ثمن الغدر: صرخة من الحضانةج1 حكايات شروق خالد
بعد ما اطلقت، مابقاش ليا أي حد في الدنيا أسند عليه. بس عشان خاطر حتة اللحم اللي كانت بتكبر جوايا، دوست على كرامتي وجيت على نفسي، واشتغلت أي شغلانة تقابلني عشان لقمة العيش.
يوم ما جالي الطلق، نزلت وسوقت عربيتي بنفسي للمستشفى، وإيدي كانت بترعش على الدريكسيون مع كل إشارة أحمر تقابلني. ودقايق بعد ما ابني صرخ صرخته الأولى في الدنيا، الدكتور بصلُه.. وفجأة وعينه اتملت دموع، وهمس بذهول وخوف: “مش ممكن.. ده مستحيل يحصل!”
أنا ولدت لوحدي.. لوحدي تماماً، لأن طليقي “كريم” رماني وقالي ببرود: “أنتي مابقتيش تلزميني في شيء، ومش مشكلتي.”
#حكايات_شروق_خالد
بعد عشر دقايق بس من خروج ابني للدنيا، الدكتور اللي كان شايله اتسمر في مكانه فوق اللحاف الأبيض اللي لافين فيه الواد، كأنه اتفاجئ بباب اتفتح قدامه لأوضة ضلمة بقاله سنين بيحاول ينساها ويهرب منها.
وشه خطفه اللون، وبقى شاحن زي الأموات.
عينه اتملت دموع..
وهمس بصوت مرعوب ومبحوح: “مش ممكن.. ده مستحيل يحصل!”
أنا كنت هلكانة وتعبانة لدرجة تمنعني من إني أفهم هو بيتكلم عن إيه. شعري كان مبلول عرق وملزق على رقبتي، وملاية المستشفى الخشنة كانت بتاكل في جسمي، والأوضة كانت ريحتها مخنوقة بمطهرات المستشفى على ريحة العرق والدم. وفي وسط كل ده، كان جهاز نبضات القلب شغال بـ “بيب.. بيب” بانتظام مريب، كأن مفيش مصيبة حلت في الأوضة حالاً.
قبل الولادة بثلاث شهور، كريم الشناوي رمى ورق الطلاق في وشي على ترابيزة السفرة، وكانت أمه “الحاجة هدى” واقفة وراه وفاردة ظهرها كأنها جاية تحضر لحظة إعدامي.
بصيت للفايل وبصوت مخنوق قولتله: “كريم.. أنا حامل.”
كريم عدل ساعته الفضة الغالية ببرود وقال: “توقيت زفت!”
أمه هدى ابتسمت بشماتة وكأنها بقالها أسبوع مستنية الإذن عشان تبخ سمها: “بلاش دراما يا شيرين.. الرجالة اللي من توب ابني مبيقعوش في فخ النسوان اللي بتحمل عشان تضمن القرشين وتأمن مستقبلها!”
ضحكت ضحكة مكتومة، ناشفة ووجعاني، لأن الإهانة كانت أكبر وأوسخ من إني أعيط عليها.
رعشت شفايفي وقولت: “أنا عمري ما طلبت منكم مليم.”
هدى قربت مني وعينها بتطلع شرار وقالت: “لأ يا حبيبتي.. مكنتيش بتطلبي، بس كنتي متمتعة بفلوسه في صمت!”
على آخر الأسبوع ده، كريم كان جمد حسابي المشترك في البنك، وشال اسمي من التأمين الصحي، وطلع عليا سمعة في وسط صحابنا ومعارفنا إني خونته! الكدبة مشيت زي النار في الهشيم، أسرع بكتير من أي حقيقة كنت هحاول أدافع بيها عن نفسي. موبايلي مابقاش يرن.. البيوت كلها قفلت في وشي، والناس اللي كانوا بيرقصوا في فرحنا وبيرفعوا الكاسات تمنياً لينا بالسعادة، بقوا يمروا من جنبي في السوبر ماركت ويبصوا الناحية التانية كأنهم شايفين بقعة وسخة على الأرض!
عشان كده.. كان لازم أشتغل.
كنت بنضف مكاتب الشركات بالليل، وسلك المكنسة علم في كف إيدي وعمل علامات زرقا من كتر الشقى. وكنت بقعد قبل الفجر أراجع تقارير وتسجيلات قانونية أونلاين، وكوباية القهوة تبرد جمبي على اللاب توب ومبحسش بيها. واشتغلت في مغسلة فندق، أطبق الفوط والملايات لحد ما رجلي ورمت وبقى الكوتشي سايب علامة محفورة في رجلي من كتر الوقفة.
كل جنيه كنت بطلعه كان بيروح لإيجار الشقة الضلمة اللي قاعدت فيها، ولمصاريف المتابعة مع دكتورة النسا، ولـ “دوسيه أزرق” صغير كنت مخبياه تحت المرتبة.
لأن كريم غبي.. ونسي حاجة مهمة أوي.
قبل ما أكون مراته الست الهادية المطيعة، أنا كنت مراجعة عقود وحسابات في واحدة من أكبر وأشرس الشركات القانونية في البلد. وكريم كان مهمل وبيسيب وراه بلاوي.
لما طردني وقفل في وشي كل حاجة، نسي يغير الباسوردات، ونسي كشوف التحويلات، وفواتير الشركات الوهمية اللي مشغلها تحت السلم، والإيميلات القذرة اللي بينه وبين أمه وهما بيخططوا إزاي “يجوعوني ويهدوني لحد ما أمضي على التنازل عن حضانة العيل”.
في رجالة مش بس بتسيبك.. دول بيبنوا ليكي قفص ويسموه “عواقب أفعالك”، وبيتفاجئوا لما تبتدي تعدي قضبان القفص ده وتعرفي تخرجي منه إزاي.
أنا مصوتش، ولا ترجيت حد. أنا نسخت كل رسالة، وطبعت كل كشف حساب، ورتبت كل ورقة بالتواريخ والأيام كأن حياتي واقفة عليها.. وهي فعلاً كانت واقفة عليها.
الساعة 5:12 الصبح، جالي أول طلق حقيقي.. طلق الولادة اللي يهد الجبال.
#حكايات_شروق_خالد
الساعة 5:37، كلمت كريم.. ماردش.
الساعة 5:41، أمه هدى بعتتلي رسالة: “بلاش شغل الشحاتة ده، وماتتمارضي عشان تلفتي انتباهه.. مش هيرجعلك.”
الساعة 5:49، لميت مفاتيحي، وشنطة الولادة، والدوسيه الأزرق.. ونزلت سوقت عربيتي في عز الفجر والضلمة لسه مالي المكان، إيد على الدريكسيون وإيد بتعصر في بطني من الوجع.
كنت بهمس وأنا ببكي عند كل إشارة أحمر: “عشان خاطري يا رب.. عشان خاطري يا ابني امسك نفسك لحد ما نوصل.”
بس هو مأجلش.
أول ما وصلت المستشفى، الممرضة شافت وشي اللي لونه بقى أصفر وبتعرق، جريت جابت كرسي متحرك. فضلت تزقني بسرعة وهي بتجري بيا في الممرات، عدينا على موظف الاستقبال اللي كان بيبصلي ببرود وهو ماسك كشوفات مفيش وقت أقراها ولا أمضي عليها.
الممرضة وهي بتجري بيا سألتني: “محدش جاي معاكي يا مدام؟ فين جوزك؟”
بصيت لشاشة موبايلي الضلمة وقولت بصوت مخنوق: “لأ.. محدش جاي.. أنا وابني وبس.”
الولادة كانت سريعة، صعبة، وبتدبح.. وكنت فيها بطولي.
فاكرة إني كنت دايسة على حديد السرير لحد ما عقل صوابعي ابيضت وخدرت. فاكرة الممرضة وهي بتقولي “اتنفسي يا شيرين.. كبسي واضغطي”. فاكرة إني كنت عاوزه أمي الله يرحمها.. وبعدين افتكرت إنها ماتت، فمبقتش عاوزه حد، لأن الاحتياج للناس في حد ذاته بقى زي الفاتورة الغالية اللي مش هقدر أدفع ثمنها.
لكن.. أول ما ابني صرخ ونزل للدنيا، الأوضة كلها حالها اتقلب.
في اللحظة دي بالذات، الوجع مابقاش هو الحاجة الوحيدة اللي حاسة بيها.
ابني بقى حقيقة..
بقى عايش..
بقى بتاعي أنا وبس!
الدكتور رفعه وهو ملفوف في اللحاف الأبيض، وجاي عشان يحطه على صدري..
بس فجأة.. وعمل حاجة غريبة.
وقف في نص المسافة!
ابتسامة الممرضة اختفت تماماً..
والدكتور بقا يبص لوش ابني بذهول ورعب، كأن الحتة اللحم اللي بين إيديه دي هي الإجابة على سؤال مفيش حد في الأوضة كلها يعرف إنه اتسأل أصلاً!
بصوت متقطع ومبحوح من التعب قولتله: “في إيه يا دكتور؟ ابني ماله؟! أنطق!”
ماردش عليا في الأول..
دمعة نزلت من عينه وسيلت على حرف الكمامة الطبية اللي لابسها.
بعدين رفع عينه وبصلي وهو لسه شايل ابني المولود، وهمس بكلام صدمتني ووقفت الدم في عروقي—
#حكايات_شروق_خالد
—”أنا مش مصدق.. شريف؟! شريف أخويا؟!”
نطقت الاسم والصدمة لجمت لساني. شريف؟ شريف الشناوي، أخو كريم الكبير اللي مات من سبع سنين في حادثة عربية برة مصر؟ الدكتور وشه بقا أبيض زي الملائكة ونزل على ركبه جمب السرير وهو بيترعش، ونزل الكمامة من على وشه.. وبقت الصدمة صدمتين.
الدكتور مكنش حد غريب.. ده كان الدكتور “طارق العوضي”، الصديق الروح بالروح لـ شريف الله يرحمه، والراجل اللي قعد سنين يحقق في الحادثة دي لحده ما قالوا له اقفل المحضر وقيدوها ضد مجهول!
الدكتور طارق بصلي وعينه بتلمع بدموع وذهول: “الواد ده.. الواد ده مش شبه كريم يا شيرين.. الواد ده فيه وحمة شريف اللي في رقبتة، ونسخة طبق الأصل من ملامحه وهو لسه مولود.. أنا اللي مسكت شريف بإيدي لما اتولد! بس المشكلة مش هنا.. المشكلة إن الولد ده فيه مرض جيني نادر جداً في الدم.. مرض مبيتنقلش إلا من جينات الأب مباشرة.. وكريم معندوش الجين ده!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. الغرفة بدأت تلف بيا. “أنت بتقول إيه يا دكتور؟ أنا ملمستش راجل غير كريم! أنت بتقول إيه؟!”
طارق مسك إيدي وقال بسرعة: “أنا عارفك يا شيرين وعارف أخلاقك.. شريف الله يرحمه قبل ما يسافر ويموت، كان شاكك إن أمه وأخوه كريم بيسرقوا شركات العيلة، وكان مخبي ورق خطير.. وقبل ما يسافر، ساب عينة مجمدة في مركز خصوبة كبير برة مصر تحسباً لأي ظروف.. كريم وأمه هدى سافروا وراه وقتها.. شيرين، تفتكري كريم عمل فيكي إيه وأنتي تحت تأثير البنج لما عملتي عملية المنظار السنة اللي فاتت في مستشفى أمه؟!”
في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني.. افتكرت لما الحاجة هدى صممت إني أعمل العملية البسيطة دي في عيادتها الخاصة، وافتكرت البنج التقيل اللي قعدت بسببه نايمة يومين، وافتكرت نظرات الشماتة اللي في عين كريم وأمه لما عرفوا إني حامل، كأنهم كانوا بيرتبوا لمصيبة.. هما مكنوش عاوزين عيل من كريم، هما استخدموا عينة شريف عشان يضمنوا الورث القانوني اللي شريف كاتبه باسم “أولاده المستقبليين”، ولما الخطة كملت، كريم طردني واتهمني في شرفي عشان يربطني بالقض..ية ويخليني أتنازل عن الواد.. فياخدوا الولد بالورث ويرموني أنا في السجن!
بصيت للدوسيه الأزرق اللي تحت كف إيدي.. الدوسيه اللي فيه الحسابات الوهمية لكريم وهدى.. والآن، اللغز كله اتجمع. هما مكنوش بيسرقوا فلوس عادية، هما كانوا بيحاولوا يغطوا على جريمة تزوير واختلاس لثروة شريف!
مسحت دموعي، وبصيت لابني اللي نايم بسلام، وقولت للدكتور طارق وصوتي بقا زي الحديد: “أنا مش هعيط تاني يا دكتور.. الدوسيه ده فيه رقبة كريم وأمه.. والتحليل الجيني اللي هتعمله حالا لابني، هيكون حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبتهم.”
ثمن الغدر: صرخة من الحضانةج1
حكايات شروق خالد