حارس الغيط حكايات شروق خالد الجزء الاول

ه

احنا تبنينا “دوك” عشان كنا عايزين كلب يحمينا، بس عمرنا ما اتوقعنا إنه هيتحول لسجان لينا. كان كلب هجين (جيرمن شيبرد)، وزنه ييجي خمسة وأربعين كيلو، عينيه البني مليانة طيبة، وما كناش نعرف أي حاجة عن ماضيه.

لما جبناه بيتنا الجديد على أطراف محافظة المنيا، اتأقلم بسرعة. وبنتنا “ليلى”، اللي عندها أربع سنين، اعتبرته من أول لحظة أعز أصحابها.

ما كانوش بيفترقوا أبدًا. مطرح ما كوتشي “ليلى” الصغير اللي بينور يروح، كانت كفوف “دوك” الثقيلة بتمشي وراها خطوة بخطوة.

بس كل ده اتغير من تلات أيام.

الموضوع بدأ بعد ضهر يوم التلات. حر الصيف كان يخنق، رطوبة وكتمة لدرجة إن الهوا كان بيترعش فوق طريق البيت.

كنت قاعدة في البلكونة، بشرب شاي، ومستمتعة بـ”ليلى” وهي بتجري ورا فراشة صفرا ناحية آخر الحتة بتاعتنا. أرضنا كانت بتخلص مطرح ما بتبدأ الحشائش البرية الطويلة بتاعة الغيط.

“ليلى” شاورت بصابعها وقالت وهي بتضحك: “امسكها يا دوك!”

بس “دوك” ما جريش. بدل ده، طلع زمجرة واطية ومكتومة من أعماق صدره، كانت بترج المكان.

جرى بسرعة البرق من جنبها، بس مش ورا الفراشة، ده قطع عليها الطريق تمامًا. وقف بجسمه الضخم ده على الخط الفاصل بتاع الأرض، بالظبط عند عواميد الخشب القديمة اللي بتحدد الحدود.

“ليلى” خبطت في جنبه ووقعت بضهرها على التراب.

 

حكايات شروق خالد

 

زعقت وهي متضايقة وبتحاول تعدي من جنبه: “إوعى يا دوك! وسع!”

قلت في بالي وأنا برزع الكوباية على الترابيزة: “جرى له إيه الكلب ده؟”

“دوك” ما تحركش من مكانه. زق بوشه صدر “ليلى” براحة بس بحزم، ورجعها لورا ناحية البيت. ودانة كانت لزق في دماغه من كتر الشد.

نزلت جري من على سلم البلكونة وأنا بنادي: “بس يا دوك! سيبها في حالها!”

ولا عبرني. عينيه كانت متبتة قدامه، بتبص لبعيد في بحر الحشائش الخضرا الكثيفة اللي واصلة للوسط، وممتدة لأميال ورا أرضنا.

مسكته من الطوق بتاعه، وأنا مستنية إنه يسمع الكلام زي كل مرة. بس رقبته كانت ناشفة زي الحجر، وعضلاته مشدودة زي السوست الثقيلة.

“ليلى” عيطت وهي بتمسح الركب بتاعتها اللي اتملت تراب: “ماما، ده بيعمل رخامة.”

قلت لها بصوت واطي: “هو بيلعب معاكي بس يا حبيبتي.” مع إن قلبي فجأة بدأ يدق بسرعة.

بصيت في الغيط، بس ما شفتش حاجة غير الحشائش وهي بتهتز وموجات الحر. لا كان فيه تعالب، ولا كلاب ضالة، ولا حتى غزال.

ده كان اليوم الأول. عديت الموضوع وقلت حركة غريبة من حركات الكلاب، يمكن شم ريحة تعبان قريبة من الحدود.

بس اليوم التاني كان أوحش.

الصبح يوم الأربع، “ليلى” كانت رايحة تجيب كورة بينك كانت اتحدفت ورا العواميد الخشب بالظبط. “دوك” كان نايم في البلكونة، أو ده اللي أنا كنت فاكراه.

أول ما رجلها قربت من الخط الوهمي ده، هاج زي القنبلة.

المرة دي ما وقفش في طريقها بس. ده مسك هدومها الجينز من ضهرها بسنانه، وشدها لورا ييجي متر كامل.

“ليلى” صرخت من الرعب، وقعدت تعيط بانهيار وهي واقعة على النجيل.

جوزي “محمد” جه جري من الورشة، ورما المفتاح الإنجليزي الثقيل على الأرض.

زعق “محمد” وهو بيقف بين البنت اللي بتعيط والكلب: “إيه! ارجع ورا!”

“دوك” ساب الهدوم على طول، بس ما رجعش لورا. فضل واقف في مكانه على خط الحدود، وشفايفه مفرودة لورا لدرجة إن سنانه البيضا بانت.

ما كانش بيزمجر في وش “محمد”. كان بيزمجر في حاجة ورا “محمد”.

“محمد” شال “ليلى” وضمها لحضنه جامد وسأل: “ماله ده؟ هو عضها؟”

قلت له بصوت بيترعش: “لا، هو بس شدها لورا بعيد عن الحافة. عمل كده امبارح كمان. مش عايزها تعدي الخط ده.”

“محمد” كشر، وعينيه بدأت تدور في مساحة الحشائش الواسعة اللي ما بتخلصش. الهوا كان بيهب براحة من الشرق، ومخلي الغيط يتموج زي البحر الأخضر.

برطم “محمد”: “يمكن فيه حيوان ميت هناك. غرير أو حاجة زي كده.”

حبسنا “ليلى” جوه البيت باقي يوم الأربع. و”دوك” رفض يدخل تمامًا. فضل رايح جاي على طول خط الحدود من المغرب لحد الفجر، زي العسكري اللي مش طايق نفسه تحت نور القمر.

كل ما كنت أبص من شباك المطبخ، كنت أشوف خياله واقف بيحرس.

وبعدين جه اليوم التالت. الخميس.

“محمد” أخد إجازة من الشغل عشان يصلح الجرار. السما بعد الضهر قلبت بلون بنفسجي غامق وضلمة بتاعة العواصف، وفيه هدوء تقيل ومش طبيعي نزل على المزرعة.

“ليلى” كانت بتلعب على المرجوحة، بعيد خالص عن طرف الأرض. و”دوك” كان قاعد عند خط الحدود، ومبرق في الحشائش.

خرجت عشان أودي لـ”محمد” كوباية مياه. كان واقف قريب من طرف الطريق، وبيمسح الشحم من إيديه بحتة قماشة قديمة.

قال “محمد” بصوت واطي وهو بيبص لـ”دوك”: “لسه بيعمل نفس الحركة.”

بصيت في نفس الاتجاه اللي بيبص فيه. “دوك” كان متخشب تمامًا، وكل شعر ضهره واقف. وكان فيه صوت زمجرة مستمرة وواطية نازلة بريالة من بوقه.

قلت له وأنا حاضنة نفسي من الخوف رغم الحر: “محمد، أنا حاسة إننا لازم نكلم حد. أنا مش مطمنة وهو بيتصرف كده.”

“محمد” ما ردش. كان بطل يمسح إيديه. القماشة وقعت من بين صوابعه ونزلت على التراب من غير صوت.

وأنا شايفة الوش بتاعه بيصفر تمامًا والدم يهرب منه، قلت في بالي: “هو بيبص كده ليه؟”

همست: “محمد؟”

“محمد” طلع نفس بالعافية وقال بصوت مش مسموع: “الهوا.. بصي على الهوا.”

بصيت على شجرة الجميز القديمة اللي في حتتنا. الفروع بتاعتها كانت بتميل جامد ناحية اليمين، ومزقوقة بهوا شديد ومستمر جاي من الغرب.

قلت له: “شايفاه. فيه عاصفة جاية.”

“محمد” قال: “لا.” ورفع إيديه براحة وهو بيشاور على الحشائش الكثيفة اللي قدام “دوك” بالظبط.

دقت النظر في النور المضلم بتاع بعد الضهر، وعينيا بتحاول تشوف وسط بحر الأعواد الخضرا.

الهوا كان بيصفر، وبيقش جامد ناحية اليمين.

بس كان فيه طريق واسع وضخم وسط الحشائش الطويلة، بيتفتح بالعافية وبيتزق ناحية الشمال، وبيشق طريقه بسرعة ومستقيم ناحية بنتنا.

 

حكايات شروق خالد

 

فجأة، من غير أي مقدمات، الهوا الساقع بتاع العاصفة اختفى تمامًا، وحل مكانه سكون مرعب. صوت شجرة الجميز وقف، وصوت صفير الهوا اتكتم، بس الطريق اللي وسط الحشائش ما وقفش.. كان بيقرب، وبيوسع، والزرع بيتفرق يمين وشمال كأن فيه بلدوزر ضخم ماشي فيه، بس بلدوزر ملوش صوت، ومالوش ملامح.

“محمد!” صرخت وأنا برمي كوباية المياه من إيدي.

محمد ما استناناش ثانية واحدة. رمى نفسه ناحية المرجوحة اللي عليها ليلى، وشالها في حضنه وهو بيجري بأقصى سرعة ناحية البيت. ليلى اتخضت من خطفته ليها وقعدت تعيط وتصرخ: “بابا! فيه إيه؟ دوك فين؟”

في نفس اللحظة، “دوك” ما فضلش واقف في مكانه. ساب خط الحدود واندفع لقدام، رمى نفسه جوه الحشائش الطويلة دي، بالظبط في وش الحاجه اللي جاية.

صوت زمجرته اتحول لنباح مرعب وهستيري، مكنتش تسمعه غير لو كلب بيموت أو بيحارب عشان حياته. كنا بنسمع صوت تكسير الزرع العنيف، وجسم دوك وهو بيتطوح جوه الغيط، كأنه بيصارع حاجة أضخم منه بكتير.

“المفاتيح فين؟! ادخلي جوه واقفيلي الباب!” محمد زعق في وشي وهو بيزقني جوه الصالة، وهو نفسه كان بيلف يبص وراه على الغيط وعينيه مليانة رعب.

أنا كنت بترعش لدرجة إن مفاتيح الباب وقعت مني على السيراميك. وطيت جبتها بسرعة ولمحت من الشباك الأزاز المنظر اللي خلاني أتحنط في مكاني.

الزرع بره كان هدي.. والحركة وقفت تمامًا على بعد خطوات من الجنينة بتاعتنا.

وفجأة، “دوك” طار لورا من وسط الحشائش وكأنه اترمى بقوة خارقة، وجسمه الضخم اتزحف على التراب لحد ما خبط في سور الجنينة. الكلب حاول يقف على رجله وهو بيلهث وبيعرج، وكان فيه جروح غريبة على جنبه كأنها مخالب ضخمة، بس عينيه الفيروزية المبرقة كانت لسه باصة على الغيط.

ومن وسط الزرع الواقف، في الحتة اللي الحركة وقفت عندها.. الحشائش بدأت تتحرك تاني براحة، بس المرة دي مش بتتقسم. المرة دي كانت بتنزل لتحت، كأن فيه حاجة بتوطي.. حاجة قرفصت على ركبها وسط الغيط، وبتستعد عشان تنط علينا.

 

 

حكايات شروق خالد

 

فجأة، من غير أي مقدمات، الهوا الساقع بتاع العاصفة اختفى تمامًا، وحل مكانه سكون مرعب. صوت شجرة الجميز وقف، وصوت صفير الهوا اتكتم، بس الطريق اللي وسط الحشائش ما وقفش.. كان بيقرب، وبيوسع، والزرع بيتفرق يمين وشمال كأن فيه بلدوزر ضخم ماشي فيه، بس بلدوزر ملوش صوت، ومالوش ملامح.

“محمد!” صرخت وأنا برمي كوباية المياه من إيدي.

محمد ما استناناش ثانية واحدة. رمى نفسه ناحية المرجوحة اللي عليها ليلى، وشالها في حضنه وهو بيجري بأقصى سرعة ناحية البيت. ليلى اتخضت من خطفته ليها وقعدت تعيط وتصرخ: “بابا! فيه إيه؟ دوك فين؟”

في نفس اللحظة، “دوك” ما فضلش واقف في مكانه. ساب خط الحدود واندفع لقدام، رمى نفسه جوه الحشائش الطويلة دي، بالظبط في وش الحاجه اللي جاية.

صوت زمجرته اتحول لنباح مرعب وهستيري، مكنتش تسمعه غير لو كلب بيموت أو بيحارب عشان حياته. كنا بنسمع صوت تكسير الزرع العنيف، وجسم دوك وهو بيتطوح جوه الغيط، كأنه بيصارع حاجة أضخم منه بكتير.

“المفاتيح فين؟! ادخلي جوه واقفيلي الباب!” محمد زعق في وشي وهو بيزقني جوه الصالة، وهو نفسه كان بيلف يبص وراه على الغيط وعينيه مليانة رعب.

أنا كنت بترعش لدرجة إن مفاتيح الباب وقعت مني على السيراميك. وطيت جبتها بسرعة ولمحت من الشباك الأزاز المنظر اللي خلاني أتحنط في مكاني.

الزرع بره كان هدي.. والحركة وقفت تمامًا على بعد خطوات من الجنينة بتاعتنا.

وفجأة، “دوك” طار لورا من وسط الحشائش وكأنه اترمى بقوة خارقة، وجسمه الضخم اتزحف على التراب لحد ما خبط في سور الجنينة. الكلب حاول يقف على رجله وهو بيلهث وبيعرج، وكان فيه جروح غريبة على جنبه كأنها مخالب ضخمة، بس عينيه الفيروزية المبرقة كانت لسه باصة على الغيط.

ومن وسط الزرع الواقف، في الحتة اللي الحركة وقفت عندها.. الحشائش بدأت تتحرك تاني براحة، بس المرة دي مش بتتقسم. المرة دي كانت بتنزل لتحت، كأن فيه حاجة بتوطي.. حاجة قرفصت على ركبها وسط الغيط، وبتستعد عشان تنط علينا.

 

حارس الغيط حكايات شروق خالد الجزء الاول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *