رقصه احيت روحي الجزء الثاني حكايات شروق خالد

مروان قعد على الكرسي وهو مش قادر يشيل طوله، باصص لعقد الإدارة اللي في إيده وكأنه حلم مش حقيقة. مسح دموعه بكم قميصه وبصلي وقال بصوت مخنوق: “أنا بقالي سنين بنام وأصحى وأنا حاسس إن الدنيا دي ملهاش أمان، وإن الجدعنة ماليهاش مكان في الزمن ده.. أنتي رجعتيلي روحي يا ندى.”
ابتسمت وقلتله: “أنت اللي زرعت الخير ده زمان يا مروان، والأرض دارت ولفّت وجمعتنا تاني عشان تحصد اللي زرعته.”
من اليوم ده، حياة مروان اتغيرت 180 درجة. مابقاش الراجل المكسور اللي شايل هم القرش، رجع تاني بوقاره وهيبته، وبقى يدير الكافيه بقلب وبنفس الجدعنة اللي كانت فيه وهو صغير. والدته اتنقلت المستشفى وبقت حالتها مستقرة، وكل ما كانت تشوفني كانت تدعيلي وهي بتعيط وتقول: “ربنا جابك لينا من السما يا بنتي.”
أما أنا، فكل ما كنت بعدي على الكافيه وأشوفه واقف ببدلته الأنيقة، وبيبتسم للزبائن بكل ثقة، كنت بحس براحة في قلبي عمري ما دوقتها قبل كده.
وعرفت ساعتها إن الحادثة اللي عجزتني من تلاتين سنة، والكسرة اللي عيشتها في ليلة الحفلة، مكنتش مجرد عذاب.. دي كانت تدابير إلهية، عشان في يوم من الأيام، أكون أنا السبب في إنقاذ الشخص اللي نقذ روحي وأنا في أشد حوجتي. الدنيا سلف ودين، وجبر الخواطر دايماً بيرد لأصحابه في الوقت المناسب.
حكايات شروق خالد

ومرت الأيام، ومروان أثبت إنه مش بس جدع، ده كمان طلع مدير شاطر جداً. الكافيه تحت إيده اتطور وبقى من أشهر الأماكن في وسط البلد، وبقى له زباينه اللي بيجوا مخصوص عشان يقابلوه ويشوفوا المعاملة الراسية والنظيفة اللي بيعامل بيها الكبير قبل الصغير.
في يوم من الأيام، كنت معزومة عنده في الكافيه بمناسبة مرور سنة على شراكتنا وشغله الجديد. قعدت على نفس التربيزة اللي اتدلقت عليها القهوة من سنة، وبصيت حواليا وأنا مش مصدقة إزاي لفة الأيام سريعة ومجنونة.
مروان جه وقعد قدامي، وحط فنجانين قهوة مضبوط، وبصلي بابتسامة صافية وقالي: “تعرفي يا ندى؟ أنا طول السنة اللي فاتت دي كنت بفكر في حاجة واحدة بس.”
سألته باهتمام: “حاجة إيه يا مروان؟”
سكت لثواني، وبص لرجله اللي لسه فيها العرجة الخفيفة، وبعدين بص في عيني وقالي: “كنت بفكر إني لما جيت أرقص معاكي زمان وأنا عيل في المدرسة، مكنش في دماغي أي حاجة غير إني شوفت بنت جميلة مكسورة، ومستخسرتش فيها ضحكة أو لحظة تفرحها.. مكنتش أعرف إن الحركة دي هي اللي هتنجدني وأنا راجل كبير ومكسور والدنيا جاية عليا. ربنا حنين أوي يا ندى، بيشيل لنا الجميل لحد ما نحتاجه.”
دموعي نزلت من كلامه، وهزيت راسي وقلتله: “ونعم بالله يا مروان.. أنت يومها مقصديتش تفرحني بس، أنت أحيت فيا الأمل إني لسه بني آدمة مرغوبة ومحبوبة، والأمل ده هو اللي خلاني أتحمل عذاب العلاج الطبيعي والعمليات لحد ما وقفت على رجلي.. يعني أنت السبب في كل نجاح أنا وصلتلوا.”
مروان ابتسم، ورفع فنجان القهوة بتاعه وقال: “على العموم، المسامح كريم.. والمرة دي القهوة مش هتدلق، والمرة دي إحنا الاتنين واقفين على رجلينا، وبصين للمستقبل.”
ضحكت ورفعت فنجاني، وشربنا القهوة سوا وأنا جوايا يقين تام إن مفيش حاجة بتحصل في الدنيا دي صدفة.. كل وجع بنعيشه وراه حكمه، وكل إيد بنمدها بالخير للناس، بترجع لنا في يوم من الأيام وهي شايلة طوق النجاة.

​رقصة أحيت روحي
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *