قناه العجز حكايات شروق خالد

“كنت عامل نفسي مش قادر أتحرك ومفيش في إيدي حاجة، وقاعد ساكت على الكرسي المتحرك وبشوف خطيبتي وهي بتهزأني وبتتريق عليا قدام الناس كلها.
قربت مني وقالت بقرابة ودياكة: ‘بص لنفسك كده.. أنت بقيت ولا حاجة، مجرد عاجز ملوش أي لزمة.’
مفيش مخلوق في الصالة فتح بقه أو دافع عني.
الوحيدة اللي حست بيا هي الشغالة.. نزلت على ركبها
#حكايات_شروق_خالد

جمبي، وعدلت الغطا اللي على رجلي بالراحة وهمست في ودني: ‘أنت لسه تستاهل يتعملك ألف حساب ويتحسن معاملتك.’
دي كانت اللحظة اللي فوقت فيها وعرفت مين اللي بجد يستاهل يفضل في حياتي.
أول ما خطيبتي قالت عليا ملوش لزمة، الصالة كلها ضحكت.
تاني مرة، سبتهم يكملوا ضحك عادي ومقاطعتهمش.
كنت قاعد في نص الصالة الكبيرة في فيلا أبويا، متغطي ببطانية رمادي مخبية رجلي، وإيديا ساندة بضعف على عجل الكرسي. النجف الكريستال كان منور المكان، وكاسات الشربات بتلمع في إيدين الناس.. كله كان متجمع عشان ‘يحمد ربنا على سلامتي’ بعد الحادثة اللي المفروض إنها دمرت لي عمودي الفقري.
بس أنا الوحيد اللي كنت عارف الحقيقة.
عضمي كان سليم ومفيش فيا الهوا.
الحادثة حصلت بجد، بس الإصابة كانت فيلم. دكاترتي، والمحامي بتاعي، ورئيس الحرس كانوا عارفين إني بقدر أقف على رجلي عادي.. الباقي بقى صدقوا اللي أنا كنت عايزهم يصدقوه بالظبط.
وبالذات شاهيناز.
جت عليا وهي لابسة فستان فضي، وخاتم الألماظ بتاع الخطوبة بيبرق في إيدها زي السك..ينة. ومن وراها ولاد عمي، وشركائي في الشغل، وأصحاب المظاهر، كلهم بيبصوا عليا بشماتة وفضول يقرف.
وقفت قدامي وقالت وريحة السبرتو طالعة من بوقها: ‘بص لنفسك كده.. أنت بقيت ولا حاجة، مجرد عاجز ملوش أي لزمة.’
كام واحد شهقوا من الصدمة.
بس مفيش راجل فيهم خطى خطوة واحدة لقدام.
عمي حيرم دار وشه الناحية التانية. وشريف صاحبي العمر وطى عينه في الأرض. وأم شاهيناز نفسها كانت واقفه بتبتسم.
أنا حافظت على برود وشي ومبينتش أي رد فعل.
خبطت على البطانية بظافرها المتزين وقالت: ‘أنا كان المفروض أتجوز راجل مالي مركزه ويهز البلد.. مش واحد هيبقى حمل عليا.’
قلت لها بصوت هادي: ‘شاهيناز.. احنا لسه مخطوبين على فكرة.’
ضحكت بسخرية وقالت: ‘لحد ما مجلس الإدارة بتاع شركتك يستوعب إنك مش قادر حتى تقوم تقف في اجتماع.’
الجملة دي لخصت لي كل حاجة.
هي مش خايفة عليا.
هي مستنية الإمبراطورية بتاعتي تقع عشان تاخد نيبها.
وفجأة، في وسط الهيصة دي، في حد نزل على ركبه جمبي.
كانت رضا، البنت الشغالة الصغيرة اللي شغالها عندنا بقالها تلات سنين. عدلت البطانية اللي شاهيناز نطرتها برجلها، وهمست: ‘أنت لسه تستاهل يتعملك ألف حساب ويتحسن معاملتك.’
صوتها كان واطي، بس رن في ودني وقطع الهري اللي شغال في الصالة كله.
شاهيناز لوت بوقها وقالت: ‘يا حنينة.. الخدامة صعبان عليها البيه.’
رضا وطت رأسها في الأرض، بس متزحزحتش من مكانها وفضلت جمبي.
بصيت على إيدها وهي ساندة على البطانية.. إيد ثابتة، حنينة، وشجاعة. في اللحظة دي، افتكرت كل مرة كانت بتجيب لي فيها الدوا من غير ما أطلب، وكل مرة كانت بتتكلم معايا فيها كأني إنسان بني آدم، وكل مرة كانت بتبص لشاهيناز بخوف وقلق عليا.
وأخيرًا، فهمت.
الحادثة دي مكسرتنيش.
الحادثة دي كشفتهم لي على حقيقتهم.”

#حكايات_شروق_خال

شاهيناز قلعت خاتم الألماظ وبكل قلة أصل رمت الخاتم في حجري وقالت: “ده خسارة في إيدك.. ودلوقتي يا ريت المحامي بتاعك يجهز أوراق تصفية مستحقاتي من الشراكة اللي بين بابا وبينك، إحنا مش هنرمي فلوسنا مع واحد ميت إكلينيكياً.” لفت ضهرها ومشت، وكل المعازيم وأصحاب النادي وولاد عمي مشيوا وراها كأنهم كانوا مستنيين الإشارة، ومبقاش في الصالة الواسعة غيري أنا ورضا، والسكوت اللي ملاه المكان.
رضا بصت لي ودموعها في عينيها وقالت: “متقهرش نفسك يا بيه، والنعمة أنت ست الستات تتمنى تخدمك، بكرة ربنا يشفيك وتقوم وتوريهم كلهم مين هو سليم الجارحي.” بصيت لها وابتسمت لأول مرة من يوم الحادثة، وشيلت البطانية الرمادي من على رجلي، وقمت وقفت على حيلي بكل طول وقوة.
البنت رجعت خطوتين لورا وهي حاطة إيدها على بوقها ومش مصدقة، وعينيها بتلمع من الصدمة والفرحة: “أنت.. أنت بتمشي يا بيه؟!” شاورت لها تسكت وقلت لها بصوت واطي: “مفيش مخلوق يعرف يا رضا، الحادثة دي كانت مصفاة عشان أشوف مين اللي بيحب سليم ومين اللي بيحب فلوسه، وأنتِ الوحيدة اللي نجحتي في الاختبار ده.”
ثاني يوم الصبح، كانت الصدمة الأولى لشاهيناز وأبوها وولاد عمي؛ لما راحوا مقر الشركة عشان يجبروا مجلس الإدارة على عزل سليم وتعيين ابن عمه شريف مكانه بحجة العجز. دخلوا قاعة الاجتماعات وهم بيضحكوا وبيتكلموا بثقة، وفجأة الباب اتفتح، ودخلت أنا بريسيج كامل، وبدلة شيك، وبمشي على رجلي بكل ثبات ومن غير حتى عصاية تسندني، ومن ورايا المحامي ورئيس الحرس.
شاهيناز اتسمرت في مكانها ووشها جاب ألوان، وأبوها وقع كاس الشاي من إيده وهو بيترعش، وشريف ابن عمي وقف وهو مش قادر ينطق بكلمة. قعدت على كرسي رئاسة مجلس الإدارة، وبصيت لشاهيناز وقلت لها ببرود: “سمعت إنك عايزة تصفي مستحقاتك يا شاهيناز؟ المحامي بتاعي جهز كل حاجة، بس للأسف، بعد مراجعة الحسابات، طلع إن أبوكي مديون للشركة بـ 50 مليون جنيه، وبناءً عليه، الحجز هيتم على فيلتكم وعربياتكم من بكره الصبح.”
شاهيناز جريت عليا وهي بتعيط وتترجاني: “سليم! حبيبي أنا مكنتش اقصد، أنا كنت مضغوطة ومنهارة من الحادثة ومكنتش مستوعبة!” زقيت إيدها عني بمنتهى القرف وقلت لها: “أنا مجرد عاجز ملوش أي لزمة.. مش ده كلامك؟ برا شركتي وبرا حياتي، والفلوس اللي هتدفعوها دي هي اللي هشتري بيها شبكة البنت اللي صانتني وأنا عاجز.”
خرجتهم الأمن بره الشركة وهم بيصرخوا ويتبهدلوا قدام الموظفين، والتفتّ لرضا اللي كنت معينها معايا في الشركة عشان تبدأ حياتها من جديد، وبصيت في عينيها وقلت لها: “أنتِ اللي وقفتي جمبي لما الكل باعني، ومن هنا ورايح مكانك مش في المطبخ، مكانك هيبقى جمبي وعلى راسي وفي قلبي.”

حكايات شروق خالد

رضا واقفة في وسط قاعة الاجتماعات، بتبص للحرس وهم بيجرجروا شاهيناز وأبوها بره، وعينيها مش مصدقة اللي بيحصل. لفت ليا وهي بتترعش وقالت بصوت واطي: “بس يا سليم بيه.. أنا بنت غلبانة، وشغلانتي كانت أخدمك وأشيل عنك، مليش في العز ده كله، والناس هتقول إيه؟”
قربت منها وابتسمت بثقة وقلت لها: “الناس اللي كنت بعمل حساب لكلامهم هما أول ناس رمتني لما افتكروني عاجز. أنتِ صنتيني في عز كسرتي، والراجل اللي بجد ميرفعش راسه غير الست اللي شالته وهو في الأرض.” التفتّ للمحامي بتاعي وقلت له: “تكتب لرضا نصيب شاهيناز الملغي في الشراكة باسمها، ومن بكرة هتدخل كورس إدارة أعمال عشان تقف معايا كتف بكتف.”
في نفس الليلة، شريف ابن عمي جالي الفيلا وهو بيبكي وبيبوس إيديا عشان مسجنهوش بعد ما المحامي طلع أوراق بتثبت إنه كان بيختلس من ورايا ومستني موتي عشان يورثني. بصيت له وهو راكع نفس الركعة اللي كان بيتمنى يشوفني فيها، وقلت له: “دموعك دي وفرها للنيابة يا شريف، القرش اللي كنت بتمد إيدك عليه ده هو اللي هيتفرش بيه بيت رضا.” طردته بره وعرفت إن الحساب لما بييجي متأخر، بيوجع أكتر.
بعد شهر واحد، كان الفرح في أكبر قاعة في مصر. شاهيناز كانت واقفة بره مع أصحابها بتوع النادي، مش قادرة تدخل ومحروقة وهي شايفاني لابس بدلة الفرح وبمشي بكامل صحتي، وماسك في إيدي رضا اللي كانت طالعة زي الملكة بفستانها الأبيض الحرير، مفيش في وشها تجميل كداب، بس في عينيها طيبة وأصل يسووا الدنيا.
وأنا برقص معاها في وسط القاعة، همست في ودنها: “عرفتي مين اللي اتعمله ألف حساب في الآخر؟” ابتسمت ودموع الفرحة في عينيها وقالت: “أنت يا سليم.. عشان قلبك نضيف وربنا نصرك.” ومن يومها عشت مع رضا في عز حقيقي، عز الأصل والنظافة، وعرفنا إن الوجع بيكشف الوشوش، بس دايماً بيسيب الوشوش الغالية اللي تستاهل تعيش معاها العمر كله.

قِناع العَجز”
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *