المواجهة تحت ضوء الشمس حكايات شروق خالد
تزوجت الرجل الذي نشأت معه في دار الأيتام – ثم في صباح اليوم التالي لزفافنا، طرق شخص غريب الباب وقال: “هناك شيء لا تعرفينه عن زوجك. ”
عمري 28 عامًا، وقضيت طفولتي أتحرك عبر نظام الرعاية. بحلول الوقت الذي كان عمري ثمانية سنوات، كنت قد عشت بالفعل مع العديد من العائلات، وانتهى كل مكان بنفس الطريقة – لقد تخلوا عني.
عندما تم إرسالي إلى دار أيتام آخر، هناك قابلت نوح.
كان عمره 9 سنوات واستخدم كرسيًا متحركًا بسبب حالة العمود الفقري التي ولد بها. معظم الأطفال لم يعرفوا كيف يعاملونه، لذلك حافظوا على المسافة.
لم أفعل.
أصبحنا لا نفترق. كان نوح حادًا ودافئًا ومضحكًا بهدوء. مع مرور الوقت، أصبح أقرب أصدقائي. لم يتم تبني أي منا على الإطلاق، لذلك كبرنا جنباً إلى جنب، ندرك تمامًا أننا كنا جميعًا نمتلكه الآخرون.
عندما كبرنا في السن خارج النظام، بقينا معًا.
#حكايات_شروق_خالد
الصداقة تحولت ببطء إلى حب. سجلنا في الكلية، وعملنا في وظائف بدوام جزئي، وتعلمنا كيفية البقاء على قيد الحياة على القليل جدًا، واستأجرنا شقة صغيرة مليئة بالأثاث المستعمل. قطعة قطعة، بنينا حياة من لا شيء.
بعد الكلية، تقدم نوح للزواج. بعد بضع سنوات، تزوجنا.
كان الزفاف صغيرًا – مجرد حفنة من الأصدقاء المقربين – ولكن بالنسبة لي، كان مثاليًا.
في الصباح التالي، ردد صدى ضربة حادة في شقتنا.
كان نوح لا يزال نائماً، لذا فتحت الباب.
رجل لم أره من قبل وقف هناك، يرتدي معطفًا أنيقًا، تعبيره هادئ ولكنه جاد. لقد نظف حنجرته.
قال “صباح الخير”. “أعلم أننا لم نلتقي، لكنني كنت أحاول العثور على زوجك منذ وقت طويل. ”
ضاق صدري.
سلمني ظرفاً وأضاف بهدوء،
“هناك شيء لا تعرفه عنه. اقرأ ما بداخله، وسيصبح كل شيء منطقيًا. ”
#حكايات_شروق_خالد
مسكت الظرف بإيد بتترعش، والراجل لف ضهره ومشي من سكات من غير ما يقول كلمة زيادة. قفلت الباب وسندت ضهري عليه، ضربات قلبي كانت سريعة لدرجة حسيت إنها هتطلع من صدري.
فتحت الظرف ببطء، وطلعت منه مجموعة ورق رسمي.. ورق من ملجأ قديم، وشهادة ميلاد، ومعاهم شيك بمبلغ خيالي باسم نوح، ومكتوب عليه “تعويض وتصفية أملاك”.
## سر التسع سنين
بدأت أقرا السطور وعيني مش مصدقة اللي شايفاه. الورق كان بيكشف حقيقة نوح اللي مخبيها عن الدنيا كلها.. نوح مش يتيم!
نوح ابن عيلة غنية جداً، عيلة “المنشاوي” أصحاب شركات العقارات المعروفة. أبوه سابه في الملجأ وهو عنده 9 سنين بعد ما أمه ماتت، والسبب؟ الأب مكنش عايز طفل بكرسي متحرك يشوه صورة العيلة المثالية قدام المجتمع والبيزنس، فقرر يتخلص منه ويدفن سره في الملجأ، ويزور ورق رسمي ويطلع شهادة ميلاد جديدة لنوح يثبت فيها إنه مقطوع من شجرة!
الورق كان فيه كمان إقرار تنازل وتصفية لثروة الأب اللي مات من شهرين، والأب قبل ما يموت كتب كل أملاكه لنوح كنوع من تكفير الذنب، والراجل اللي خبط على الباب ده مكنش غير المحامي اللي بيدور على نوح بقاله أسابيع عشان يسلمه ورثه.
## المواجهة تحت ضوء الشمس
لفيت ورايا ولقيت نوح واقف بالكرسي بتاعه عند أول الطرقة، كان صاحي وباصص للورق اللي في إيدي، ووشه مفيش فيه أي تعبير غير حزن عميق مالي عينيه.
قلت وصوتي بيترعش: “نوح.. إيه ده؟ أنت كنت عارف؟”
نوح نزل راسه الأرض، وأخد نفس طويل وقال: “كنت عارف من أسبوعين بس.. المحامي وصلي في الشغل وقالي على كل حاجة.. قالي إن أبويا مات وسابلي ملايين.”
دموعي نزلت غصب عني: “وليه مقولتليش يا نوح؟ إحنا متجوزين بقالنا ساعات، وبقالنا عمر مع بعض مبنخبيش حاجة.. ليه سيبتني فاكرة إننا لوحدنا في الدنيا؟”
قرب بالكرسي ومسك إيدي وعينيه دمعت: “خفت يا خديجة.. خفت تفتكريني اتغيرت، أو الفلوس دي تغير اللي بيننا. أنا عشت طول عمري مرفوض من أهلي عشان عاجز، والملجأ ده هو اللي جمعني بيكي.. أنتي حبتيني وأنا معيش مليم وأنا على الكرسي ده.. خفت لما تعرفي إن ورايا عيلة بالبشاعة دي تخافي مني أو تفتكري إن حياتنا البسيطة اللي بنيناها حتة حتة مكنش ليها لزمة.”
## العيلة الحقيقية
نزلت على ركبي قدامه ومسكت إيديه الاتنين وقرصت عليهم جامد: “يا غبي.. أنا حبتك أنت، مش حبت ظروفك. إحنا بدأنا من الصفر، والفلوس دي مش هي اللي هتعملنا.. الفلوس دي حقك، تعويض عن الوجع والرفض اللي عشته وأنت طفل.”
نوح بص للورق وللشيك وقال: “أنا مش عايز من فلوسهم حاجة ليا.. أنا هتبرع بنصها للملجأ اللي كبرنا فيه عشان نساعد الأطفال اللي زينا، والنص التاني هنبدأ بيه مشروعنا الصغير ونشتري بيه بيت دافي مفيش فيه قسوة زي البيوت اللي اتطردنا منها.”
مسحت دموعه وابتسمت وسط دموعي: “وأنا معاك في أي حاجة تختارها.. إحنا عيلة بعض من زمان يا نوح، والنهاردة وبكرة ومش هنسيب بعض أبداً.”
الصبح طلع بجد علينا، والسر اللي كان المفروض يهد بيتنا، بقى هو الخطوة اللي ثبتت جذورنا في الأرض.. وعرفنا إن اليتم مش يتم الأهل، اليتم الحقيقي هو يتم القلوب.. وقلوبنا كانت مليانة ببعض.
المواجهة تحت ضوء الشمس
حكايات شروق خالد