قناع الملياردير ج 1حكايات شروق خالد
قبل دقائق معدودة من حفل الزفاف، ضبطتُ خطيب ابنتي الملياردير وهو يصفعها على وجهها. وبعد ثوانٍ قليلة، عاد ليلعب دور العريس المثالي مجدداً. توسلتُ إليها أن ترحل، لكنها غطت الكدمة بالمكياج والدموع في عينيها وقالت: “لا أستطيع.. لقد هدد عائلتنا”. حينها تحول صوتي إلى برود الجليد وقلت: “إذن، سنستخدم أساليبه نفسها ضده”.
كانت رائحة زنابق البيضاء تفوح في جناح العروس بدار مناسبات المسجد، لكن كل ما شعرتُ به كان رعباً يطبق على أنفاسي.
من بين ظلال الباب الموارب، وقفتُ أراقب ابنتي “مريم” وهي تجلس متجمدة أمام مرآة التزيين بفستانها الحريري الثمين. وخلفها مباشرة، كان يقف “طارق”؛ إمبراطور التكنولوجيا الملياردير، والعريس المثالي في عيون وسائل الإعلام.
كان قد طالبها للتو بتوقيع تعديل غريب على عقد ما قبل الزواج. وعندما ترددت، اختفى قناعه الساحر فجأة.
خطا خلفها، وغرس أصابعه بعنف في شعرها المموج، ثم شد رأسها إلى الخلف بقوة.
فحّ “طارق” بصوت يشبه فحيح الأفاعي، وأنفاسه تفوح برائحة الويسكي الفاخر: “هل تبحثين عن مخرج؟ ليس لديكِ مخرج يا مريم. أنتِ مجرد كلبة ضالة آويتها. وقّعي هذه الأوراق، واخرجي إلى هناك، وابتسمي لضيوفي.. وإلا سأجعلكِ تتمنين لو كنتِ قد متِّ في ذلك الأزقّة القذرة التي أتيتِ منها”.
ثم، صفعها. لم تكن ضربة عشوائية؛ بل كانت صفعة قوية ودقيقة بظهر يده. اشتبك خاتمه الذهبي الثقيل بشفتها السفلية، فشقّ جلدها. وقف يتأمل صنيعه للحظة، ثم عدّل رابطة عنقه الحريرية بكل برود، وخرج ليستقبل ضيوفه من أفراد المجتمع المخملي وكأن شيئاً لم يكن.
هرعتُ إلى “مريم”. ارتمت بين ذراعيّ وهي تبكي بنحيب هستيري.
“أمي، يجب أن أفعل هذا”، بكت بيأس مطلق. “لقد لفق تهمة لأبي. إذا لم أتزوجه، سيرسل ملفات مزورة إلى الأموال العامة والشرطة وسيزجون بأبي في السجن. إنه ملياردير يا أمي، هؤلاء الناس يملكون الجميع. نحن مجرد حشرات بالنسبة له.. أنا آسفة جداً…”.
تحطم قلبي إلى أشلاء. لقد استهدفها لأنه ظن أننا ضعفاء. ظن أنني مجرد خَبّازة هادئة ومسالمة ستنكمش خوفاً ورعباً.
لم أصرخ. جفت دموعي في ثانية واحدة. وتحول هلع الأمومة فوراً إلى كتلة صلبة من الإدراك المطلق والـمُخيف.
سحبتُ سحاب فستانها برفق، ووضعت طبقة كثيفة من خافي العيوب (الكونسيلر) فوق شفتها التي تنزف.
همستُ لها قائلة: “ستسيرين في ذلك الممر اليوم يا حبيبتي”. كان صوتي خالياً تماماً من أي دفء بشري. “ستبتسمين للكاميرات.. واتركي الباقي لي”.
تنحنحت باكية: “أمي، لا يمكنكِ محاربته! لديه جيش يحميه!”.
لم أجبها. فقط نظرتُ في عينيها بنظرة حادة، قاتلة، وباردة.. نظرة لم ترَها قط من قبل في أمها اللطيفة.
#حكايات_شروق_خالد
خرجت من جناح العروس وجسمي كله بيترعش من الغضب، بس عقلي كان صافي وبارد زي التلج. طارق كان واقف في وسط القاعة، بيضحك مع رجال أعمال ومسؤولين كبار، لابس قناع العريس اللقطة اللي مفيش منه اتنين.
مروحتش ناحيته. نزلت جري على المطبخ بتاع دار المناسبات، المكان اللي أنا بنتمي ليه، المكان اللي هو بيحتقره وشايفني بسببه مجرد “خبازة” ملهاش قيمة. طلعت تليفوني وكلمت “سليم”.
سليم ده يبقى ابن أخويا، شاب غلبان بس ذكي جداً، شغال مهندس شبكات واتصالات في شركة صغيرة. لما حكيت له اللي حصل والملفات اللي طارق مهدد بيها جوزي، سليم سكت ثواني وقال لي بصوت واطي: “يا عمتي، طارق ده حوت، بس الحيتان الكبيرة دي دايماً بتسيب وراها بلاوي ومبتثقش في حد.. تليفونه الشخصي هو مفتاح كل حاجة، والشبكة هنا في القاعة أنا اللي رابط السيرفرات بتاعتها عشان البث المباشر للفرح.”
قلت له: “قدامك قد إيه؟”
قال لي: “لو قدرتي تخلي تليفونه يلقط شبكة الـ Wi-Fi المفتوحة اللي أنا عاملها دلوقتي حالا لمدة خمس دقائق بس، هسحب لك كل الداتا والملفات والمحادثات اللي عليه.”
رجعت القاعة. الفرح كان بدأ، ومريم كانت نازلة على السلم، وشها زي السيراميك الأبيض، مبتسمة ابتسامة ميتة، والكونسيلر مداري الجرح اللي في شفتها. طارق مسك إيدها وباسها قدام الناس والكاميرات بتصور، وفي اللحظة دي، وأنا واقفة في الزاوية، شوفت تليفونه المحطوط على ترابيزة الكوشة الرئيسية.
قربت من الترابيزة بحجة إني بظبط فستان بنتي. طارق بصل بطرف عينه بقرف، بس أنا تجاهلته تماماً، وبحركة سريعة ومدروسة وأنا بميل على مريم، فتحت شاشة تليفونه اللي كان منور بإشعار جديد، ولقطت شبكة الـ Wi-Fi اللي سليم قالي عليها.
الخمس دقائق دول عدوا عليا كأنهم خمس سنين. كنت واقفة بعيد، عيني على طارق وعيني التانية على الموبايل. فجأة، تليفوني اتهز في جيبي. رسالة من سليم: “جبت كل حاجة يا عمتي.. ومش بس ملفات جوز عمتي المزورة.. أنا معايا المستندات الحقيقية لغسيل الأموال وتهريب الشحنات اللي طارق بيعملها بقاله سنين. ده هيروح ورا الشمس.”
في اللحظة دي، طارق كان واخد مريم من إيدها ورايحين يقعدوا عشان يكتبوا الكتاب. المأذون كان فتح الدفتر، والشهود قعدوا، وطارق كان بيمضي وهو واثق ومتكبر، ومريم إيدها كانت بتموت وهي ماسكة القلم.
مشيت بثبات لحد ما وقفت فوق رأس المأذون.
طارق بصلّي بغضب مكتوم وقال بصوت واطي وسخيف: “ارجعي مكانك يا حماتي.. مش وقت عياط الأمهات ده.”
بصيت له وطلعت تليفوني، وفتحت الشاشة على صورة من الملفات السرية وشحنات الميناء المحظورة، وحطيت الشاشة قريبة جداً من عينه بحيث محدش يشوفها غيره.
وشه اتقلب في ثانية. الألوان هربت من لغاليغه، وعينه اتسعت برعب حقيقي لأول مرة.
همست في ودنه بنفس النبرة اللي فحّ بيها في ودن بنتي من شوية: “المأذون ده مش هيكتب حاجة يا طارق. لو مضيت بنتي على ورقة واحدة، أو لو الملفات بتاعة جوزي اتفتحت.. الملفات دي هتوصل للنائب العام وهيئة الرقابة الإدارية قبل ما تخرج من القاعة دي. جيشك والمليارات بتوعك مش هيحموcontainer تهريب في المينا.”
بلع ريقه بصعوبة، وبدأ يعرق تحت الإضاءة. بص لمريم، وبعدين بصلي، واستوعب إن الخبازة اللي كان مستهون بيها، عانت وحمت عيلتها وعجنت بمكر أشد من مكره.
وقف فجأة، وبحركة مسرحية عشان يداري فضيحته قدام الناس، مسك تليفونه وقال بصوت عالي: “أنا أسف يا جماعة.. جالي تليفون طارئ بخصوص صفقة دولية.. لازم أمشي حالا.”
ساب القاعة وجري، والحراس بتوعه جيروا وراه وسط ذهول وصدمة كل المعازيم والصحفيين.
مريم رمت القلم من إيدها، وبصتلي والدموع الحقيقية نزلت من عينيها، بس المرة دي كانت دموع حرية. أخدتها في حضني وسط وشوشة الناس واستغرابهم، وكنت عارفة إننا مش بس نجونا.. إحنا كسرنا الحوت في وسطه.
قناع الملياردير
حكايات شروق خالد