ثمن الغدر: صرخة من الحضانة ج2 حكايات شروق خالد
الدكتور طارق بصلي بجدية تامة، وهز رأسه بالموافقة ومن غير ما يضيع ثانية واحدة، نده على أشطر ممرضة في المعمل وخلاها تسحب عينة دم من ابني وعينة مني، وكتب في خانة المستلم “سري للغاية ومستعجل”.
بصلي وقال بصوت واطي وهو بيعدل الكمامة: “شيرين، التحليل ده هيطلع كمان كام ساعة، بس لحد ما يظهر، كريم وأمه لازم يفتكروا إنهم كسبوا. لو حسوا بأي حاجة، ممكن يهربوا برة البلد بالفلوس اللي سرقوها من شريف.. إحنا لازم نجرجرهم لحد هنا.”
هزيت رأسي وأنا كلي غل ونار قايدة جوايا، بس في نفس الوقت حاسة بقوة غريبة مكنتش فيا من ساعات. مسكت موبايلي، وفتحت الواتساب، وبعت رسالة لكريم.. رسالة واحدة قصيرة: *”الواد اتولد.. تعبان وبيموت في الحضانة، والدكتور بيقول لازم حضور الأب فوراً عشان يوقع على إقرار عملية حرجة.. لو مجيتش، ابنك هيروح منك والورث اللي بتجري وراه مش هتشوف منه مليم.”*
الرسالة مقعدتش دقيقتين وكانت مقرية.. “Seen”.
الساعة بقت 8 الصبح. الدكتور طارق نقلني أوضة خاصة مأمنة، وخلال الساعات دي، جابلي لابتوب وطبعنا كل الإيميلات والتحويلات اللي كانت في الدوسيه الأزرق بتاعي، وربطناها بالتواريخ اللي مات فيها شريف الله يرحمه. الخيوط كلها بقت واضحة زي الشمس: كريم وهدى زوروا توكيل عام باسم شريف بعد وفاته بيومين، ونقلوا الأصول لشركات وهمية، ولما عرفوا إن شريف كاتب في وصيته الرسمية إن أي طفل يتولد من جيل العيلة دي ليه الحق في إبطال كل التصرفات لو ثبت وجود تلاعب، فكروا في الخطة الشيطانية دي.. كانوا عاوزين طفل يحمل جينات شريف عشان يقفلوا بيه القض..ية للأبد، وبعدها يرموني أنا بتهمة الخيانة وياخدوا الولد ويثبتوا ملكيتهم لكل حاجة!
على الساعة 10:30 الصبح، الباب اتفتح فجأة واندفع منه كريم، ووراه أمه الحاجة هدى وهي بتنهج والغل باين في عينها.
كريم دخل وهو بيزعق ويمثل الخوف: “فين الواد؟ إيه اللي حصل؟ إزاي تعبان؟”
هدى قربت من السرير وبصتلي بقرف وقالت: “أخلصي يا شيرين، فين الدكتور اللي عاوز الإمضاء؟ إحنا مش فاضيين للعب العيال ده.”
في اللحظة دي، الباب اتقفل وراهم بقوة.. وبصوا وراهم لقوا الدكتور طارق واقف، وجنبه اتنين رجالة ببدل رسمية، ملامحهم تدل إنهم من جهة سيادية وقانونية تقيلة في البلد.
كريم وشه اتخطف لما شاف طارق: “طارق؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟ وأنت مالك بأقسام الولادة أصلاً؟!”
طارق قرب منه وبص في عينه بكل احتقار وقال: “اللي جابني هنا هو حق شريف يا كريم.. حق أخوك اللي قتلتوه بالبطيء وسرقتوه، وحق مراته اللي كنتوا عاوزين ترموها في السجن وتسرقوا شرفها.”
هدى بدأت تصرخ بصوتها الأجش: “أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟ إحنا هنجيب لكم البوليس يرميكم برة!”
واحد من الرجالة اللي واقفين على الباب طلع كارنيه رسمي وقدم ورقة لكريم وقال ببرود قاتل: “البوليس هنا فعلاً يا حاجة.. ده أمر ضبط وإحضار صادر من النيابة العامة بناءً على البلاغ المقدم من الأستاذة شيرين، ومرفق معاه تقرير مصلحة الطب الشرعي والمعمل الجنائي اللي طلع من ساعة واحدة بس.”
كريم بدأ يترعش وساعته الفضة بدأت تخبط في معصمه من كتر الرعشة: “تقرير إيه؟ وزفت إيه؟!”
طارق رفع في وشهم ورقة التحليل وقال بصوت جهوري هز الأوضة: “تقرير إثبات النسب الطبي والشرعي! الولد اللي جوة الحضانة ده ابن شريف الشناوي بنسبة 99.9%، ويحمل مرض جيني نادر مبيتواجدش في جيناتك أنت أصلاً يا كريم! ومعانا إقرار من مركز الخصوبة الدولي برة مصر بالسرقة والتلاعب اللي حصلت السنة اللي فاتت بالتواطؤ مع مستشفى والدتك!”
شيرين قعدت على السرير، وبصيت لكريم وأمه وهما بيقعوا من طولهم، والكلابشات الحديدية بتتقفل على إيديهم. هدى كانت بتبصلي وعينها طالع منها شرار وبتصرخ: “والله ما هسيبك يا شيرين.. هقتلك!” وكريم كان بيبكي زي العيال الصغيرة وبيقول: “أمي هي السبب.. هي اللي خططت لكل حاجة!”
الرجالة سحبوهم برة الأوضة وصوت صريخهم بدأ يختفي في ممرات المستشفى وسط ذهول الممرضات والدكاترة.
الأوضة رجعت هادية تاني.. هادية تماماً.
الدكتور طارق بصل شيرين وابتسم بدموع: “الحمد لله يا شيرين.. حق شريف رجع، وحقك وحق ابنك بقوا في أمان. الشركات والأملاك كلها هترجع تحت حراسة قانونية باسم ابنك.”
هزيت رأسي وأنا ببتسم لأول مرة من شهور. الممرضة دخلت وفي إيدها اللحاف الأبيض، وحطت ابني في حضني. بصيت لوشه الصغير، لملامحه اللي شبه عمه شريف الراجل المحترم اللي مات مظلوم، وشميت ريحته.
مبقاش في خوف، ومبقاش في إشارات حمراء تخليني أترعش. أنا مبقتش لوحدي.. أنا معايا ابني، ومعايا حقي، ومن اليوم ده.. مفيش مخلوق هيقدر يكسرنا تاني.
ثمن الغدر: صرخة من الحضانة ج2
حكايات شروق خالد