اسرار خلف الكرفته الجزء الثاني حكايات شروق خالد

إياد وطى مسك الفلاشة من على الترابيزة، حطها في جيب بدلتة الداخلي، ولف وشه للحراس وهو بيشاور على شريف اللي كان سايح في دمه على الأرض وبيصرخ من الوجع.
“شيلوا الكلب ده.. انزلوا بيه على المخزن جمب توفيق، ومحدش يلمس فيه شعرة لحد ما أرجع. عايزة حي، وواعي لكل كلمة هتحصل مع صاحب عمره الليلة دي.”
الحراس سحبوا شريف وهو بيتوعد ويهدد، وصوته بدأ يختفي بالتدريج لحد ما باب الصالون اتقفل. المكان رجع فيه الهدوء المرعب تاني، ومبقاش فاضل غير إياد وعبير.. ونقط الدم اللي مغرقة السجادة الإيراني.
إياد التفت لعبير، عينيه كانت بتقراها زي كتاب مفتوح. مشي خطوتين ووقف قدامها بالظبط، لدرجة إنها حست بهيبته اللي بتخنق الأوكسجين في الأوضة.
“عبير السنتريسي..” نطق اسمها بالراحة كأنه بيتذوقه. “الشبح اللي قالب سوق المقاولات في الغربية بقاله سنة، والكل بيدور عليه.. تطلع هي البنت الهادية اللي بتعملي القهوة مظبوط وبتلمع الخشب؟”
عبير حاولت تحافظ على ثباتها، رفعت راسها وقالت: “المكان اللي مبيظهرش فيه غير الهدوء، هو أحسن مكان تستخبى فيه من العاصفة يا إياد بيه. بس الظاهر إن عاصفتك أنت كانت أكبر من حساباتي.”
إياد ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها مكر ذئب عجوز: “أنا مفيش عاصفة بتهزني يا عبير.. أنا العاصفة. رأفت المغربي فاكر إنه لما يشتري شريف وتوفيق يبقى ملك اللعبة. شريف كان فاكر إني نايم على وداني، وميعرفش إني كنت سايبه يتحرك عشان يربط الحبل حولين رقبة رأفت بإيده.”
بص في ساعته، كانت عقاربها بتتحرك بسرعة نحو ميعاد الاجتماع.
“دلوقتي رأفت قاعد في برج فاخر في العاصمة الإدارية، مستني شريف يكلمه يقوله (تمت العملية وإياد الألفي بقا تاريخ)، عشان يدخل الاجتماع ويمضي على عقود الاستحواذ وهو حاطط رجل على رجل.” إياد رجع خطوة لورا وصوته بقى حاد زي الموس: “بس إحنا مش هنخليه يستنى كتير.. إحنا رايحين العاصمة حالا.”
عبير اتوترت وقالت بسرعة: “إحنا مين؟ أنا ماليش دعوة بالبيزنس بتاعكم يا بيه.. أنا كل اللي عايزاه حقي، وحق أخويا اللي رعبوه، وآمن نفسي برة البلد دي.”
إياد مسك التليفون المشفر بتاع شريف من على الترابيزة وحدفه في إيدها، عبير لقطته بذهول.
“أنتي بقيتي في قلب المعركة من اللحظة اللي ربطتيلي فيها الكرافتة يا عبير.” إياد قالها وهو بيلبس جاكيت بدلتة ويظبته. “الفلاشة اللي معاكي دي فيها أرقام الحسابات والشركات الوهمية اللي رأفت مشغلها، بس أنتي الوحيدة اللي عارفة فك الشفرة بتاعتها.. أنتي اللي هتقعدي معايا في الاجتماع ده بصفتك المستشارة المالية الجديدة لشركات الألفي.”
عبير بصت للتليفون وبصتله: “أنت مجنون؟ رأفت المغربي لو شافني هيعرفني في ثانية! ده قالب عليا الدنيا!”
إياد قرب منها وشاور بصباعه على عينيها: “رأفت المغربي هيتأكد الليلة دي إن اللي يلعب مع إياد الألفي، بيموت بالبطيء. هتدخلي معايا، ورأسك مرفوعة، والملفات دي هتتفتح قدامه على الترابيزة.. هتاخدي حقك وحق أخوكِ تالت ومتلت، وأنا هاخد السوق كله في جيبي.”
قبل ما عبير تنطق بكلمة، إياد نده بصوت جهوري: “يا جلال!”
دخل حارس من الحراس الثقاة بتوعه: “أؤمر يا باشا.”
“تكلم المعرض حالا، يبعتوا طقم فورمال كامل يليق بمستشارة مالية على جناح القصر هنا.. قدامكم عشر دقايق بالظبط. والعربيات المصفحة الاحتياطية تجهز في الجنينة الخلفية، هنمشي من غير شوشرة ومن طريق حزام نظيف.”
جلال انحنى: “مفهوم يا فندم.”
إياد بص لعبير وقال بنبرة مفيهاش مجال للنقاش: “قدامك عشر دقايق تِقلعي فيهم ثوب الشغالة، وتلبسي ثوب عبير السنتريسي اللي رعبت حيتان طنطا.. أنا مستنيكي في العربية تحت.”
سابها وخرج، والخطوات بتاعته كانت ثابتة لدرجة تهد جبال.
بعد عشر دقايق بالظبط..
باب القصر اتفتح، وخرجت منه عبير.. بس مكنتش عبير بتاعة الصبح. كانت لابسة بدلة سوداء فورمال أنيقة جداً، شعرها اللي كان مستخبي ورا الطرحة بقى ملموم لورا بثقة، وعينيها فيها نظرة تحدي وذكاء مرعب. نظرة شخص مابقاش عنده حاجة يخسرها.
إياد كان قاعد في الكنبة الورانية للعربية المصفحة الجديدة، لمجرد ما شافها داخلة وركبت جنبه، عينيه لمعت بإعجاب شديد.
العربية اتحركت بسرعة الصاروخ في شوارع التجمع الخامس، متجهة لطريق السويس ومنه للعاصمة الإدارية الجديدة. الطريق كان ضلمة وهادي، بس الجو جوة العربية كان مشحون بالتوتر.
عبير كانت بتفتح اللاب توب بتاع إياد، وبدأت تحط الفلاشة وتشتغل بسرعة رهيبة، صوابعها كانت بتتحرك على الكيبورد كأنها بتعزف سيمفونية دمار.
“لقيت إيه؟” إياد سألها وهو عينه على الطريق.
عبير لفت الشاشة ناحيته، والضوء الأزرق عكس على وشها: “رأفت المغربي مش بس بيغسل أموال يا إياد بيه.. شريف كامل كان بينقل له عقود المناقصات بتاعة شركتك قبل ما تنزل السوق بـ 48 ساعة. الحساب ده.. في بنك برة مصر.. باسم مستعار، مبعوت عليه عمولات شريف من كل صفقة خسرتها شركتك السنة اللي فاتت. المبالغ تعدي الـ 200 مليون جنيه.”
إياد فك أول زرار في قميصه، وعروق إيده ظهرت بغضب مكتوم: “يا ابن الـ… كنت بأكله في إيدي وهو بيسرقني من ضهري.”
عبير كملت بثقة أذهلت إياد: “والأهم من كده.. أنا ربطت الحسابات دي بعملية تهريب حديد وأسمنت مغشوش للمشاريع الجديدة.. لو الورق ده اتعرض على جهات الرقابة، رأفت المغربي مش بس هيفلس.. ده هيقضي بقية عمره ورا الشمس، ومحدش من معارفه الكبار هيقدر يرفع عينه فيه.”
إياد بصلها وضحك ضحكة قوية رنت في العربية: “أنا صح.. أنتي مكنتيش شغالة.. أنتي كنتي هدية من السما.”
العربية بدأت تدخل شوارع العاصمة الإدارية، الأبراج العملاقة كانت منورة وسط الصحراء زي حراس من إيراد. العربية وقفت قدام برج إداري شاهق الفخامة. الحراس فتحوا الأبواب.
إياد نزل، وعدل جاكيت بدلتة، وبص لعبير اللي نزلت جنبه وشايلة اللاب توب والملفات في إيدها.
“جاهزة يا دكتورة عبير؟” إياد سألها وهو بيمد لها دراعه المصاب اللي لفه برباط طبي تحت البدلة.
عبير خدت نفس طويل، سندت إيدها على دراعه وبصت للبرج بثقة مفيش زيها: “جاهزة يا إياد بيه.. الليلة دي هنقفل الحساب القديم والجديد.”
دخلوا من البوابات الإلكترونية، والحراس بتوع رأفت المغربي كانوا واقفين ومستغربين من وجود بنت مع إياد، ومن غياب شريف كامل.
الأسانسير طلع بيهم للدور الأربعين.. باب الأسانسير اتفتح على قاعة اجتماعات واسعة، حيطانها كلها إزاز كاشف العاصمة كلها من فوق.
في آخر الترابيزة، كان قاعد “رأفت المغربي”.. راجل في الخمسينات من عمره، ملامحه قاسية، ماسك سيجار في إيده، وأول ما شاف إياد داخل، الابتسامة اختفت من على وشه، والسيجار وقف في بقه.. وصدمة عمره ظهرت في عينيه لما عينه جت في عين البنت اللي واقفة جنب إياد!
رأفت وقف فجأة من على كرسيه، وصوته اتهز وهو بيقول: “إياد؟!.. أنتي؟!!”
إياد قعد على الكرسي ببرود شديد، وشاور لعبير تقعد جنبه، وقال بنبرة هادية ترعب: “مساء الخير يا رأفت.. معلش اتأخرت عليك.. بس كنا بنظبط شوية حسابات قيديمة.. أحب أعرفك، المستشارة المالية الجديدة لشركات الألفي.. الدكتورة عبير السنتريسي.. أظن انتوا تعرفوا بعض من طنطا.. مش كده؟”

حكايات شروق خالد

رأفت المغربي ملامحه اتقلبت تماماً، والسيجار وقع من إيده على الترابيزة الخشب الفاخرة. بص لعبير وهو مش مصدق إن البنت اللي قلب عليها مصر كلها، وحرق بيتها عشان يدفن سرها، واقفة قدامه بشحمها ولحمها، ولابسة بدلة فورمال، وجنب مين؟ جنب أكتر راجل بيكرهه وبيخاف منه في السوق.
رأفت حاول يجمع ثباته بسرعة، ورجع ضهره لورا وهو بيضحك ضحكة صفرا مسمومة: “إياد.. أنت بتهزر؟ جايبلي حتة عيلة هربانة من قضايا وتهم وتقولي مستشارة؟ أنت شكل الخرف بدأ يظهر عليك بعد ما شريف كامل سابك.. صحيح، هو فين شريف؟ مش ميعادنا نوقع العقود؟”
إياد ساند ضهره على الكرسي ببرود قاتل، ومرر صوابعه على حرف الترابيزة: “شريف ميعاده اتأخر شوية يا رأفت.. أصل وهو نازل يركب معايا، لقيت في جيبه تليفون صغير كده، عليه رسالة بتقول: (لو الخطة باظت صفي البنت الشغالة).. فقلت عيب أسيبه يجي وتعبان، ريحتة في مخزن القصر تحت.. مع توفيق السواق.”
الكلمة نزلت على رأفت زي الصاعقة. عينيه زاغت، وبدأ العرق ينزل على جبهته. لسه هيتمد إيده عشان يمسك تليفونه يكلم رجاله، صوّت عبير طلع قوي وثابت هز القاعة:
“مفيش داعي تتعب نفسك وتكلم حد يا رأفت بيه.. رجالك اللي واقفين برة الأوضة دي، حراس إياد بيه استلموهم من دقيقتين في الممر. أنت هنا لوحدك.”
عبير فتحت اللاب توب ولفّت الشاشة ناحيته، وبدأت تعرض المستندات والتحويلات البنكية واحد ورا التاني:
“دي الحسابات السرية اللي كنت بتهرب عليها فلوس المناقصات المضروبة بمساعدة شريف.. وده ملف غسيل الأموال بتاع شركات المقاولات الوهمية في طنطا، اللي أنت حرقت بيتي عشان تداريه.. والجديد بقى، ودي المفاجأة اللي تعبت فيها وأنا في طريقنا للعاصمة.. دي شحنة الأسمنت والحديد المغشوش اللي دخلت مشاريعك الأخيرة باسم شركات تانية.. الأوراق دي بنسخة كاملة منها وصلت حالا لإيميل رئيس جهاز الرقابة الإدارية، ومستنية تكة واحدة من صابعي ده عشان تفتح على مكتبه.”
رأفت وشه بقى أبيض زي الورق، وبص لإياد بنبرة فيها رجاء مستتر: “إياد.. إحنا بيزنس مان مع بعض في السوق بقالنا سنين.. بلاش ندخل الحريم والورق ده في النص.. أنت عايز إيه؟ قولي رقم وأنا هيدهولك حالا.. الشغلانة دي تتقفل هنا.”
إياد مال بوشه لقدام، وعينيه بقت زي الصقر: “رقم؟ أنت فاكر نفسك هتدفع تمن موتي كاش يا رأفت؟ أنت الليلة دي هتمضي.. بس مش على عقود الاستحواذ على شركاتي.”
إياد طلع من جيب بدلتة دفتر عقود جديد خالص، وحدفه قدام رأفت:
“أنت هتمضي على تنازل كامل عن كل أسهمك في مجموعة المغربي للمقاولات.. لصالح شركات الألفي.. وبدون أي مقابل.. وتطلع برة البلد دي بملابسك اللي عليك، وما تلمحش بوابة القاهرة تاني طول ما فيك نفس يتنفس.”
رأفت صرخ بعصبية وهستيرية: “أنت مجنون! دي شقا عمري! مش همضي.. أقصى ما عندكم الورق ده، وأنا هعرف أخرج منها بمعارفي!”
عبير ابتسمت بهدوء، ودست على زرار في اللاب توب، فظهر تسجيل صوتي شغال بصوت شريف كامل وهو بيبكي تحت في المخزن وبيعترف بكل حاجة: (رأفت المغربي هو اللي قالي صفيه.. هو اللي اداني الفلوس والس..لاح.. وهو اللي حرق شقة عبير السنتريسي في طنطا)..
عبير بصتله وقالت: “معارفك مش هيشيلوا عنك قض..ية شروع في قتل رجل أعمال بحجم إياد الألفي، ولا قضايا فساد بتهدد أمن قومي يا رأفت بيه.. قدامك دقيقة واحدة.. يا تمضي وتخرج برجلِك على المطار.. يا الحبس لآخر يوم في عمرك.”
رأفت بص للشاشة، وبص لصوت شريف، وعرف إن اللعبة انتهت تماماً.. الحبل اتلف حوالين رقبته ومبقاش فيه مفر. إيديه كانت بترتعش وهو بيمسك القلم الفخم بتاعه، وبدأ يوقع على عقود التنازل، صفحة ورا صفحة، ودموعه نازلة من القهر والغل.
بعد ما خلص، إياد سحب العقود ببرود، وبص لجلال اللي كان واقف ورا الباب: “جلال.. خد الأستاذ وركبه عربية تطلع بيه على مطار القاهرة.. وتأكد إنه ركب أول طيارة خارجة من البلد.. ومفيش رجوع.”
رأفت خرج مكسور، مهدود، وضاع كل اللي بناه في ثانية بسبب جشعه وغبائه.
القاعة رجعت هادية تاني، والمنظر من برة الإزاز كان ساحر، أضواء العاصمة الإدارية بتنور وسط الصحراء.
إياد وقف، وبص لعبير اللي كانت بتاخد نفسها ببطء كأنها بتطرد كابوس سنة كاملة من الرعب. مشي ناحيتها، ومد إيده ليها:
“مبروك يا دكتورة عبير.. حقك رجع، وحق أخوكِ في الحفظ والصون.. جلال بلّغني إن أخوكِ اتأمن ووصل القاهرة حالا وفي مكان سري ومأمون.”
عبير بصت لإيده، وسلمت عليه بثقة: “الله يبارك فيك يا إياد بيه.. أنا متشكرة جداً.”
إياد ابتسم وهو بيقفل اللاب توب: “متشكرة إيه؟ أنا اللي أشكرك.. من اللحظة دي، مكتب المستشار المالي الرئيسي لشركات الألفي في الدور الأخير جاهز عشانك، بمرتب ملمحتهوش في طنطا ولا في أحلامك.. بس بشرط.”
عبير رفعت حاجبها بابتسامة ذكية: “شرط إيه؟”
إياد ضحك وقال: “تظبطي الكرافتة دي كل يوم الصبح.. عشان من غيرك، مفيش حاجة هنا بتتظبط صح.”
عبير ضحكت، وبصت لأضواء القاهرة وهي حاسة لأول مرة من سنة.. إنها مش خايفة، وإنها مبقتش الشغالة المستخبية.. بقت الشريك اللي بيدير اللعبة مع كبار البلد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *