حكايه السطوح الجزء الاول حكايات صافي هاني
بنتي اللي عندها ست سنين كانت بتموت من الجوع والتلاجة مليانة خير. كنت أغرف لها الأكل ومترضاش تأكل. كانت بتخبي الأكل تحت السرير ملفوف في مناديل، وتصحى الصبح ملاقيهوش… بس هي لسه جعانة، وكل يوم تخس عن اليوم اللي قبله، وخدودها خست خالص. افتكرت عندها حاجة، عيا، ميكروب في بطنها. أخدتها ورحت لدكتور التأمين الصحي وقالوا لي إنها سليمة. سليمة وعندها سوء تغذية! حاجة متدخلش العقل. لحد ما في ليلة رفعت المرتبة عشان أنظف وشفت حتة عيش معضوضة. وعلامة السنان مكنتش سنانها. دي كانت سنان أصغر بكتير.. أصغر من سنان بنتي اللي عندها ست سنين!
لازم أحكيلكم كنا عايشين إزاي عشان تفهموا.
أنا بشتغل طول اليوم في صيدلية. ومن ساعة ما أبو مريم سابنا، أمي جت عاشت معانا. الحاجة فاطمة.. هي اللي كانت بتربي بنتي، بتسرح لها شعرها، وتأكلها. أمي ربتني أنا وأختي لوحدها. من الستات البركة اللي تخلق من الفسيخ شربات وتخلي البيت مليان خير. دايماً تطبخ بزيادة. رغم إننا تلاتة، كانت تغرف أربع أطباق. وتقول: عشان لو حد جه فجأة، ده رزق ربنا ولله. مريم بنتي كانت بتموت فيها، لزقة فيها زي العسل. وفي مرة مريم رسمت العيلة في الحضانه. رسمتنا احنا التلاتة.. وفي الكورنر كدة، صغنن خالص، رسمت ولد. سألتها مين ده؟ قالت لي: ده سر يا ماما. افتكرته صديق خيالي وعديت الموضوع.
اللي مقولتلكوش عليه إن كان عندي أخت.. شيماء. سافرت برة من حوالي ست سنين وانقطعت أخبارها تماماً. أمي عمرها ما جابت سيرتها تاني بعد كده، ولا عمرها ردت على التليفون، ولا حتى كلمتنا في العيد.
الحاجات الغريبة بدأت تظهر بالراحة.
الأول، مريم مبقتش عايزة تنام على سريرها. كانت تصحى نايمة على الأرض، لازقة في الحيطة اللي في الآخر خالص. كانت تقول لي: أنا هنا قريبة أكتر. قريبة من إيه؟ وفي ليلة قمت أشرب وسمعت صوتها بتتكلم لوحدها في الأوضة بصوت واطي جداً. حطيت ودني على الباب وسمعتها بتقول: متعيطش بقى.. بكرة هجيبلك تاني. استحمل شوية. جسمي قشعر.. سميت الله وفتحت الباب.. لقيتها قاعدة لوحدها على الأرض وباصة للحيطة! في يوم تاني رفعت المرتبة.. الأكل مكنش موجود.. بس لقيت فردة شراب عيل صغير، رمادي وقديم، مش بتاع مريم خالص! أنا عمرى ما اشتريت الشراب ده. مسكتها من كتافها براحة: يا حبيبتي، إنتي بتودي الأكل ده لمين؟ جسمها بدأ يترعش، ووشها اصفّر زي الليمونة.. وقالت لي كلمة لسه بترن في ودني: لو اتكلمت، تيتة بتقول إنهم هياخدوه.. ولو أخدوه، هيموت.
تيتة؟ أمي أنا؟!
من هنا بدأت أربط الخيوط. باب أوضة السطوح.. الأوضة اللي دايماً مقفولة، واللي أمي دايماً تقول عليها بتسرب مية ومفيهاش حاجة، متطلعيش هناك. أمي كانت شايلة المفتاح في جيب عبايتها طول اليوم، حتى وهي نايمة! وعلى السلم بتاع السطوح، لقيت طبق متغطي بطبق تاني.. رفعته.. كان ممسوح مسح، كأن اللي أكل منه كان هيموت من الجوع.
الليلية دي منمتش. استنيت لما أمي نامت وسحبت المفتاح من جيب عبايتها. إيديا كانت بتموت من الرعب. طلعت السلم حافية، لكن أمي حصلتني في الضلمة.
انزلي من هنا.
#حكايات_صافي_هاني
إيه اللي فوق يا أمي؟
حاجة ماتخصكيش.
يا أمي.. إيه اللي مستخبي فوق؟!
مسكتني من دراعي جامد.. وقالت لي بهدوء يرعب جمد الدم في عروقي: لو فتحتي الباب ده.. هتموتيه بإيدك! سمعاني؟ الولد ده هنا في الأوضة دي أمان ليه أكتر من أي حتة في الدنيا برة.
شديت دراعي منها، وطلعت جري. حطيت المفتاح في القفل.. مكنش راضي يدخل من كتر ما إيديا بتترعش، وأمي بتصرخ ورايا تحت: لأ يا بنتي لأ!. وأخيراً المفتاح لفّ.. تكة القفل طلعت زي ضربة رصاص في ودني. زقيت الباب وفتحته.. واللي شفته جوة الأوضة دي كان أغرب من الخيال وصدمني صدمة عمري كلها.
#حكايات_صافي_هاني
يتبع ❤❤❤❤🔥🌹🌹🌹🌹🌹
اللمبة الصفرا الصغيرة اللي كانت منورة في نص الأوضة كانت بترعش، والريحة جوة كانت مزيج من لبن الأطفال المغلّي وبخور قديم. في كورس كنب مكسور في آخر الأوضة، كانت قاعدة ست.. ضهرها ليا، وشعرها الأبيض نازل على كتافها ومتبهدل. لما الباب اتهز، لفت راسها بالراحة.. مكنتش أختي شيماء، دي كانت واحدة تانية خالص، بس الملامح مش غريبة عليا.
وفي حضنها.. كان فيه عيل صغير، خاسس جداً، وعينيه واسعة ومرعوبة، لابس فردة الشراب الرمادي التانية!
الست دي أول ما شافتني، كتمت نفس الولد بإيدها وصوتها طلع مخنوق وهي بتترعش: “متاخدهوش مني.. أمك قالت لي هنا أمان.. أمك قالت لي الحكومة مش هتوصلنا هنا!”
في اللحظة دي، أمي طلعت ورايا، ووشها غرقان دموع. زقتني جوة الأوضة وقفلت الباب علينا وقالت بصوت مكسور: “دي شيماء يا بنتي.. دي أختك.. بس مش شيماء اللي سافرت!”
أنا وقفت متسمرة مكاني، ببص للست اللي ملامحها متغيرة من التعب والعيا، وببص للطفل اللي مريم بنتي كانت بتاخد من لقمة بؤها عشان تأكله من تحت السرير. أمي قربت من الست وأخدت الولد في حضنها وهي بتبصلي وبتقول: “أختك مسافرتش برة مصر يا بنتي.. أختك كانت هربانة، والطفل ده مش ابنها.. ده ابن…”
وفجأة، وقبل ما أمي تكمل الكلمة، سمعنا صوت خبط رزع عنيف على باب الشقة تحت، وصوت سرينة بوليس قريبة جداً بتلف حوالين البيت!