*فستان أبيض بقلب أسود.. وسقوط آل المنياوي** ج2 حكايات شروق خالد

صفوت المنياوي كان واقف مكانه زي الصنم، والكلابشات بتتقفل في إيده قدام عيون كبار رجال البلد اللي كانوا من دقيقتين بيجاملوه. شاهيناز هانم بدأت تصرخ بصوت هيستيري وتشد في شعرها: “أنتوا اتجننتوا؟ أنتوا عارفين بتكلموا مين؟ إحنا عيلة المنياوي!”
بس محدش من رجال الأمن عبرها، وخدوا الراجل الكبير وسحبوه برة القاعة وسط فلاشات كاميرات الصحافة اللي كانت جاية تغطي “فرح الموسم”، فبقت بتغطي “سقوط الموسم”.
حازم جري ورايا وهو بيترعش، مسك دراعي وعينيه مليانة دموع ورعب: “مايا! أبوس إيدك فهميني في إيه؟ أنتِ عملتي فينا إيه؟ أنا بحبك.. أنا ماليش ذنب في كل دة!”
لفيت له ونفضت إيده من عليا بكل قرف، وبصيت في عينيه وقلت له: “ذنبك إنك كنت مغمي عينك، وكنت شايف أمك بتدوس عليا وتذلني وكنت بتقولي معلش أصلها بتحميني. ذنبك إنك كنت ممرر لي حياتي عشان ترضي نرجسية عيلتك الحرامية. الفلوس اللي كنتوا بتعايروني إني معنديش زيها، طلعت فلوس بلد بتموت عشان أنتوا تعيشوا في القصور”.
شاهيناز هانم جيت تجري عليا وزي المجنونة حاولت تضربني، بس بسنت وأبويا وقفوا في وشها. شاهيناز بصت لي بغل وقالت: “يا جربوعة يا بنت الشحاتين.. بوظتي فرح ابني وهديتي عيلتنا!”
بصيت للفستان المتبهدل بمية الزبالة، وبعدين بصيت لها ببرود قاتل: “فستاني دة هيتغسل وهيطلع نضيف يا شاهيناز هانم.. بس اسم عيلتكم وسمعتكم اللي في الطين، مفيش مية في الدنيا هتنظفها. أنا عرفت حجمي كويس.. وعرفتك حجمك الحقيقي”.
أبويا مسك إيدي وخرجنا من باب القاعة وراسي مرفوعة في السما. ركبنا عربيتنا البسيطة، وطول الطريق مكنتش عياطة ولا ندمانة، كنت حاسة براحة مفيش بعد كده.
تاني يوم الصبح، مصر كلها مكنش وراها غير قض..ية “شبكة المنياوي”. حازم اتقبض عليه هو كمان للتحقيق معاه لأن عقود الشركات الوهمية كانت باسمه، وشاهيناز هانم لقت نفسها لوحدها في الفيلا الكبيرة بعد ما كل الأرصدة والفلوس اتمست وتحفظت عليها الدولة، وكل الهوانم اللي كانوا بينافقوها قفلوا تليفوناتهم في وشها.
بعد أسبوع، كنت قاعدة في مكتبي بالبنك المركزي، بشتغل في هدوء. تليفوني رن، وكان رقم حازم (الظاهر خرج بكفالة على ذمة التحقيق). رديت ببرود: “أيوة يا حازم”.
صوته كان مكسور، عيان، وضايع تماماً: “مايا.. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت الفلوس والاسم وأمي جاية لها جلطة في المستشفى.. وأنا بجد ماليش غيرك.. سامحيني وابدأي معايا من جديد، أنا مستعد أعيش معاكي في أوضة وصالة”.
خدت نفس طويل وقلت له بثبات: “أنا مبدأش من تحت الصفر مع ناس مكنتش شايفة قيمتي وأنا معاهم في النور. حجمك الجديد يا حازم إنك تدور على محامي نضيف يلحقك قبل ما تتسجن مع أبوك.. سلام”.
قفلت السكة في وشه، وبصيت من شباك مكتبي على النيل، وابتسمت وأنا حاسة إن فستان الفرح اللي اتمسح بيه الأرض، كان التمن البسيط عشان أشتري بيه عمري وحريتي وكرامتي.

حكايات شروق خالد

ومرت الشهور، وقض..ية “آل المنياوي” بقيت هي الشغل الشاغل للرأي العام والمحاكم. حازم ملحقش حتى يدور على محامي شاطر؛ العقود والمستندات اللي كانت ممضية باسمه لبسته القض…ية من ساسه لراسه، وأخد حكم بالسجن المشدد بتهمة التزوير والاشتراك في غسيل الأموال. أما شاهيناز هانم، فبعد ما الفيلا الكبيرة والفلوس والألماظ كله اتحجز عليه، لقت نفسها قاعدة في شقة إيجار قديم في منطقة شعبية، عايشة على إعانات من قرايبها اللي كانوا زمان بيقفو طوابير عشان يرضوها، ومبقاش حيلتها في الدنيا غير الندم على اللحظة اللي قررت فيها تكسر كرامة بنت غلبانة.
في يوم جمعة مشمس، كنت قاعدة في جنينة بيتنا البسيط مع بابا وبسنت، بنشرب شاي وبنضحك من قلبنا. بابا بصلي بحنية وقال: “عارفة يا مايا.. أنا كنت خايف عليكي قوي يومها، بس لما شفتك واقفة وسط القاعة والفستان متبهدل وراسك في السما، عرفت إن أمك الله يرحمها سابتلي بطلة مش مجرد بنت”.
ابتسمت وبوست إيده: “تربيتك يا بابا.. أنت اللي علمتني إن الكرامة هي الهدوم الحقيقية اللي البني آدم بيلبسها، ولو ضاعت، مفيش حرير في الدنيا هيسترنا”.
بسنت ضحكت وقالت: “طب وال فستان المتبهدل دة عملتي فيه إيه؟ رميتيه؟”
“لا طبعاً”، قمت ودخلت الأوضة وجبت صندوق خشب فخم وفتحته قدامهم. الفستان كان جواه، بس المرة دي كان زي الفل، أبيض بيبرق وريحة الورد طالعة منه بعد ما وديته لأكبر مغسلة متخصصة في البلد نظفته وشالت منه كل أثر لليوم دة.
بصيت للفستان وقولت: “أنا شيلته عشان يفضل فضل حيا معايا.. يفكرني دايماً إن فيه ناس فاكرة إن فلوسها تقدر تشتري وتدوس على أي حد، بس في الآخر.. مفيش حاجة بتدوم غير الحق والأصل النضيف”.
تليفوني رن، وكان إيميل من إدارة البنك المركزي بترقيتي لدرجة “مدير قطاع الأمن السيبراني ومكافحة الاحتيال”. قفلت التليفون وابتسمت وأنا ببص للنيل من بعيد.
شاهيناز المنياوي كانت فاكرة إنها لما تدلق مية زبالة على فستاني هتمحي وجودي، مكنتش تعرف إنها دلقته على نهايتها هي وعيلتها.. وإن البنت اللي استقلت بيها، هي اللي كتبت السطر الأخير في كتاب “آل المنياوي”.

**فستان أبيض بقلب أسود.. وسقوط آل المنياوي**

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *