دقات تحت الأرض ج2 حكايات شروق خالد

بعد ما نجلاء اتمسكت والكلابشات اتلمت على إيدها، الشقة فضيت تماماً، بس ريحة الخوف والوجع كانت لسه مالية المكان.
حسن ومروة مكنوش قادرين يقعدوا في المستشفى دقيقة واحدة من غير ما يفهموا إزاي طفل عنده 7 سنين عاش 10 شهور كاملين في جحر تحت الأرض ومحدش حس بيه. الدكتور طارق، اللي كان ماسك حالة زين في المستشفى، دخل الأوضة وبص لحسن ومروة بأسى وقالهما: “الحمد لله، حالة زين بدأت تستقر.. الجفاف اللي عنده بنعالجه بمحاليل، وجسمه بدأ يستجيب. بس أنا لازم أقول لكم على حاجة غريبة جداً.”
حسن وقف بسرعة وقلبه بيدق: “في إيه يا دكتور؟ ابني ماله؟”
الدكتور طارق طلع تقرير طبي وقاله: “الولد لما سحبنا منه عينات دم، لقينا نسبة عالية جداً من مادة مخدرة ومنومة بتشتغل على الجهاز العصبي ببطء. نجلاء مكنتش بس بتنزله أكل.. نجلاء كانت بتحط له المنوم ده في العصير والمية عشان يفضل نايم أطول وقت ممكن، وميطلعش منه أي صوت طول النهار والجيران موجودين أو لما حد يجيلها الزيارة. الولد مكنش بيفوق غير بالليل متأخر في الساعات اللي هي لوحدها فيها، وعشان كده فريدة سمعت الدقات بالليل.”
مروة حطت إيدها على بوقها وبقت تبكي بحرقة: “يا حبيبي يا ابني.. يعني كان عايش متخدر طول الشهور دي؟!”
في نفس اللحظة، الباب خبط ودخل ظابط المباحث اللي ماسك القض..ية، ومعاه فايل ورق وبص لحسن وقال: “يا أستاذ حسن، إحنا فتشنا شقة نجلاء حتة حتة بعد ما نقلناكم هنا، ولقينا ورا الدولاب في أوضة نومها خزنة صغيرة فتحناها.. ولقينا فيها بلاوي.”
الظابط طلع ورق وعقود متبهدلة، وبص لحسن بكدر: “أختك مكنتش بتلعب لوحدها، ولا الحكاية حكاية شقة المطرية بس. نجلاء كانت مديونة بملايين لمعارض عربيات وشركات عقارات برة، وكانت واخدة الفلوس دي بضمان البيت الكبير بتاع والدك الله يرحمه بعد ما زورت توقيعك على عقود بيع ابتدائية. ولما الشركات بدأت تضغط عليها عشان الحبس، مكنش قدامها حل غير إنها تطفشك من الدنيا وتخليك تبيع البيت بأي ثمن عشان تسدد وتنقذ رقبتها، وهي اللي لفت ورا الخاطفين ودفعت لهم عشان يجروا الواد من قدام باب الشقة في المطرية!”
حسن ساند ضهره على الحيطة، حاسس إن الدنيا كلها بتلف بيه. أخته.. من دمه ولحمه، خانت الأمانة، وزورت، وسرقت، وخربت بيته، وحرمت أم من ابنها، كل ده عشان الفلوس والمظاهر الكدابة وشقتها الفخمة في التجمع!
الظابط طبطب على كتف حسن وقال: “المهم دلوقتي إن الولد رجع، ونجلاء اعترفت بكل حاجة في النيابة تحت ضغط الأدلة وتقرير الطب الشرعي، وهتتحاكم بتهمة الخطف، والتعذيب، والتزوير، وجنايتها مش هتقل عن المؤبد. العقود المزورة كلها باطلة، وحقك وحق بيتك في أمان.”
بعد ما الظابط مشي، حسن قرب من السرير. زين فتح عينه براحة، وبص لأبوه وأمه.. ولأول مرة من 10 شهور، الضحكة رجعت لوشه الصغير. مد إيده الضعيفة ومسك إيد أخته فريدة وقال بصوت واطي: “أنا مش سقعان دلوقتي يا فريدة.. البطانية دي دافية أوي.”
مروة اترمت في حضنه وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت، وحسن ضمهم كلهم لحضنه.
الشر كان قاسي، والجرح اللي سابته نجلاء هيفضل معلم في قلوبهم طول العمر.. بس في اللحظة دي، وسط دموع الفرحة ولمة العيلة اللي رجعت كاملة، حسن عرف إن مفيش أي قوة في الدنيا تقدر تكسر عيلة، طول ما في قلبها أب بيموت عشان ولاده، وأم مبتفقدش الأمل، وأخت صغيرة سمعت بقلبها صوت أخوها من تحت الأرض.

حكايات شروق خالد

مرت الأسابيع، وزين خرج من المستشفى ورجع لبيته في المطرية. البيت اللي نجلاء كانت عاوزة تاخده وتبيعه عشان تسدد ديونها، بقى هو المكان الوحيد اللي زين حاسس فيه بالأمان.
حسن رفض يبيع أي حاجة، وقرر يرمم البيت القديم من جديد. شالوا كل حاجة تفكرهم بالماضي، ومروة فرشت لزين وفريدة أوضة جديدة مليانة ألوان وألعاب، عشان تنسيهم أيام الضلمة والبرد.
في يوم، وحسن قاعد في الصالة بيشرب الشاي ومروة جمبه، دخلت فريدة وهي ماسكة إيد أخوها زين، وكانوا بيضحكوا من قلبهم. زين وشه رجع ينور تاني، وجسمه بدأ يسترد عافيته وصحته، ومابقاش يخاف من النور ولا يتفزع وهو نايم.
فريدة قعدت جمب حسن وحطت راسها على رجله وقالت:
* بابا.. أنا وزين كنا بنلعب في الأوضة، وزين قالي إنه خلاص مابقاش يسمع أصوات وحشة وهو نايم.
حسن طبطب على شعرها وبص لزين اللي قرب منه وحضنه:
* بفضل ربنا يا قلب بابا.. ثم بفضلك أنتي.. أنتي اللي أنقذتي أخوكي يا فريدة.
مروة دمعت من الفرحة وقالت: “سبحان الله يا حسن، ربنا جعل العيلة دي تتجمع تاني بسبب قلب طفلة صغيرة حس بأخوها.. نجلاء كانت فاكرة إنها دفنت سرها تحت الأرض، ونسيت إن عين ربنا مبتنامش.”
حسن اتنفس براحة لأول مرة من شهور طويلة، وبص لعيلته وقال بصوت كله يقين: “الحمد لله.. المحكمة حكمت على نجلاء بالمؤبد، وكل العقود المزورة اتقطعت، والبيت ده هيفضل باسم أولادي.. الشر لفه طويل بس في الآخر بيقع في الحفرة اللي حفرها، والحق هو اللي بيفضل على الوش.”
زين مسك إيد أبوه وأمه وقال بابتسامة صافية:
* أنا بحبكم أوي يا بابا.. ومش هسيبكم تاني أبداً.
وفي اللحظة دي، حسن ومروة عرفوا إن الكابوس انتهى بجد، وإن الضحكة اللي ملو الشقة دلوقتي هي البداية الجديدة لحياة هادية ودافية، مفيهاش خوف، ولا غدر، ولا ضلمة.

​دقات تحت الأرض

ج2

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *