# حارس الغيط ج3 والاخير حكايات شروق خالد

مع نبحة “دوك” الأخيرة، الباب الخشب اتفتح على الآخر ورزع في الحيطة.

الضمير الأسود اللي كان فوق السقف نزل زي الشلال جوه الصالة، الهوا الساقع عصف بالمكان، وبقت ريحة التراب المبلول بطين الغيط قوية لدرجة تخنق. في وسط العتمة دي، مكنتش شايفة محمد، بس سمعت صوت الشقور وهو بيقع على السيراميك ويرن رنة حادة.. وبعدها صوت جسم بيتسحب على الأرض.

“محمد! رد عليا يا محمد!” صرخت وأنا بدمع من الرعب، وبإيد واحدة كنت بتحسس الحيطة وبأملس عليها عشان أوصل لأي أوضة، والإيد التانية متبتة فيها ليلى اللي ضحكتها وقفت فجأة وجسمها خشب في حضني.

ليلى اتكلمت تاني، بس المرة دي بصوت غريب.. كأن فيه كذا صوت بيتكلموا مع بعض في نفس الوقت: “هو جوه يا ماما.. هو واقف جنبك.”

نفسي اتكتم. حسيت بهوا ساقع تلج بيهب على قفايا، وريحة العفن بقت لازقة في مناخيري. خفت ألتفت، خفت أبص ورايا وأشوف الملامح اللي مش موجودة.

وفي اللحظة اللي حسيت إن خلاص كل حاجة بتنتهي، اتسمع بره صوت كسر عنيف.. صوت حاجة ضخمة بتهد سور الجنينة، متبوعة بزئير مش هجوم كلب، ده كان زئير وحش مجروح ومستبسل.

“دوك” مكانش بيودعنا.. “دوك” كان بيجمع آخر نفس في روحه.

الكلب رمى جسمه المصاب من الشباك الأزاز بتاع الصالة، دخل وسط العتمة زي القذيفة، الأزاز اتدشدش في كل حتة، وفي ثانية الضل الأسود اللي كان جنبي اتموج واتسحب لورا وهو بيطلع صوت فحيح عالي كأن نار بتطفي في مياه.

“دوك” مكانش باصص لجروحه، وقف بيني وبين الكتل السودا اللي مالية الصالة، ورغم إن رجليه مكانتش شايلاه، فضل يهاجم الفراغ ويسدد عضات في الضلمة ويجبر الضل إنه ينسحب خطوة بخطوة لبره البيت.

استغليت الفرصة ودفعت نفسي جوه أوضة النوم، رزعت الباب الخشب وتقلت بضهري عليه وقفلته بالمفتاح. قعدت في الأرض وأنا حاطة ليلى في حضني وبكتم بوقها بإيدي عشان ما تطلعش أي صوت.

بره في الصالة، المعركة كانت مرعبة.. صوت تكسير العفش، خبط في الحيطان، وزئير “دوك” اللي كان بيقل تدريجياً وبيبقى أضعف.. لحد ما الصوت قطع خالص.

السكون رجع تاني.. هدوء قاتل مفيش فيه غير صوت المطر اللي بدأ ينزل بره بغزارة ويخبط في الشباك.

فضلت قاعدة مكاني، مش عارفة محمد فين، ولا “دوك” جرى له إيه، ولا إيه اللي مستنينا ورا الباب. بصيت على ليلى في حضني وسط ضوء البرق اللي كان بينور الأوضة لثواني.. البنت كانت مغمضة عينيها ونايمة في ثبات عميق، وملامحها رجعت طفولية وبريئة زي الأول.

لكن الرعب الحقيقي بدأ لما البرق ضرب تاني ونور الأوضة.. لمحت تحت الباب الخشب، من الفتحة الصغيرة اللي تحت..

مياه المطر كانت بتدخل ببطء من الصالة للأوضة، بس مكانتش مياه صافية.. كانت مياه مخلوطة بطين أسود ودم، ومعاها ساقية علف أخضر طويلة.. بتزحف ببطء لداخل الأوضة وتلف حوالين رجلي.

 

 

حكايات شروق خالد

 

كتمت صرختي بإيدي وأنا شايفة طين الغيط الأسود وهو بيزحف تحت الباب ويلمس رجلي، الهوا جوه الأوضة بقى ساقع زي تلاجة الموتى، ورائحة العفن بدأت تزيد وتكتم نفسي. البرق ضرب مرة تانية بره، وفي اللحظة دي بالظبط، سمعت صوت خبطة خفيفة على الباب الخشب بتاع الأوضة.. من تحت.

خبطة.. اتنين.. تلاتة.

وبعدين صوت أنفاس متقطعة ومخنوقة. مكانش فحيح الضل الأسود، ده كان صوت لاهث وعارفاه كويس.. صوت “دوك”.

“دوك؟” همست والصوت طلع بالعافية من زوري.

الخبطة تكررت تاني كأن الكلب بيرد عليا. زحفت براحة وأنا ساندة ليلى على السرير، وقربت من الباب، حطيت ودني على الخشب وأنا بترعش. سمعت صوت ديل الكلب وهو بيخبط بضعف في الأرض بره، وصوت أنفاسه اللي بتطلع بطلوع الروح.

“محمد؟” ناديت بصوت واطي جداً، بس مفيش رد من الصالة.. مفيش غير صوت المطر العنيف بره وصوت أنفاس الكلب.

الخوف كان بيشلني، بس نظرة ليلى وهي نايمة في ثبات مش طبيعي خلتني أخد قرار انتحاري. مسكت مقبض الباب، ولفيت المفتاح ببطء عشان ما يعملش صوت. فتحت الباب يادوب مواربة، شبر واحد..

الضوء بتاع البرق نور الصالة لثانية واحدة، وشوفت “دوك”.

كان ساند جسمه المتبهدل على الباب، عينه واحدة كانت مقفولة وبتنزف، والتانية بتبصلي بنظرة وداع أخيرة. الكلب مكانش بيتحرك، كان يادوب بيطلع روحه بره الأوضة عشان يطمن إننا جوه. وقبل ما أمد إيدي ألمسه، جسمه ارتخى تماماً، ووقع على جنبه من غير حركة.. “دوك” مات وهو حارسنا لآخر لحظة.

لكن الصدمة الحقيقية مكانتش هنا.

لما البرق ضرب تاني ورا الكلب، النور كشف الصالة كلها.. الصالة كانت فاضية تماماً من الضل الأسود. العفش متكسر، والأزاز مالي الأرض، وفي النص.. كان فيه آثار سحب واسعة من الطين والدم واصلة لحد الباب البراني المفتوح على الغيط.

محمد مكانش موجود. الضل الأسود سحبه بره.

دموعي نزلت من غير صوت وأنا شايفة بره البيت.. الغيط الأسود كان لسه بيتموج تحت المطر، وكأن فيه مئات الكائنات واقفه مستنية جوه الزرع.

وفجأة، وسط صوت المطر والبرق، اتسمع صوت رنة تليفون محمد من بعيد.. الصوت كان جاي من وسط الحشائش الطويلة.. على بعد خطوات من الجنينة. التليفون كان بيرن، والنور الأزرق بتاعه كان بيطفى وينور وسط الظلمة والكحل بتاعة الغيط، وكأن حد ماسكه وبيهزه عشان ألمحه.

وفي نفس اللحظة، ليلى قعدت على السرير وفتحت عينيها، وقالت وهي بتبتسم في الضلمة: “بابا بيتصل بيكِ يا ماما.. بيقولك اطلعي خدي التليفون.”

 

حكايات شروق خالد

 

رعشة قوية هزت طولي، والتليفون بره في الغيط لسه بيرن.. النور الأزرق بتاعه كان بيتحرك ببطء وسط الحشائش، كأن فيه إيد بتلوح بيه وسط الضلمة.

بصيت لليلى.. البنت كانت قاعدة على السرير، ملامحها هادية بشكل يرعب، وعينيها واسعة ومبرقة فيا وهي لسه مبتسمة نفس الابتسامة الباردة.

“ليلى.. نامي يا حبيبتي، نامي” قلتها وأنا برجع لورا ودموعي بتغرق وشي. زحفت على الأرض لحد ما وصلت لج..ثة “دوك”، سحبت جسمه الثقيل بقوة مكانتش عندي، وقفلّت الباب الخشب وتّبّت الترباس تاني.

قعدت وضهرى ساند على الباب، ولميت رجلي لحد صدري وأنا بنهج. بره، صوت الرن وقف فجأة.. وحل مكانه صوت مشي.

صوت خطوات ثقيلة ومبلولة بطين، جاية من بره الصالة.. الخطوات كانت بتتحرك ببطء فوق الأزاز المتكسر، بتقرب من باب الأوضة اللي أنا مستخبية فيها.

“ندى.. افتحي.. أنا رجعت.”

الصوت كان صوت محمد! بالظبط.. بنفس نبرته، بنفس الطريقة اللي بينادي عليا بيها لما يرجع من الشغل تعبان. بس كان فيه حاجة غلط.. الصوت كان طالع من ورا الباب كأنه متسجل، أو كأن فيه حد بيقلده بالعافية، وكان بين كل كلمة والتانية فيه صوت فحيح خفيف.

“ماما.. بابا بره، افتحي له” ليلى قالتها وهي بتقوم من على السرير، ورجليها الصغيرة لمست الأرض.

“لا يا ليلى! ما تتحركيش من مكانك!” زعقت فيها بهستيريا وأنا كاتمة عياطي.

الخطوات بره لزقت في الباب. الأوكره الحديد بتاعة الباب بدأت تنزل لتحت ببطء.. تتحرك لفوق ولتحت، كأن اللي بره بيجرب يفتح. ولما لقى الباب مقفول بالترباس، الخبط بدأ.

المرة دي مكانش خبط رقيق.. الباب كان بيترج كله كأن فيه بلدوزر بيخبط فيه. الخشب بدأ يتشقق، والتراب ينزل من السقف فوق راسي.

مع كل خبطة، ليلى كانت بتاخد خطوة ناحية الباب، وعينيها متبتة على الشقوق اللي بدأت تظهر في الخشب.

وفجأة.. الخبط وقف.

السكون رجع تاني، والمطر بره خف وبقى ينزل بنقاط واطية. وسط السكون ده، اتسمع صوت حركة سريعة وفجائية.. مش من بره الأوضة.. الحركة كانت من ورايا!

التفتّ برعب، وبصيت على شباك الأوضة اللي ورا السرير..

الضل الأسود الضخم مكانش بره في الغيط.. الضل كان مفرود بالكامل على أزاس الشباك من بره، والبرق لما ضرب، كشف إن فيه مئات السنابل الخضرا الطويلة بتاعة الغيط لفت حوالين حديد الشباك، وبدأت تضغط على الأزاز عشان تدششه وتدخل جوه الأوضة.

أنا بقيت في النص.. محمد -أو الحاجه اللي بره بتتقمص صوته- ورا الباب، والغيط نفسه بيمد جذوره من الشباك عشان يدخل ياخد ليلى.

ليلى وقفت في نص الأوضة، رفعت إيديها الاتنين لفوق وهي بتبص للشباك، وقالت بصوت ملوش أي علاقة بالبشر: “أنا جاهزة.”

 

حكايات شروق خالد

 

الأزاز بتاع الشباك اتدشدش مية حتة، وفروع الغيط الطويلة دخلت الأوضة زي التعابين، لفت حوالين وسط ليلى ورفعتها لفوق وهي لسه واقفة في مكانها مش بتتحرك ولا بتصرخ.

في نفس اللحظة، باب الأوضة اخلع من مكانه تمامًا ورزع في الأرض، والضلمة اللي بره دخلت هجمت على المكان.

أنا مكنتش شايفة حاجة، ومكنش فيه قدامي غير إني أرمي نفسي بكل قوتي ناحية السرير وأمسك رجيل ليلى قبل ما يسحبوها بره الشباك. صرخت بأعلى صوت عندي: “يا رب! يا رب احمينا!”

وفجأة، وسط العتمة والترير اللي ملوش آخر ده، النور رِجع!

أنوار البيت كلها اشتغلت فجأة وبقت قوية جداً لدرجة إن عيني زغللت. مع رجوع النور، اتسمع صوت صرخة فحيح مرعبة بره البيت، وكأن الضلمة دي اتمحت في ثانية. الفروع اللي كانت لافة حوالين ليلى دبلت ووقعت على الأرض زي الرماد، والبنت وقعت في حضني وهي بتنهج وبتعيط بصوتها الطبيعي: “ماما! أنا خايفة قوي يا ماما!”

أنا كنت بترعش من فوق لتحت، حضنتها بكل قوتي وخرجت جري بره الأوضة. الصالة كانت متبهدلة، العفش مكسر، وباب البيت مفتوح على الآخر. بصيت بره.. المطر كان وقف، والشمس بدأت تطلع وتنونر الغيط، اللي رجع شكله طبيعي جداً وساكن ومفيش فيه أي حركة.

“محمد؟!” ناديت وأنا بدمع.

لمحت محمد واقع على مشارف الجنينة، هدومه متبهدلة طين بس كان بيتحرك وبيحاول يقوم. جريت عليه وأنا شايلة ليلى، وسندته لحد ما قعد على الكنبة اللي جوه. كان لسه مش مجمع وبينهج، بس كان محمد الطبيعي، وعينيه رجعت زي الأول.

إحنا قعدنا مع بعض وضامين ليلى ليلتها، ومكناش قادرين نصدق أو نفهم إيه الكابوس اللي عيشناه ده. وتاني يوم الصبح، محمد لّم حاجتنا كلها في شنط، وقررنا نسيب البيت ده فوراً ومنرجعش ليه تاني أبداً.

وأنا بقفل باب العربية، بصيت نظرة أخيرة على الغيط وعلى الجنينة.. المكان كان هادي، ومفيش أي أثر للرعب اللي حصل، بس إحنا عرفنا كويس إن حياتنا اتكتب لها عمر جديد بفضل “دوك”، الكلب اللي ضحى بنفسه عشان يفضل حارسنا لحد آخر لحظة.

 

## حارس الغيط

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *