فراشة النجاة وعرش المصري**ج1 حكايات شروق خالد

بنت عندها سبع سنين وقفت واحد من أكبر وأخطر معلمية الكار في منطقته ومنعته من إنه يروح لموته رجله.. واللي شافه بعد كام ثانية دمرله كل حاجة كان فاكرها عن مراته. كان فاكر نفسه فاهم في الغدر والخيانة، لحد ما طفلة مستخبية ورا شجرة أثبتتله إنه مغفل.
الصبح كان ماشي عادي جداً. مراد المصري كان واقف قدام فيلته، بيظبط ساعته الـ “باتيك فيليب”، والمفاتيح في إيده، وجاهز يسافر لإسكندرية عشان اجتماع تقيل مع خمس عائلات من كبار السوق. أربعين دقيقة.. ده كل اللي كان بينه وبين صفقة هتشكل العشر سنين الجايين من إمبراطوريتة. مكنش مركز أصلاً مع البنت الصغيرة اللي بتشد كم بدلتة لحد ما همستله: “امشي ورايا من سكات وماتتكلمش”. كان لسه هيزقها ويطردها، لحد ما شاورت على عربيته وقالت: “ده مش السواق بتاعك”.
عكس كل غرايزه، مشي وراها. مريم، بنت السبع سنين، بنت الجنايني بتاعه، شدته ورا شجر السرو العالي في حتة عمره ما رجله خطبت فيها. ومن ورا الشجر، كانوا مراقبين العربية السودا وهي دايرة وواقفة عند البوابة. السواق كان قاعد خشب، إيديه مفرودة، ومستني. كان في حاجة غلط ومش طبيعية في وقفته.. هادي زيادة عن اللزوم ومظبوط بالمسطرة.
مريم شاورت بهدوء وهي بتتكلم ببساطة: “نمرة العربية اتغيرت. وفتح الباب بالإيد الغلط. عم عبده السواق بتاعك دايماً بيفتح الباب بإيده اليمين.. الراجل ده فتح بيمينه”.
معدة مراد اتلوت. البنت كانت بتراقب كل يوم الصبح، ولمحت اللي هو نفسه بعمر جلالته ما فكر يبص عليه.
في اللحظة دي تليفونه رن. شاهيناز.
“أنت لسه ماركبتش العربية ليه؟” صوتها جه في التليفون، رقيق بس فيه لهفة غريبة. “مش لازم تتأخر على اجتماع إسكندرية”.
رد عليها تلقائي: “دقيقتين بالضبط”.
كان لسه هيتحرك ويسيب مكانه، لما مريم قفشت في معصم إيده بقوة غريبة على سنها. وقالتله ببرود: “لو طلعت غلطانة، اطردنا برة الفيلا”. وبعدين داست تشغيل على تليفون شاشته مكسورة.
صوت شاهيناز طلع من التليفون.. بارد، ومحسوب، ومتخططله صح. كانت بتتكلم عن التوقيت، وبتتأكد إنه هيكون جوه العربية لما تنفجر. راجل تاني رد عليها، كانوا بيناقشوا السكك، والسيطرة، واللي هيتفضل بعد ما مراد يغور. الأملاك.. المنطقة.. حياته كلها كانت متقسمة ومتوزعة وهو لسه عايش بيتنفس.
مراد اتسمر في مكانه.
ومن بين فروع الشجر، المشهد كله اتبدل. شاهيناز خرجت من الفيلا بفستان حرير بيج، زي القمر وفايقة ورايقة. مشيت لحد العربية، والسواق المزيف قابلها في النص.
وهنا مراد شاف الصدمة.
مراته كانت بتبوس الراجل اللي جاي يقت..له.
لا كانوا مستعجلين، ولا مستخبيين. وعد متقفل عليه وفي عين الشمس.
تحت كرسي العربية، كان في لمبة حمراء صغيرة عمالة تنور وتطفي.
صوت مريم اترعش لأول مرة: “يا بيه؟”
صوت مراد اتقلب لـ تلج: “اجري.. دلوقتي”.
طلب رقم واحد من غير ما يشيل عينه من على المنظر اللي قدامه.. إمبراطوريتة، ومراته، وخيانتها، كلهم اتجمعوا في نفس واحد.
قال في التليفون: “هاتلي الرجالة كلها على الفيلا.. حالا”.
ومن جوه العربية اللي كانت مجهزة ليه، اللمبة الحمراء بدأت تنور وتطفي بأسرع ما يمكن.

حكايات شروق خالد

اللمبة الحمراء كانت بتنور وتطفي زي دقات قلب واحد بيطلع في الروح، وفجأة.. الصوت وقف. النفس انقطع تماماً، وبعدها بثانية واحدة، الفيلا كلها اتهزت.
انفجار شديد لدرجة إن الشجر العالي اللي مراد ومريم مستخبيين وراه اتهز من جدروره، وصوت الهبدة سمع في المنطقة كلها. العربية السودا اتحولت لكتلة نار وطارت في الهواء، والشظايا اتحدفت في كل حتة، والتراب والنار عموا المكان.
مراد رمى نفسه فوق مريم عشان يحميها، وضهر بدلتة الغالية اتبهدل رماد وتراب. أول ما الصوت هدي، رفع رأسه براحة وعينه بتدور وسط الدخان.
النار كانت بتاكل في حديد العربية، وجنبها على الأرض.. كانت شاهيناز والراجل اللي معاها مرميين. الانفجار كان قاصد مراد وهو جوه، بس شدة الموجة الانفجارية طيرت مراد وصاحبها لمسافة بعيدة. شاهيناز كانت بتصرخ وهي بتموت من الوجع، وفستانها البيج الحرير اتبهدل بالدم والرماد، والراجل اللي معاها كان فاقد الوعي تماماً غرقان في دمه.
مراد وقف على رجله ببطء شديد، نفض التراب من على هدومه ببرود مرعب، وبص لمريم اللي كانت بتترعش. قلع جاكيت البدلة وحطه على كتافها وقالها بصوت هادي وناشف: “اطلعي على بيتكم يا مريم.. وماتخافيش من حاجة واصحي من النجمة بكرة، عشان من بكرة الصبح أبوكي هيبقى المشرف على الجناين كلها، والفيلا دي هتبقى بتاعتكم”.
البنت جرت وهي بتبكي من الخوف، ومراد مشي بخطوات تقيلة وواثقة ناحية مراته.
وقف فوق رأسها وهي بتنازع. شاهيناز رفعت عينها المكسورة وبصتله بصدمة ورعب، مكنتش مصدقة إنه واقف على رجله وصاغ سليم. حاولت تتكلم، شفايفها كانت بتتحرك وبتطلع دم وهي بتقول بخوف: “مراد.. أنا..”.
مراد قعد على ركبته قدامها، مسك تليفونه ونزل لمستواها، وورّاها الشاشة اللي لسه شغالة وبتسجل. وبص لمراته اللي عاش معاها سنين وقالها بنبرة خالية من أي مشاعر: “الغدر أنا فاهمه وعارفه كويس يا شاهيناز.. بس مكنتش أعرف إنك غبية للدرجة دي. مفكرتيش للحظة إن السواق اللي باعتينه مش شبه عبده؟ مفكرتيش إن البنت الصغيرة دي بتشوف اللي عمى عينك وعين اللي معاكي؟”.
في اللحظة دي، تلات عربيات جيب سودا دخلوا من بوابة الفيلا وبسرعة جنونية. فرملوا وعملوا صوت عالي، ونزل منهم حوالي خمسين راجل مسددين سلا؟؟حهم، وعلى رأسهم “إبراهيم” دراع مراد اليمين.
إبراهيم جرى على مراد وعينه على الحريقة وباقي الج..ثث، وقال بنهجة: “يا باشا! أنت كويس؟ إيه اللي حصل هنا؟”.
مراد وقف، حط إيده في جيبه، وبص لإبراهيم وقال ببرود مرعب: “اللي حصل إن في زبالة في بيتي وكان لازم تتكنس. الراجل ده تلموه وتفوقوه بمعرفتكم.. عايز أعرف مين اللي وزّهم ومين اللي بايع لحسابهم في السوق. وشاهيناز هانم.. سيبوها تعيش كام ساعة كمان عشان تشوف بعينها إمبراطوريتي وهي بتكبر، وتعرف إنها خسرت كل حاجة قبل ما تموت”.
إبراهيم وطى رأسه وقال: “أمرك يا مصري باشا. والبنت وباباها؟”.
مراد بصل لبيت الجنايني في آخر الجنينة، وابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة: “البنت دي هي اللي اشترتلي عمري بكلمتين.. من هنا ورايح، مريم دي خط أحمر، واللي يمس شعرة منها يبقى بيمس رقبة مراد المصري”.
لف ضهره ومشي وسط الدخان والنار بتنور وراه، وعينه فيها شرار ملوش آخر. الحساب بدأ، وكل عائلات إسكندرية اللي كانت مستنياه يموت، هيشوفوا بكرة وش تاني خالص للمصري.. وش معندوش عزيز ولا غالي.

**فراشة النجاة وعرش المصري**ج1

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *