الوريثه الصامته الجزء الخامس والاخير حكايات شروق خالد

فتحت الملف بإيدين مرتعشتين.

أول ورقة كانت خطاب بخط إيد أبويا.
““الوريثة الصامتة
مجرد ما شفت خطه حسيت إن الزمن رجع سنين لورا.

دموعي نزلت من غير ما أحس.

قريت أول سطر:

“بنتي منى…

لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود، لكني واثق إنك قدرتي تعدي أصعب مرحلة في حياتك.”

وقفت لحظة أحاول أتمالك نفسي.

وبعدين كملت.

“أنا عارف إنك هتتعرضي لناس تحاول تستغل طيبة قلبك، وعارف إنك هتتوجعي من ناس وثقتي فيهم، لكن كنت متأكد إنك في النهاية هتعرفي قيمتك.”

مسحت دموعي.

وقلبت الصفحة.

وهنا كانت المفاجأة.

أبويا كان شريك مؤسس في شركة استثمارية كبيرة جدًا.

شركة كان سايب حصته فيها تحت إدارة أمناء قانونيين لحد ما أوصل لسن معين وأحقق شروط معينة.

ومن ضمن الشروط دي…

إني أكون مستقلة ماليًا وماعتمدش على أي زوج أو شريك في إدارة أملاكي.

عم حسن ابتسم وهو بيشوف الصدمة على وشي.

وقال:

“أبوك كان ذكي.”

قلبت الأوراق بسرعة.

الأرقام اللي قدامي كانت خيالية.

مش ملايين.

عشرات الملايين.

وأصول وعقارات وأسهم في شركات مختلفة.

سألت بصوت مخنوق:

“كل ده… ليا؟”

هز رأسه.

“من زمان.”

“وليه محدش قالي؟”

قال:

“لأن أبوكي كان خايف حد يقرب منك عشان الفلوس.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“وكان عايز يتأكد إن اللي يحبك يحبك لشخصك.”

نزلت دموعي من جديد.

لأول مرة فهمت حاجات كتير كانت غامضة طول عمري.

فهمت ليه أبويا كان دايمًا يوصيني ما أتكلمش عن الفلوس.

وليه كان بيقولي إن أغلى حاجة الإنسان يمتلكها هي حريته.

بعد أيام قليلة بدأت أراجع الملفات مع نهى.

وكل يوم كنت باكتشف تفاصيل جديدة.

شركات.

استثمارات.

عقارات.

وحسابات مؤمنة.

لكن في وسط كل ده ظهر اسم شد انتباهي.

شركة صغيرة نسبيًا.

اسمها كان مألوف بشكل غريب.

طلبت الملف الخاص بيها.

وأول ما قريته اتجمدت.

لأن الشركة دي كانت المورد الرئيسي للشركة اللي كريم بيشتغل فيها.

بصيت لنهى.

ونهى بصتلي.

وقالت:

“واضح إن القدر عنده حس فكاهي.”

ضحكت لأول مرة من قلبي.

لكن الضحكة اختفت بسرعة لما لقينا معلومة أخطر.

الشركة اللي ورثتها كانت تملك نسبة مؤثرة في عقود مهمة جدًا.

وعقود كريم وشركاؤه كانوا معتمدين عليها بشكل كبير.

في نفس الوقت تقريبًا، وصلتني رسالة من رقم مجهول.

فتحتها.

وكان مكتوب فيها:

“إحنا محتاجين نتكلم.”

ومرفق معاها صورة.

صورة لكريم.

واقف قدام باب شركته.

وشه مرهق.

وشعره مبهدل.

ومش شبه الشخص الواثق اللي كان واقف قدامي يوم الطلاق.

لكن اللي لفت انتباهي مش الصورة.

اللي لفت انتباهي كان اسم المرسل.

الرسالة جاية من…

شريك كريم نفسه.

#حكايات_شروق_خالد

فضلت أبص للرسالة ثواني.

مش لأن اسم المرسل كان غريب…

لكن لأن شريك كريم كان من أكتر الناس اللي دافعوا عنه وقت الطلاق.

كان دايمًا واقف في صفه.

ودايمًا مقتنع إن المشكلة كلها فيا.

بعتله:

“عايز إيه؟”

الرد جه بعد أقل من دقيقة:

“مقابلة نص ساعة بس.”

ورغم إن نهى نصحتني أرفض، وافقت.

مش حبًا في الكلام.

لكن فضول.

بعد يومين قابلته في كافيه هادي.

أول ما شوفته عرفته بالعافية.

وشه كان مرهق.

وعينيه باين فيهم السهر.

قعد قدامي وقال مباشرة:

“أنا مدينلك باعتذار.”

استغربت.

قال:

“أنا كنت فاكر كريم بيقول الحقيقة.”

وسكت شوية.

ثم أكمل:

“لحد ما اكتشفت إنه كان بيكذب علينا كلنا.”

طلع ملف صغير من شنطته وحطه قدامي.

وقال:

“دي نسخ من معاملات مالية كان بيخفيها.”

فتحت الملف.

ومع كل صفحة كنت بحس إن الصورة بتكتمل أكتر.

كريم كان بيستغل الشركة في تحويلات مشبوهة.

وبيخفي خسائر.

وبيزوّر أرقام بعض العقود عشان يبان ناجح أكتر.

رفعت عيني عليه.

“وليه بتديني كل ده؟”

ضحك بسخرية.

وقال:

“لأنه حاول يحملني المسؤولية لوحدي.”

سكت لحظة.

ثم قال:

“ولأنك تستحقي تعرفي الحقيقة.”

بعد المقابلة بأسبوع.

بدأت المشاكل تحاصر كريم من كل ناحية.

تحقيقات مالية.

شركاء غاضبين.

عملاء بيسحبوا تعاقداتهم.

والأخبار بدأت تنتشر في السوق بسرعة.

أما مدام نادية…

فكانت لسه مقتنعة إن ابنها ضحية مؤامرة.

لحد اليوم اللي حصل فيه شيء محدش توقعه.

كنت قاعدة في مكتبي الجديد.

لأنني بدأت أشارك رسميًا في إدارة جزء من استثمارات أبويا.

وفجأة السكرتيرة دخلت وقالت:

“في سيدة مصرة تقابلك.”

سألت:

“مين؟”

قالت بتردد:

“مدام نادية.”

اتجمدت مكاني.

آخر شخص توقعت أشوفه.

طلبت تدخل.

دخلت ببطء.

ولأول مرة من يوم عرفتها…

ماكانش فيها أي أثر للغرور.

ولا التعالي.

ولا الثقة المبالغ فيها.

قعدت قدامي وسكتت.

دقيقة كاملة.

ثم قالت بصوت مكسور:

“أنا محتاجة مساعدتك.”

بصيتلها من غير كلام.

قالت:

“كريم عليه ديون كبيرة.”

وسكتت.

“والبنك بيهدد بالحجز.”

سألتها:

“وأنا أعمل إيه؟”

نزلت عينيها للأرض.

وقالت:

“أنقذيه.”

الكلمة خرجت منها بصعوبة.

كأنها بتبلع كرامتها مع كل حرف.

افتكرت يوم البوابة.

ويوم الطلاق.

وكل الإهانات.

وكل اللي حاولوا يعملوه.

لكن الغريب…

إني ماحسيتش بشماتة.

ولا فرحة.

ولا انتقام.

حسيت بشيء واحد بس.

إن الصفحة دي انتهت.

بكل ما فيها.

بصيتلها بهدوء.

وقلت:

“أنا مش هأذي كريم.”

رفعت رأسها بسرعة.

وكأن الأمل رجعلها.

لكن كملت:

“بس مش هأنقذه من نتائج أفعاله.”

سكتت.

وعرفت من نظرتها إنها فهمت.

لأول مرة.

فعلًا فهمت.

إن في فرق كبير بين الرحمة…

وبين السماح للناس يهربوا من أخطائهم.

قامت ببطء.

وقبل ما تمشي وقفت عند الباب.

وقالت:

“يمكن كنت غلطانة فيكي.”

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

وقلت:

“يمكن.”

ومشت.

أما أنا فرجعت أبص من شباك مكتبي على القاهرة.

وحسيت لأول مرة من سنين طويلة…

إني مش بهرب من الماضي.

ولا بحارب حد.

إني أخيرًا…

بدأت أعيش حياتي أنا.

النهاية.

#حكايات_شروق_خالد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *