الزوج المؤدب لوحش مرتبك بيتعرق.
الأخبار انتشرت بسرعة.
ناس كتير اتصدمت.
عصام المحترم؟!
مستحيل!
بس الحاج محمود اكتشف حاجة مرة إن الوحوش الحقيقية غالبًا شكلها عادي جدًا.
القضية خدت شهور.
نور كانت بتتعالج نفسيًا.
كل يوم ترجع تتعلم تنام من غير خوف.
تضحك من غير استئذان.
وتتكلم من غير ما حد يسكتها.
كانت ساعات تصحى مفزوعة من النوم.
وأبوها يجري عليها رغم سنه وتعبه.
يقعد جنبها ويقرأ قرآن لحد ما تهدى.
وفي ليلة
قالت له وهي بتبص للسقف أنا كنت فاكرة لو سبت البيت أبقى فشلت.
الحاج محمود ابتسم بحزن
الفشل إنك تموتي فيه وإنتِ ساكتة.
بعد سنة
نور فتحت مشروع صغير أونلاين للحلويات.
كانت أول مرة تعمل حاجة لنفسها.
مش لإرضاء جوز.
ولا خوف من حد.
الحاج محمود كان قاعد يتفرج عليها وهي بتضحك مع الزباين في المطبخ.
وحس إن بنته بترجع للحياة حتة حتة.
وفي يوم مطر شبه الليلة المشؤومة
نور حطت له طبق كنافة وقالت فاكر لما جيت خدتني؟
الحاج محمود بص لها وعينه دمعت ده اليوم اللي رجعت فيه روحي.
نور وقالت إنت أنقذتني يا بابا.
الحاج محمود هز راسه وباس شعرها لأ يا بنتي إنتِ اللي قررتي تنجي نفسك.
وبرة
المطر كان بينزل بهدوء.
لكن لأول مرة ماكانش صوته مخيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *