ايام المدرسه

أيام المدرسة كانت كابوس حقيقي، أيام بفتكرها دلوقتي وبستغرب إزاي استحملت كل ده.
كنت البنت اللي الكل باصص لها، بس للأسف، للأسباب الغلط. سناني كانت ملمومة بحديد التقويم اللي كان بيخلي شكلي دبش، بشرتي كانت دايماً مبهدلة من الحبوب، وشعري؟ شعري ده كان قصة تانية، هايش ومتمرد ومفيش أي منتج في السوق كان بيقدر يسيطر عليه.
في الوقت اللي كنت بشوف فيه زميلاتي بيحلوّوا يوم ورا يوم، وبيكبروا بياخدوا على شكلهم الجديد وبثقة، أنا كنت دايماً حاسة إني غريبة، كأني غلطة في المكان ده، ومكاني مش هنا خالص.
التريقة بدأت من وأنا في إعدادي، لما بدأت الشلة المشهورة في الفصل تطلع لي ألقاب بايخة، وكل يوم يبتكروا إهانة جديدة. الموضوع ماوقفش عند كدة، دول كانوا بيضحكوا بصوت عالي وبطريقة مستفزة كل ما أرفع إيدي عشان أجاوب في الفصل، وكأني عاملة چريمة. وشوية منهم كانوا بيتعاملوا معايا كأني خيال مآتة أو مش موجودة تماماً، لا بيشوفوني ولا بيعبروني، إلا لو حبوا يسلوا وقتهم بشوية تريقة عليا عشان يضحكوا الباقي ويحسوا إنهم جامدين.
الشخص الوحيد اللي كان دايماً سندي، واللي رفض إني أصدق كلمة وحشة اتقالت لي، كانت ماما.
في كل مرة كنت برجع فيها البيت وعيني ورمة من العياط، كانت بتسيب كل اللي في إيديها، وتقعد جنبي، وتمسح دموعي وتقولي بصوت كله يقين
يا حبيبتي، مسير الأيام تدور، وهيجي اليوم اللي تشوفي فيه نفسك بالطريقة اللي أنا شايفاكي بيها، وهتعرفي قيمتك الحقيقية.
وتبتسم ابتسامة هادية وتضيف
وصدقيني، هيجي يوم والناس دي كلها هي اللي هتدور عليكي عشان بس تبص لك.
وقتها، وأنا في عز ۏجعي، كنت فاكراها مجرد كلام حلو عشان تصبرني، عشان تهون عليا المرار اللي بشربه كل يوم في المدرسة.
بعد التخرج، أخدت قرار إني أقطع علاقتي بكل اللي فات، سبت البلد وهاجرت لمكان تاني خالص، وما بصيتش ورايا أبداً.
والحياة بدأت تاخد مجراها وتغيرني.. التقويم اتشال، بشرتي بدأت تتحسن، اهتميت بنفسي وبجسمي وبدأت أروح الجيم، وبدأت أكتشف إن ملامحي اللي كانوا بيتنمروا عليها كانت مستخبية ومحتاجة بس حد يهتم بيها.
ثقتي في نفسي بقت جزء من شخصيتي، بنيت لنفسي كارير محترم، وبقيت بشتغل في شركة كبيرة، وعملت صحاب بجد، ناس بيحبوني عشان شخصيتي مش عشان شكلي.
ولأول مرة في حياتي، بقيت بمشي في أي مكان وأنا حاسة بكياني، راسي مرفوعة وعيوني فيها لمعة ثقة.
عدت عشر سنين.. وكأنها كانت عمر تاني.
لحد ما لقيت في البريد دعوة لحفلة لم الشمل بتاعة المدرسة.
في الأول، خدت الدعوة وكنت هرميها في سلة المهملات من غير تفكير.
بس في حاجة جوايا وقفتني.. يمكن كان الفضول أعرف وصلوا لإيه؟ أو يمكن كنت محتاجة أقفل الصفحة دي تماماً وأواجه مخاۏفي القديمة؟
المهم، اشتريت تذكرة وخدت الرحلة.
ليلة الحفلة، وقفت قدام إزاز القاعة،

موقع أيام نيوز

وبصيت على انعكاسي.. واحدة تانية خالص واقفة قدامي.
محدش في القاعة دي شافني بقاله عشر سنين، ومحدش فيهم في خياله ممكن يربط بين البنت المهزوزة اللي كانت في تانية ثانوي، وبين الست اللي واقفة دلوقتي بفستان شيك وشعر مرتب وثقة طاغية.
أول ما دخلت القاعة، الدنيا كانت زحمة، ناس بتسلم على بعض وبتضحك. الناس بصت لي بابتسامة مهذبة، زي ما بيبصوا لأي حد غريب، شوية منهم عرفوني بنفسهم، وتانيين سألوني بفضول إنتي تبع دفعة كام؟
ولا واحد فيهم عرفني. ولا حتى مها ورنا وسارة.. اللي كانوا بيحولوا حياتي لچحيم زمان، عدوا من جنبي ولا كأني موجودة، لدرجة إني حسيت إني فعلاً بقيت شخصية تانية.
لأول مرة في حياتي، حسيت إن معايا كارت رابح، قوة غريبة إني موجودة بينهم وهما مش عارفين.
فقررت إني ألعب الدور للآخر.. ما عرفش حد أنا مين، وأشوف هيحصل إيه.
وفجأة، وأنا واقفة باخد مشروب، سمعت مها أكتر واحدة كانت بتتنمر عليا وهي بتكلم اللي حواليها وبتنطق اسمي بكل استهزاء، وكأنها لسه بتفتكرني عشان تضحك الناس.
واللي قالته بالظبط خلاني أتجمد في مكاني، وقلبي دق لدرجة إني حسيت الناس كلها سامعة صوته..
سمعت صوت مها وهي بتضحك بتهكم، وبتقول لصاحباتها تفتكروا فين البت فلانة؟ أكيد لسه قاعدة في أوضتها بټعيط على حظها، أو يمكن بقت مسؤولة نظافة في مكان ما، النوعيات اللي زي دي بتفضل طول عمرها في القاع.
ضحكت رنا بصوت عالي وقالت يا شيخة حرام عليكي، فكرينا بحاجة تانية، دي كانت كابوسنا في التريقة، بجد كانت مادة دسمة للضحك، يا ترى لسه سنانها مقلوبة؟.
في اللحظة دي، حسيت ببركان بيغلي جوايا، مش ڠضب، لأ، ده كان نوع من أنواع التصالح مع الذات. الدموع اللي كانت بتنزل زمان من الۏجع، اتحولت لڼار هادية بتنور طريقي. بصيت لنفسي في المراية اللي كانت معلقة في ركن القاعة، لقيت ست قوية، ناجحة، ومستقلة، مش البنت الخاېفة اللي كانوا بيتحكموا في قيمتها.
أخدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، زي ابتسامة ماما اللي كانت بتواسي قلبي. مشيت ناحيتهم بخطوات واثقة، فستاني الحرير بيتحرك بنعومة، وصوت كعبي على الأرض كان بيعلن عن وصولي بشكل مش محتاج استئذان.
وقفت قدامهم، مها بطلت ضحك وبصتلي بفضول وقالت أهلاً يا قمر، نورتينا.. إنتي جاية مع مين؟ ولا يمكن تكوني صديقة لواحد من زمايلنا؟.
بصيت في عين مها مباشرة، عيني اللي كانت زمان بتهرب من عيونهم، دلوقتي بقت بتخترقهم. قولت بصوت هادي، واثق، ومخارج حروف واضحة لأ يا مها، أنا مش جاية مع حد. أنا جاية لنفسي. وأهلاً بيكي.. أنا اسمك الحقيقي.
ساد صمت تام في القاعة، كأن الزمن اتجمد. مها ورنا وسارة اتجمدوا في أماكنهم، عيونهم اتوسعت من الصدمة، الابتسامة الصفراء اللي كانت على وشوشهم اختفت تماماً

وحلت محلها تعبيرات مزيج من الخجل والانبهار والارتباك. مها فتحت بقها بس مفيش كلام طلع، ريقها نشف، وبدأت تتلفت حواليها كأنها بتدور على مهرب.
كملت كلامي بهدوء قاټل سمعتكم بتهزروا عني، وعن سناني، وعن حالتي زمان. حبيت بس أجي أقولكم إن السنان اتعدلت، والحياة اتحسنت، والحمد لله، بقيت في مكانة مهنية واجتماعية كنت بحلم بيها. بس الأهم من ده كله، إني اتعلمت إن قيمتي مش بتحددها تعليقاتكم ولا ضحكاتكم، قيمتي نابعة من جوه، من صبري، ومن طريقي اللي شقيته لوحدي.
رنا حاولت تبرر بتلعثم يا.. يا اسمك.. إحنا كنا بنهزر، إنتي عارفة سن المراهقة والتهور…
قاطعتها بابتسامة مريرة المراهقة بتعدي، بس الأثر اللي بتسيبوه في الناس بيفضل. أنا مش جاية عشان أنتقم، لأني أرفع بكتير من إني أنزل للمستوى ده، أنا جاية عشان أقول لنفسي قبل ما أقولكم، إني قدرت، وإني كبرت، وإن البنت اللي كانت بټعيط بقت الست اللي بتتحكم في مصيرها.
لفيت ضهري عنهم، وفي اللحظة دي، حسيت بحمل تقيل كان على كتافي لمدة 10 سنين واتشال. مشيت ناحية مخرج القاعة، مش عشان أهرب، بس عشان أعلن لنفسي إني خلاص قفلت الكتاب ده.
في طريقي للباب، لقيت زمايل تانيين، ناس كانوا محايدين، بدأوا ييجوا يسلموا عليا، يسألوني عن حياتي، عن شغلي، وعن سر التغيير اللي أنا فيه. حسيت وقتها بكلام ماما هيجي يوم والناس هي اللي هتدور عليكي.
رجعت الفندق بتاعي، قعدت على الشباك وبصيت للسما. طلعت الموبايل واتصلت بماما. صوتها كان لسه شايل الحنية اللي بتطمن ألو يا حبيبتي؟ طمنيني، عملتي إيه؟.
رديت عليها والدموع المرة دي كانت دموع فرح يا ماما، كان عندك حق. الأيام دارت، والناس اللي كانت بتستصغرني، دلوقتي هما اللي كانوا باصين لي بإعجاب وذهول. بس عارفة يا ماما؟ أكتر حاجة فرحتني مش نظراتهم، أكتر حاجة فرحتني إني لما وقفت قدامهم، ما كنتش بدور على رضاهم، كنت بدور على السلام اللي جوايا.. وأخيراً لقيته.
قفلت المكالمة، وفتحت شنطتي وطلعت صورة قديمة ليا وأنا في تانية ثانوي، بشرتي مبهدلة وتقويم سناني واضح. بصيت للصورة وابتسمت، مش بسامحهم، لأ، بسامح نفسي على كل لحظة خذلت فيها نفسي زمان.
الحياة مش دايماً بتمشي زي ما إحنا عايزين، لكن أحياناً بتمشي بطريقة تخلينا نحترم كل دمعة نزلت من عينينا. النهارده، أنا مش بس ناجحة، أنا حرة. حرة من قيود الماضي، وحرة من أحكام الناس، والأهم.. إني بقيت الشخص اللي كنت بتمناه.
خرجت من الحفلة، وطلعت برة القاعة، في شارع هادي بيطل على المدينة اللي عشت فيها أحلامي وكوابيسي. خدت نفس عميق، ورسمت بداية جديدة، بداية لست عارفة قيمتها كويس، وعارفة إن مهما كانت العواصف، فهي قوية بما يكفي عشان تعدي، وتوصل، وتلمع في الوقت اللي الناس تانية
اختارت فيه إنها تظل في الضلمة.
قصتي خلصت، بس بدأت معاها حياة جديدة تماماً.. وأنا مستعدة لكل اللي جاي.
تمت الحمدلله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *