اسرار خلف الكرفته الجزء الثالث حكايات شروق خالد

العربية المصفحة كانت راجعة للتجمع الخامس، بس الجو جوة مكنش زي النزلة. الرعب اللي كان كاتم على نفس عبير سنة كاملة اتبخر، وحل محله هدوء حذر، كأنها لسه مش مصدقة إن الكابوس انتهى بتكة زرار على اللاب توب.
إياد كان باصص من الشباك، بيراقب أضواء الطريق الدائري، وساند إيده المصابة على مسند الكرسي. فجأة التفت ليها وقال بنبرة هادية بس واضحة:
“أول حاجة هنعملها الصبح، الورق بتاع أخوكي “أحمد” هيتظبط. جلال نقله شقة تمليك في المعادي، شقة متأمنة ورجالي حواليها 24 ساعة. ومن بكرة، مفيش حد اسمه عبير السنتريسي هربانة.. بكرة هتنزل ليكي بطاقة جديدة، باسمك الحقيقي، ووظيفتك الجديدة.”
عبير سكتت لثواني، وبعدين بصتله وقالت: “أنت بتعمل كل ده عشان الكرافتة يا إياد بيه؟ ولا عشان الورق اللي على الفلاشة يساوي مليارات؟”
إياد ضحك ضحكته الجافة اللي بتملى المكان هيبة: “البيزنس ميهمنيش فيه الفلوس يا عبير، الفلوس بتيجي وتتنطط تحت رجلي.. أنا يهمني (الولاء) و(الدماغ). وأنتي في عشر دقايق شغلتي دماغك ووفرتي عليا حرب كانت هتاكل الأخضر واليابس. أنا بشتري الدماغ اللي تحميني، مش اللي تخدم عليا.”
العربية دخلت بوابة الكومباوند، ووقفت قدام القصر. الساعة كانت دخلت على 4 الفجر.
أول ما نزلو، جلال جيري على إياد وهمس في ودنه بكلمتين.. ملامح إياد اتقلبت وعينيه اسودت تاني. التفت لعبير وقالها: “اطلعي على جناحك ارتاحي.. أنا عندي مشوار صغير في المخزن تحت.”
عبير رجليها وقفت. المخزن.. يعني شريف وتوفيق.
من غير ما تفكر، قالت بقوة: “أنا نازلة معاك.”
إياد بص لها باستغراب: “المناظر اللي تحت مش بتاعة دكاترة ومراجعين حسابات يا عبير.. خليكي فوق.”
“أنا شوفت بيتي وهو بيتحرق يا بيه، وشوفت أخويا والدموع في عينيه من الرعب. شريف وتوفيق مش بس خانوك أنت.. دول كانوا الأدوات اللي رأفت استخدمها عشان يكسرني. أنا ليا حق تحت لازم أشوفه وهو بيرجع.”
إياد درس ملامحها لثواني، وهز راسه بالموافقة: “وريثة جينات طنطا مابتخافش.. تمام، ورايا.”
نزلوا السلالم الضلمة المؤدية للمخزن اللي تحت الأرض. الباب الحديد اتفتح بصوت مزعج.. وجوة، كان شريف كامل مربوط في كرسي خشب، هدومه متبهدلة دم، ووشه عرقان وخايف. وفي الركن التاني، كان توفيق السواق قاعد على الأرض وبيموت من الرعب.
أول ما شريف شاف عبير داخلة جنب إياد ببدلتها الجديدة، عينيه وسعت من الصدمة: “إياد بيه.. والله رأفت اللي ضحك عليا! هو اللي قالي إياد بيموتك بالبطيء ومش مديك حقك! أنا لحم كتافي من خيرك يا باشا!”
إياد مقربش منه.. وقف على بعد مترين، وحط إيديه في جيوبه وبرود الدنيا كله في وشه: “لحم كتافك من خيري، وكنت عايز تطير راسي عشان تاخد كام مليون من رأفت؟”
شريف بص لعبير وبدأ يصرخ بهستيريا: “انتي السبب! انتي الحرباية اللي دخلت البيت وخرّبت كل حاجة! لو كنت صفتك من الأول في طنطا مكنش ده حصل!”
عبير قربت خطوتين.. مكنتش خايفة. بصت لشريف في عينيه وقالت بمنتهى التشفي والهدوء: “أنا مخرّبتش حاجة يا شريف.. أنت اللي طمعك عماك. وأهو رأفت المغربي اللي بعتني عشان تصفيني، دلوقتي راكب طيارة مطرود برة البلد، وكل أملاكه بقت باسم إياد الألفي.. يعني أنت اتوسخت وضيعت نفسك ببلاش.”
شريف راسه اتدلت لورا وهو مش مصدق.. رأفت طار؟ والبيزنس كله ضاع؟
إياد شاور لجلال وقال بصوت حاسم زي السيف: “شريف وتوفيق هيتسلموا بكرة الصبح لنيابة أمن الدولة.. ومعاهم التسجيلات والاعترافات وكل العقود المضروبة. مش عايز أسمع اسمهم تاني في البيت ده.. امسحوهم من الذاكرة.”
خرجوا من المخزن، وطلعوا للجنينة الواسعة. النور بتاع الفجر بدأ يظهر في السما، والجو كان منعش ونظيف.
إياد وقف ورفع عينه للسما، وأخد نفس طويل، وبعدين بص لعبير: “بكرة الساعة 12 الضهر، هتبقى أول قعدة ليكي في مكتبك الجديد في الشركة.. جهزي نفسك عشان رأفت ساب وراه تركة مقاولات محتاجة تتغربل، ومفيش غربال أضيق من عينيكي يا عبير.”
عبير ابتسمت بثقة، وعدلت ياقة جاكيتها: “من بكرة يا باشا.. الشغل الحقيقي هيبدأ، والفلوس اللي دخلت من تحت الترابيزة، هترجع كلها فوق الترابيزة وبالمقاس.”
إياد ضحك، ولأول مرة يمد إيده ويطبطب على كتفها بامتنان حقيقي: “تصبحي على خير يا دكتورة.”
“وأنت من أهله يا إياد بيه.”
عبير طلعت جناحها، بصت من الشباك على الكومباوند اللي كان من كام ساعة بس بيخوفها بأسواره العالية.. دلوقتي الأسوار دي مبقتش سجن مستخبية وراه.. بقت حصن هي بتديره من فوق، مع الراجل اللي هز البلد كلها، وبقت هي.. دراعه اليمين الجديد.

حكايات شروق خالد

شمس الصبح طلعت ونوّرت قصر إياد الألفي، بس النور المرة دي مكنش قابض للقلب زي كل يوم.. كان فيه روح جديدة.
الساعة دقت ١١ الصبح. عبير كانت واقفة قدام المراية الطويلة في جناحها، بتراجع على شكلها الأخير. البدلة الفورمال الكحلي كانت مظبوطة عليها بالشعرة، وشعرها ملموم ورا برقي يعكس شخصية تانية خالص غير الشغالة اللي كانت بتتحرك في الممرات مستخبية من خيالها.
الباب خبط خبطتين خفاف، ودخل جلال وهو شايل شنطة جلد فخمة ومعاها ظرف مقفول.
“صباح الخير يا دكتورة عبير،” جلال قالها باحترام شديد وتقدير واضح. “إياد بيه مستنيكي في العربية برة.. والظرف ده قالي أسلمهولك في إيدك قبل ما ننزل.”
عبير خدت الظرف وفتحتة.. قلبها دق بسرعة لما شافت اللي جواه. بطاقة رقم قومي جديدة، طالعة من السجل المدني بأعلى توثيق، ومكتوب فيها اسمها الحقيقي: **عبير أحمد السنتريسي**، والوظيفة: **المستشار المالي التنفيذي لمجموعة الألفي للاستثمار**. وتحت البطاقة كان فيه كارنيه الشركة، ومفتاح عربية مرسيدس زيرو زرقاء واقفة في الجنينة برة.
ابتسمت عبير، وحست إن الروح ردت فيها تالت ومتلت. شالت الشنطة الجلد، وحطت فيها اللاب توب والفلاشة، ونزلت السلم بخطوات واثقة مسموعة، لأول مرة مابتتسحبش زي الشبح.
في الجنينة، إياد كان واقف جنب العربية المصفحة، لابس نظارته الشمسية، وبيشرب قهوته الصبح بروقان مظهرش عليه من سنين. لمحها وهي نازلة، ونزل النظارة سنة صغيرة وبص لها بإعجاب:
“أهو ده الوش اللي ينفع يكسر عين أي حد يفكّر يقف قدام مجموعة الألفي. جاهزة؟”
“جاهزة يا باشا، ومستعدة لكل الحسابات المفتوحة،” ردت عبير بثقة وهي بتركب جنبه في الكنبة الورانية.
العربية جرت بيهم على المحور، ودخلت منطقة الشركات في التجمع الخامس.. وقفت قدام برج زجاجي عملاق مكتوب عليه بحروف من ذهب (مجموعة الألفي القابضة).
أول ما إياد دخل ومن جنبه عبير، الموظفين كلهم وقفوا انتباه.. الهمس بدأ يشتغل بين المكاتب: “مين البنت دي اللي ماشية جنب البناين والباشا نفسه مديها برستيج عالي كدة؟ فين شريف كامل؟”
إياد مأداش حد فرصة يستنتج. وقف في وسط الصالة الرئيسية وقال بصوت جهوري هز المكان:
“يا جماعة.. اسمعوني كويس. من الليلة دي، الأستاذ شريف كامل مبقاش ليه أي صلة بالمجموعة، ومكتبه اتقفل تماماً. وأحب أقدم لكم الدكتورة عبير السنتريسي.. المستشار المالي التنفيذي والنايب بتاعي في أي قرار يخص حسابات ومناقصات الشركة. كلامها سيف على رقبة الكل، والتقرير اللي هي هتمضي عليه، كأني أنا اللي مضيت عليه بالظبط.. مفهوم؟”
الكل انحنى برؤوسهم: “مفهوم يا فندم.. مفهوم يا باشا.”
إياد أخد عبير وطلعوا على الدور الأخير، ودخلها مكتبها الجديد.. مساحته كانت واسعة جداً، شاشات عرض عملاقة كاشفة البورصة والسوق، ومكتب خشب أبنوس فخم.
“سيبك بقى من المظاهر دي كلها، وتعالي للجد،” إياد قالها وهو بيقعد على طرف المكتب ويحط قدامها ملف ضخم جداً باللون الأحمر. “دي أوراق التنازل اللي رأفت المغربي مضاها امبارح في العاصمة الإدارية.. شركات المقاولات بتاعته، والمصانع، والمناقصات اللي كان واخدها من الدولة.. كل ده بقى ملكنا قانوناً من الساعة ٩ الصبح. بس شريف كامل مكنش شغال لوحده جوه شركتنا.. شريف كان ليه رجالة ورقة في الحسابات هنا هما اللي بيسربوا له الأرقام.. وأنا عايز الرؤوس دي تتقطع قبل نهاية اليوم.”
عبير قعدت على كرسيا الجلد المريح، سحبت الملف، وفتحت اللاب توب بتاعها، وعينيها تحولت لكتلة من الذكاء الحاد: “اديني تلات ساعات بالظبط يا إياد بيه.. هعمل مطابقة بين الأرقام اللي شريف هربها، وبين الدفاتر القديمة.. وهطلعلك الأسامي بالرقم القومي والتحويلات البنكية.”
“معاكي لحد الساعة ٤.. وعايز أشوف الإبداع،” إياد قالها وساب الأوضة وقفل الباب.
عبير بدأت تشتغل.. غابت عن الدنيا تماماً. صوابعها بتتحرك على الكيبورد، وعينيها بتراجع السجلات الوهمية.. الشغلانة دي لعبتها، والحسابات الملتوية هي الوحيدة اللي بتعرف تفك خيوطها زي ما بتفك عقدة الكرافتة.
الساعة جت ٣:٤٥ العصر.
الباب اتفتح، ودخل إياد ووراه اتنين من أعضاء مجلس الإدارة الكبار في السن، والواضح على وشوشهم القلق.
إياد بص لعبير: “ها يا دكتورة؟ الوقت خلص.. وصلتي لحاجة ولا شريف كان دافن ورقه كويس؟”
عبير وقفت، وأخدت الملف وبمنتهى الهدوء حدفته على الترابيزة قدام أعضاء مجلس الإدارة، وبصت لواحد منهم كان عجوز ولابس نظارة طبية ووشه بيجيب ألوان:
“شريف مكنش دافن حاجة يا إياد بيه.. شريف كان بياخد الأوامر والأرقام من الأستاذ (مدحت الهواري) مدير قطاع الحسابات والمراجعة اللي قاعد قدامك ده.. الأستاذ مدحت بقاله سنتين بيعمل تسويات وهمية لشركات رأفت المغربي، والعمولة كانت بتنزل في حساب ابنه اللي بيدرس بره مصر.. اتفضل يا باشا.. دي كشوفات الحسابات الموازية اللي طلعتها حالا من السيرفر الرئيسي للشركة.”
مدحت الهواري ركبه سابت، وبص لعبير برعب: “انتي بتقولي إيه يا بنتي؟ أنا شغال هنا مع أبو إياد بيه من ٢٠ سنة! انتي جاية تخربي بيتنا؟”
إياد مقالش ولا كلمة.. قرب من مدحت، قلع النظارة الشمسية، وبص له بنظرة خلت الراجل العجوز يتمنى الأرض تنشق وتبلعه:
“بقالي سنة بخسر مناقصات وبقول السوق نايم.. وأنت وأبوك وشريف بتبيعوني لرأفت المغربي؟ الـ ٢٠ سنة اللي عشتهم في خيري يا مدحت، هتقضي قصادهم ٢٠ سنة في زنزانة ضلمة تفتكرهم فيها.”
إياد شاور للحراس: “سلموه للرجالة برة.. يلحق صاحبه شريف في النيابة.”
بعد ما الأوضة فضيت، إياد لف ضهره وبص لعبير.. ونظرة الفخر والذهول في عينيه كانت متتوصفش. قرب منها ومد إيده:
“أنا رسميًا بعلن.. إن مجموعة الألفي بقت في أمان طول ما أنتي قاعدة على الكرسي ده.. حقك وحق أخوكي أحمد رجع بالكامل.. وأحمد كلمني من شوية وبيشكرك وعايز يشوفك.”
عبير عينيها دمعت من الفرحة، بس المرة دي دموع نصر مش دموع خوف: “أنا اللي بشكرك يا إياد بيه.. أنت اديتني الفرصة إني أقف على رجلي تاني.”
إياد ابتسم، وبص للكرافتة بتاعته وقال بضحكة من قلبه: “الفرصة أنتي اللي صنعتيها يا عبير.. لما وقفتي في الممر ومخوفتيش من الموت.. يلا بينا.. أحمد مستنينا على الغدا في مكان هادي.. والبلد دي كلها من الليلة دي هتعرف إن اللعب مع إياد الألفي ومستشارته.. تمنه غالي قوي.”
وخرجوا الاثنين من المكتب، والبرج كله كان باصص لهم.. الشغالة المخفية بقت الملكة اللي بتدير حسابات المليارات، والكابوس القديم اتقفل للأبد.. وبدأت قصة جديدة لـ “عبير السنتريسي” في سوق حيتان القاهرة.
**تمت القصة بنجاح ونهاية سعيدة.**

أسرار خلف الكرافتة

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *