بنت الأكابر والبرد المتجمد ج2 حكايات شروق خالد

جوزي سحبني من إيدي و رماني في البرد والثلج زي الزبالة. “هتموت قبل ما الشمس تطلع”، قالها وهو بيضحك وبيقفل باب البلكونة في وشي، وعيلته واقفة وراه بتتفرج. نعتوني بـ العاجز، والمفلس، والمثير للشفقة، بس أنا فضلت ساكت، وماسك في إيدي الموبايل المستخبي وبسجل كل كلمة. اللي محدش فيهم يعرفه، إن هويتي الحقيقية مربوطة بأقوى ست في البلد، والست دي وصلت حالا في موكب العربيات السودا.. وجاية عشان تدمرهم.
في اللحظة اللي جوزي حازم رماني فيها في الجو التلج ده، عرفت إنه خلاص مابقاش يمثل، والوش الطيب اللي كان عايش بيه اتمسح. البرد كان بيقرص في جسمي زي السكاكين، بس ضحكته كانت بتوجع أكتر بكتير.
حازم وقف في البلكونة وقال بنبرة كله شماتة: “على ما الشمس تطلع، مفيش مخلوق هيفتكر إنك كنتي عايشة هنا أصلاً”.
وراه في الصالة، والدته شاهيناز رفعت كاس العصير الكريستال وابتسمت بشر، وأخوه كريم ساند على الباب وماسك موبايله بيصور ذلي وكسرتي كأنها فقرة تسلية في سهرة. التلج بدأ يتجمع على شعري ويدوب فوق الكدمات اللي في وشي.
شاهيناز زعقت من ورا الإزاز: “أنتي دخلتي العيلة دي بحتة هدوم على ضهرك.. وأهو بتخرجي منها ومعاكيش الهوا”.
سندت نفسي على كوع واحد بالعافية، عبايتي الخفيفة بقت مبلولة ومقطوعة، وإيديا كانت بتترعش.. بس مش من الخوف. جوه جيب الجاكيت، ومستخبي تحت البطانة المقطوعة، كان موبايلي التاني شغال وبيسجل كل اللقطة صوت وصورة.
حازم نسي إني محامية وبحسب دايماً خطوة للزمن، وبعمل حساب الأسوأ.
على مدار سنتين كاملين، سبت عيلته يفتكروا إني ست غلبانة، عادية، ممعيش مليم، ومليش ظهر، وباسبوسة في إيديهم وبشحت رضاهم. كنت بطبخ لهم، وأصلح لهم عقود شركاتهم، وأداري ورا بلاوي حازم ومصايبه المالية، وأسكت وهم بيتريقوا على لهجتي وطريقتي، وعلى “خالتي الغامضة” اللي ربتني بعد وفاة أمي.
عمرهم ما سألوا نفسهم ليه مديري البنوك الكبار بيردوا على مكالماتي أنا بالذات في ثانية؟
عمرهم ما استغربوا إني فاهمة في قوانين دمج الشركات وفك الحجز أكتر من أكبر مستشار قانوني عندهم؟
والأهم من كل ده.. عمرهم ما عرفوا اسم عيلتي الحقيقي إيه.
حازم نزل خطوة على سلم البلكونة وقرب مني لدرجة إني شميت ريحة السجاير من بقه وقال: “امضي على ورق التنازل بكرة الصبح، وممكن أخلي حد من الشغالين يجي يلمك من الشارع”.
الورق ده لو مضيت عليه، كان هيخليه يسيطر على شركة “الهدى للمقاولات”، الشركة الكبيرة اللي هو فاكر إني ورثتها من قريب ليا مسافر برة. اللي ميعرفهوش إن شركة الهدى دي، هي اللي شارية كل ديون عيلتهم، ومستحوذة على قرى السياحة الفاشلة بتاعتهم في الساحل وشرم الشيخ.
هو كان فاكر إنه بيسرق ورث صغير.. مكنش يعرف إنه بيشد السك..ينة اللي محطوطة على رقبة عيلته وشغلهم كله.
همست بضعف مصطنع: “مش هتمم مضى، ومش هتنازل”.
ضحكته اختفت فجأة، وأمسك فكي بقوة وقال: “يبقى تموتي هنا”.
سابني ودخل، وقفل باب البلكونة السيكوريت بالترباس. ومن ورا الإزاز، رفعوا كاساتهم وبقوا يشربوا ويحتفلوا.
أنا لفيت جسمي حوالين الموبايل عشان أحميه من النوة والبرد، والتسجيل كان شغال ولقط التهديد، والضرب، واعتراف حازم بالابتزاز بالملي. بس كل الأدلة دي ملهاش لازمة لو جرالي حاجة قبل ما الشمس تطلع.
وفجأة.. النور العالي بتاع العربيات ظهر من ورا بوابات الفيلا الحديد.
عربية سودا فاميه ظهرت، وراها تانية، وتالتة، لحد ما بقوا ست عربيات شيك جداً.
البوابات الإلكترونية اتفتحت لوحدها من غير ما حد من أمن الفيلا يدوس على زرار، لأن سيستم الأمن كله أصلاً بتاعي.
العربيات دخلت ووقفت في الجنينة ورا بعض، والعربية الكبيرة اللي في النص وقفت جنبي بالملي. نزل منها حرس كتير لابسين بدل سودا، وبعدين اتفتح الباب ونزلت ست هانم وقورة لابتة بالطو كشمير غالي جداً..
شاهيناز، أم حازم، لما شافت المنظر من ورا الإزاز، الكاس وقع من إيدها اتدشدش مية حتة.
الست دي قربت مني، وبصت في وشي، وبعدين رفعت عينيها وبصت للفيلا كلها بنظرة رعبت كل اللي واقفين ورا الإزاز.
صوتها طلع هادي، بس الهدوء اللي يوقف الدم في العروق:
“مين اللي مد إيده على بنت عيلة الألفي؟”

حكايات شروق خالد

شاهيناز وحازم وكريم طلعوا يجروا على الباب البراني والذهول معمي عينيهم. حازم فتح الباب وهو بيترعش، وبص للست اللي واقفة وموكب الحرس حواليها وقال بصوت مهزوز: “فريدة هانم الألفي؟! أنتي.. أنتي إيه اللي جابك هنا يا فندم؟”
فريدة هانم مأدتهوش اهتمام ولا ردت عليه أصلاً، شاورت للحرس بتوعها وقالت بلهجة آمرة: “شيلوا الهانم براحة، وادوها المحلول والجاكيت في العربية”. اثنين من الحرس قربوا مني، ساندوني بكل احترام ولبسوني بالطو فرو دافي، وركبت العربية الكبيرة وأنا بتابع اللعبة وهي ببتنتهي.
فريدة هانم قربت من حازم وأمه، وبصت لهم من فوق لتحت وقالت: “أنا اللي جابني إني جاية آخد بنتي.. بنتي اللي سيبتها تعيش وسطكم سنتين عشان أشوف اختيارها هيوصلها لإيه، وعشان أعلمها إن ولاد الأصول مبيعيشوش في وسط الضباع”.
شاهيناز وشها جاب ألوان وبقت تتلعثم في الكلام: “بنتك؟! ندى.. ندى بنتك أنتي؟! دي.. دي قالت لنا إنها مالهاش حد وعايشة على ورث خالها!”.
فريدة هانم ضحكت حتة ضحكة رنت في الجنينة كلها وقالت: “ورث خالها؟ ندى تبقى الحفيدة الوحيدة لعيلة الألفي، وصاحبة ومؤسسة مجموعة ‘الهدى’ اللي عيلتكم الشحاتة عايشة على قفاها بقالها سنتين. الورق اللي كنت عايزها تمضي عليه يا حازم يا سوابق، ده ورق رقبتكم اللي في إيدينا”.
حازم ركبه سابت ووقع في الأرض على ركبه: “يا فندم أنا مكنتش أعرف.. ندى، أرجوكي سامحيني، أنا كنت بنفعل بس عشان ضغط الشغل والديون!”.
طلعت موبايلي التاني من جيب الجاكيت، ونزلت إزاز العربية، وفتحت التسجيل الصوتي ورفعته لآخره.. صوت حازم وهو بيقول: “على ما الشمس تطلع مفيش مخلوق هيفتكرك”، وصوت أمه وهي بتقول: “بتخرجي ومعاكيش الهوا”، وصوت ضربه ليا وهو بيبتزني.
قلت له بكل برود وثقة: “التسجيل ده حالا بيترفع على سيرفر النيابة العامة بتهمة الشروع في القتل، والاعتزاز، والضرب والإكراه.. ده غير قض..ية الفساد والتزوير اللي مجهزاها لشركتكم من شهور”.
شاهيناز بدأت تصوت وتلطم على وشها: “يا فندم ابوس إيدك بلاش الفضيحة.. إحنا عيلة محترمة ولنا اسمنا في السوق!”.
فريدة هانم بصت لها باحتقار وقالت: “كنتوا عيلة ولكم اسم.. من اللحظة دي، مفيش حجر هيقعد فوق حجر في عيلتكم. قروض البنوك اللي أنا ضامناها ليكم هتتسحب الصبح، والحجز هينزل على الفيلا دي وعلى القرى السياحية بتاعتكم في الساحل.. هتدخلوا السجن مديونين للركب”.
التفتت للحرس وقالت لهم: “يلا بينا.. سيبوهم للكلاب والبرد، القضاء هيقوم بالباقي”.
العربيات لفت في الجنينة ودست على الورد اللي كانوا زارعينه، وخرجنا والموكب ورايا بيقفل ورا عيلة حازم باب الجحيم.
بصيت لفريدة هانم وأنا في حضنها الدافي وقلت: “شكراً يا أمي.. الدرس كان قاسي، بس علمني إني مأمنش لأي حد ملوش أصل”.
فريدة باست دماغي وقالت: “حقك جالك وزيادة يا قلب أمك.. الصبح مش هيطلع عليهم إلا وهم في التخشيبة”.
وفعلاً، على ما الشمس طلعت، مكنش فيه عيلة اسمها عيلة “شاهيناز الهواري” في السوق، حازم وكريم اتقبض عليهم من النيابة بملابس البيت، والفيلا اتحط عليها الشمع الأحمر.. وأنا رجعت لمكاني الطبيعي، ندى الألفي، الست اللي مفيش راجل في البلد يقدر يقف في وشها.

بنت الأكابر والبرد المتجمد ج2

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *