نهاية التضحية وبداية الحكاية** حكايات شروق خالد
الجوازة دي كانت حديث القصر كله في التجمع الخامس، قصر عاصم الشناوي عمره ما كان بيخلو من الكلام والوشوشة. حتى بعد نص الليل، الممرات الواسعة بيبان فيها خيال الشغالة وهي بتتحرك، وريحة المنظفات مغرقة المكان، وكأن الحيطان نفسها بتعشق القيل والقال. ياسمين كانت بتتحرك في البيت ده بخطوات مش مسموعة، بعبايتها الرمادي البسيطة، لامة شعرها لورا، وعينيها دايماً في الأرض أول ما الشغالين يبدأوا كلام ورغي. كانت بنت عندها 25 سنة، شقيانة، وبتوزن كل كلمة قبل ما تقولها، والحرص ده كان بيخلي الناس حواليها يبقوا أقسى عليها.
عاصم لاحظ الموضوع ده قبل حتى ما يفهمه.
هو عنده 30 سنة، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات إنترناشيونال، من نوعية الرجالة اللي جدول يومهم متقفل باجتماعات مجلس الإدارة، وعزومات رجال الأعمال، وسفريات طيران ورا بعض. في البيت، كان راجل ذوق بس بعيد، حنين مع الناس اللي شغالين عنده، بس حازم جداً في الخطوط الحمراء اللي مفيش مخلوق ينفع يعديها. ياسمين كانت الشغالة المسؤولة عن مكتبه وأوضته، والمفروض الحكاية تقف لحد هنا.
بس الشغالين في المطبخ كانوا مألفين ليها قصة تانية خالص.
قالوا إنها جاية من قرية صغيرة في الأرياف، وقالوا إن ماضيها كان طايش هناك، وإنها خلفت تلات عيال من تلات رجالة مختلفين! والسبب اللي خلاهم يقولوا كده، إن ياسمين كل أول شهر أول ما تقبض مرتبها، بتبعت الفلوس كلها لبلدها، ملوش أي معنى تاني بالنسبة لهم. مش بتبعت جزء صغير، ولا فلوس هدايا، دي بتبعت المرتب كله تقريباً.
ولما الطباخة سألتها مرة وهي واقفة في المطبخ الفلوس دي بتروح فين، ياسمين نشفت إيدها في الفوطة وقالت بكلمتين: “بتروح لأحمد، ومصطفى، ونور.”
الكلمتين دول كانوا كفاية أوي عشان الإشاعة تكلبش فيها.
على يوم الإثنين كان السواق عرف بالقصة، وعلى الأربعاء كانت الطباخة حكت لكل الناس، وعلى آخر الأسبوع كانت والدة عاصم، ميرفت هانم، وصلها الكلام وهي بتسمعه بنبرة فيها شفقة مصطنعة وشمتانة في نفس الوقت.
ياسمين عمرها ما دافعت عن نفسها، كانت بتطبق الملايات، وتمسح بقع القهوة من على مكتب عاصم، وتلم الأكل النضيف اللي باقي وتغلفه للشغالين بدل ما تاخد لنفسها الحاجة الحلوة. لو شافتها شغالة صغيرة بتعيط في المطبخ عشان غلطت، ياسمين كانت تصلح الغلط الأول وبعدين تطيب خاطرها. مكنتش بتعمل الخير بمنظرة، كانت بتعمله بسكات.
لحد ما عاصم تعب فجأة.
الموضوع بدأ بسخونية طنشها، وبعدها وقع من طوله في الطرقة بره مكتبه، وقضى أسبوعين كاملين في مستشفى دار الفؤاد تحت إضاءة بيضاء تخلع القلب. في المستشفى، السكرتيرة بتاعته كانت كل شوية تتصل بالدكاترة، وأمه كانت بتتخانق مع الممرضات على المواعيد، وعاصم مش فاكر من أول ليلة في العناية غير شكل الساعة وهي 11:42 بالليل، وياسمين هي البني آدمة الوحيدة اللي كانت قاعدة جمبه لما الدنيا بطلت تلف بيه.
كانت بتمسح وشه بمية ساقعة لما إيده كانت بترتعش، وتساعده يشرب بق المية، حفظت مواعيد العلاج من الممرضة، وبتعرف إمتى تطلب الدكتور، وإزاي تظبط له الغطاء عشان رجليه متبردش. كانت بتنام على الكرسي والجاكيت بتاعها على ركبها، وتصحى مخضوضة مع كل صوت لجهاز تتبع نبضات القلب كأن الجهاز بينده عليها بالاسم.
عاصم كان بيبص لها في الإضاءة الخافتة دي، وحس إن في حاجة جواه ا تكسرت واتبدلت.
هو قابل ستات كتير بيعرفوا يدخلوا المكان ببرستيجهم، بس ياسمين كانت الست اللي بتعرف تقف جمبك لما المكان بيبقى يوجع ويكئب.
لما رجع القصر، البيت رجعت فيه الروح تاني، بس عاصم مكنش قادر يبص لها على إنها شغالة خلاص. بقى يلاحظ الحتة المحفورة بين حواجبها وهي بتعد الفلوس على مكتب الممر الخدمي، وياخد باله إزاي بتداري وصل تحويل الفلوس بسرعة لو حد عدا من جمبها، وإزاي كتافها بتشد وتتخض لو حد جاب سيرة أحمد ومصطفى ونور.
في ليلة مطر، وقفها بره غرفة الغسيل.
قالها بصوت حنين وأهدى من طبيعته: “ياسمين… ممكن تتعشي معايا النهاردة؟”
وشها جاب ألوان وقالت برعب: “يا فندم، ماينفعش تطلب مني حاجة زي كده.”
“ليه ماينفعش؟”
بصت لسبت الغسيل اللي في إيدها وقالت: “عشان إنت في سابع سما، وأنا في سابع أرض يا فندم… وغير كده، أنا رقبتي سدادة في مسؤوليات تانية كتير.”
كان المفروض يسيبها ويمشي، بس مسبهاش.
بدأ يتقرب منها بالهدوء والأصول، مش بالضغط؛ كوباية قهوة يسيبها لها عند مدخل الشغالين، تمشية خفيفة في الجنينة بعد ما البيت كله ينام، وأسئلة حقيقية من قلبه، مش من نوعية الأسئلة السامة اللي الناس بتسألها لما يبقوا متوقعين الأسوأ. لما كانت بتبعد، كان بيستناها. ولما قالت له إن مجتمعه وعيلته عمرهم ما هيقبلوها، قالها إنه مش واخد إذن من مجتمع ولا من حد.
أمه ميرفت هانم اتجننت.
زعقت في صالة السفرة والعقد اللولي بيرتعش على رقبتها: “عاصم! إنت جرى لعقلك حاجة؟! دي شغالة، ومخلفة تلات عيال من رجالة مختلفين! إنت هتقلب قصر الشناوي لدار أيتام؟!”
الأوضة اتجمدت بالمنظر البوخ اللي بيحصل في بيوت الأغنياء؛ الكاسات بتلمع، الفضة مرصوصة، والكل عامل نفسه مش واخد باله وهو بيموت ويتفرج. ياسمين كانت واقفة عند الباب وفي إيدها فوطة سفرة مطبقة، واحد من أصحاب عاصم بص في الأرض، والتاني ابتسم ودارى ضحكته في كاسه.
عاصم حس بنار قايدة في صدره، بس متهورش ولا دلق السفرة، ومحبش يهين أمه زي ما هانت ياسمين. أخد نفس طويل، وقال ببرود قاتل: “الاسم ده ميتجابش بالطريقة دي هنا تاني.”
أصحابه كانوا أوسخ منه لأنهم قعدوا يتريقوا بعدين.
واحد منهم قاله وهو بيضحك: “يا سيدي، بقيت أب لتلات عيال في ثانية! ربنا يعينك على المصاريف والمدارس.”
عاصم مضحكش معاهم.
اتجوز ياسمين في مشهر صغير وأصول، مش الفرح الأسطوري اللي أمه كانت عايزاه في الفور سيزون. كان فيه ورد أبيض، وتورتة بسيطة، وياسمين كانت بتعيط عند المأذون لحد ما عاصم مسك إيدها وضغط عليها.
همست وهي مش قادرة ترفع عينيها في عينه: “يا فندم… عاصم، إنت متأكد؟ إنت ممكن تندم بعدين.”
قالها: “عمرى ما هاندم، أنا شاريكي وشاري عيالك.”
صوابعها كلبشت في إيده.
بالليل، في أوضة النوم الرئيسية في القصر، المكان كان حاسينه واسع أوي على اتنين قضوا شهور بيتكلموا في الداري وعلى السلم. ريحة الأوضة كانت ورد من الوداع ومطر خفيف داخل من الشباك المفتوح، وأباجورة منورة بضوء دافي. تحت في الدور الأرضي، صوت باب اتقفل، ياسمين اتخضت من الصوت.
عاصم خد باله.
قرب منها وقال: “إنتي مش لازم تخافي مني.”
قالت بصوت بيترعش: “أنا مش خايفة منك.”
أخد خطوة تانية ناحيتها، كان مهيأ قلبه لكل حاجة الشغالين عملوها تريقة ونكت؛ علامات الشقا، خطوط الحمل والولادة، الدليل إن الدنيا جت على بنت صغيرة وحاسبتها على إنها عاشت وعافرت. قال لنفسه إن أي حاجة هيشوفها مش هتغير وعده ليها.
قالها بحنان وهو بيلمس كتفها: “ياسمين… بلاش كسوف، أنا بقيت جوزك خلاص.”
إيدها اترفت وحلت حزام الروب بتاعها.
لثانية واحدة، غمضت عينيها كأنها واقفة على حافة جبل وهترمى نفسها، وبعدين فكت الحزام ببطء، الروب اتمزع، وكتف قميص النوم نزل من على كتفها… إيد عاصم اتعلق في الهواء.
وملامح وشه اتغيرت تماماً.
الأوضة كأن الصوت انقطع منها فجأة؛ مفيش صوت مطر، ولا صوت القصر القديم، حتى نفس ياسمين مكنش مسموع.
بصت له وهمست وعينيها مليانة دموع: “أنا قولتلك إن فيه حاجات كتير إنت لسه متعرفهاش.”
ولما عاصم فهم أخيراً هو شايف إيه… جسمه اتصلب ومبقاش عارف ينطق كلمة واحدة…
حكايات شروق خالد
تجمد عاصم في مكانه، والنفس هرب من صدره وهو بيبص على كتف ياسمين. مكنش فيه علامات شقا ولا آثار حمل… اللي شافه صدمه وخلاه مش قادر يستوعب.
على كتفها وفوق صدرها كان فيه آثار حروق وجروح قديمة وعميقة جداً، كأنها آثار عمليات جراحية صعبة أو حادثة تشويه، وجنب الحروق دي كان فيه وشم (تاتو) طبي صغير مكتوب فيه أرقام وتواريخ معقدة.
ياسمين غطت نفسها بسرعة بالروب وهي بتبكي بحرقة وقالت: “أنا مكنتش بضحك عليك يا عاصم… ومفيش عيال أصلاً! أحمد ومصطفى ونور مش ولادي… دول إخواتي الصغيرين!”
عاصم قعد على طرف السرير وهو مشتت تماماً وقال: “إخواتك؟ طب والإشاعات؟ والفلوس اللي بتبعتيها كل شهر؟ وفين أبوهم؟”
قعدت ياسمين على الأرض وهي بتعيط وحكت له الحقيقة كاملة: “من خمس سنين، لما كنت في بلدنا، حصل تسريب غاز في بيتنا والبيت ولع باللي فيه. أبويا وأمي ماتوا في الحادثة دي، وأنا رميت نفسي في النار عشان أنقذ إخواتي الصغيرين… أحمد ومصطفى ونور. طلعتهم عايشين بس جسمي اتمزق واتشوه زي ما إنت شايف، وإخواتي حصلم عاهات مستديمة ومحتاجين عمليات وعلاج طبيعي غالي جداً كل شهر.”
كملت وهي بتمسح دموعها: “الملجأ في طنطا وافق يستضيفهم، بس بشرط إني أدفع مصاريف علاجهم والأدوية بتاعتهم عشان يفضلوا هناك وميترموش في الشارع. أنا جيت اشتغلت هنا وكل قرش بطلعه من عرقي بيروح للمستشفى وللملجأ عشان إخواتي يعيشوا. مكنتش بقدر أدافع عن نفسي قدام الشغالين لأن لو قولت إن عندي تلات إخوات محتاجين مصاريف مرعبة، مكنش حد هيشغلني عنده وهيفتكروني بشحت أو هسرقهم!”
بصت لعاصم بنظرة مكسورة وقالت: “أنا قولتلك إني من سابع أرض وإنت من سابع سما… مكنتش عايزاك تشوف تشويه جسمي وتقرف مني، ومكنتش عايزاك تشيل هم إخواتي وعلاجهم.”
عاصم حس بقلبه بيتعصر، مش من الصدمة، من كتر الإعجاب والاحترام للست اللي واقفة قدامه. قام من على السرير، ونزل على ركبه وبقى في سواها على الأرض، وأخدها في حضنه وقفل دراعاته عليها بقوة وهي بتبكي على كتفه.
قالها وصوته مخنوق بالدموع: “تقرف من إيه يا ياسمين؟ ده أنضف وأجمل جسم أنا شوفت في حياتي… دي مش حروق، دي أوسمة شرف لأنك بطلة. إنتي أنقذتي عيلتك وشقيتي عشانهم.”
مسح دموعها وقالها بحسم: “من الصبح، إخواتك أحمد ومصطفى ونور هيتنقلوا لأكبر مستشفى في القاهرة على حسابي، وهيجوا يعيشوا معانا هنا في القصر، واللي هيفتح بقه بكلمة من الشغالين أو حتى من أهلي، هرميه بره حياتي كلها. إنتي مش شغالة… إنتي هانم قصر عاصم الشناوي.”
بعد سنة…
القصر كان مليان صوت ضحك ولعب أطفال في الجنينة. أحمد ومصطفى ونور كانوا بيجروا وصحتهم بقت أحسن بكثير بعد العمليات والعلاج. ميرفت هانم لما عرفت الحقيقة وبطولة ياسمين، اتكسفت من نفسها وبقت تعاملها بحب وفخر قدام كل مجتمع التجمع الخامس.
ياسمين كانت واقفة في البلكونة لابة فستان وردي رقيق، وعاصم قرب منها وحضنها من ضهرها وهو بيبتسم. الوجع والشقا انتهوا، والحكاية اللي بدأت بظلم وإشاعات، انتهت بأجمل حكاية حب ووفاء.
**نهاية التضحية وبداية الحكاية**
حكايات شروق خالد