قبل الفجر… أختي سابت عيالها قدام باب بيتي بورقة هزت حياتنا ج2 حكايات شروق خالد

بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته.

قلت بحذر:
“إزاي يعني والد ياسين؟ ليلى كانت بتقول إن أبوه سافر ومقطوع أخباره.”

هز راسه بأسى، ومد إيده بملف بني.

قال:
“أنا اسمي كريم… وليلى كانت شغالة معايا في شركة تنظيم حفلات من تلات سنين. لما قالتلي إنها حامل، كنت مستعد أتجوزها وأكتب اسم ابني باسمي. لكنها اختفت فجأة، وبعدها بعتتلي رسالة واحدة قالت فيها إنها فقدت الجنين، وطلبت مني ما أدورش عليها.”

فتحت الملف.

كان فيه صور لتحاليل الحمل، ورسائل قديمة بينها وبينه، وتحويلات بنكية شهرية باسمها.

آخر تحويل كان من أسبوعين.

قيمة كبيرة.

وفي خانة السبب مكتوب:
“مصاريف ياسين.”

كريم قال وهو بيبص ناحية الباب:
“كنت فاكر الفلوس كلها بتروح لابني… ماكنتش أعرف إنه كان بيتساب بالساعات عند الجيران، ولا إن أخته هي اللي بتأكله.”

في اللحظة دي خرجت سهر من الأوضة وهي ماسكة إيد ياسين.

أول ما كريم شاف الولد، ركع على ركبته.

عينه فضلت ثابتة على نفس الوحمة الصغيرة اللي تحت ودنه.

دموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.

همس:
“دي نفس الوحمة اللي عندي.”

ياسين بصله باستغراب، وقرب منه خطوة.

كريم مدله الديناصور البلاستيك اللي كان واقع على الأرض.

قال بابتسامة مرتعشة:
“ينفع أشوف لعبتك؟”

ياسين هز راسه بالإيجاب، وبعد ثواني حط إيده الصغيرة في إيد كريم كأنه حس بالأمان من غير ما يفهم السبب.

المشهد كله كان صامت…

إلا من صوت بكاء مكتوم طالع من راجل اكتشف إن ابنه كان عايش على بعد كيلومترات منه سنتين كاملين.

بعد يومين، تحليل البصمة الوراثية أكد الحقيقة.

كريم هو والد ياسين بالفعل.

لكن المفاجأة الأكبر ظهرت أثناء مراجعة شهادة ميلاد الطفل.

اسم الأب كان مسجل بشرطة طويلة فقط…

يعني ليلى تعمدت تخفي هويته رغم إنها كانت تعرفها.

النيابة بدأت تحقق في سبب إخفاء النسب، وإهمال الأطفال، وتركهم دون رعاية.

وفي وسط كل ده، اتصل بيا المحقق.

قال:
“في خبر جديد.”

سألته:
“لقيتوا ليلى؟”

قال:
“أيوه… لقيناها في الجونة قبل ما تطلع على رحلة خارج مصر.”

سكت ثانية، ثم كمل:
“لكن أول ما عرفناها إن الأطفال بقوا تحت حماية الدولة وإن عندنا التسجيلات… طلبت محامي، وقالت جملة واحدة.”

ابتلعت ريقي.

“قالت إيه؟”

رد:
“قالت: الولد ممكن يكون ليه أب… لكن البنت مش بنتي.”

وقعت مني كباية الشاي على الأرض.

بصيت ناحية سهر، اللي كانت قاعدة ترسم بيت صغير، وبتلون الشمس باللون البنفسجي لأنها كانت بتحبه.

وفي اللحظة دي… القضية كلها اتقلبت من جديد.

لأن لو كلام ليلى صحيح…

يبقى السر اللي كانت مستخبي عنه أربع سنين، أخطر من أي حاجة اتقالت قبل كده.

حكايات شروق خالد

اتجمدت مكاني.

بصيت لسهر، وهي مندمجة في رسوماتها، ولا تعرف إن جملة واحدة قالتها أمها قلبت حياتها كلها.

قلت للمحقق:
“إنت أكيد فاهم إنها ممكن تكون بتقول كده عشان تتهرب من المسؤولية.”

رد بهدوء:
“وده أول احتمال عندنا. لكن إحنا لازم نتحقق من كل كلمة.”

بعد يومين، النيابة طلبت تحليل بصمة وراثية لسهر بعد الحصول على الموافقات القانونية اللازمة.

الأيام دي كانت الأصعب.

كل ليلة سهر كانت تسألني:
“خالتو… هو ماما هترجع؟”

وأقول لها:
“دلوقتي أهم حاجة إنك إنتِ وياسين تبقوا بخير.”

كانت تهز رأسها وتنام وهي حاضنة الدبدوب القديم اللي جبتولها بدل البطانية اللي جات بيها.

لما ظهرت نتيجة التحليل، استدعاني المحقق.

وشه كان جاد، لكنه قال أول ما قعدت:

“اطمني… سهر بنت ليلى فعلًا.”

حسيت نفسي أخدت أول نفس براحتي من أيام.

سألته:
“أمال ليه قالت إنها مش بنتها؟”

فتح ملف التحقيق، وقال:
“المتهمة اعترفت بعد مواجهة الأدلة إنها قالت كده عشان كانت فاكرة إن لو أنكرت نسب البنت، الدولة هتفصل بين الطفلين، وساعتها فرصتها إنها تسترد ياسين بعدين هتبقى أكبر.”

ماقدرتش أصدق.

حتى بعد اللي عملته… كانت لسه بتفكر في نفسها.

بعدها دخل كريم يزور ياسين للمرة الأولى بإذن من الأخصائية الاجتماعية.

جاب معاه ديناصور أكبر شبه اللعبة اللي كان ماسكها.

قعد على الأرض مع الولد ساعة كاملة، من غير ما يحاول يجبره يناديه “بابا”.

كان كل اللي يقوله:
“أنا كريم… وصاحبك لو تحب.”

أما سهر، فقعدت تراقبهم من بعيد.

وفجأة سألتني:

“هو أنا كمان هيبقى عندي حد يلعب معايا؟”

حضنتها بقوة، وقلت:
“طبعًا يا حبيبتي.”

ابتسمت لأول مرة من يوم ما وصلت بيتي.

بعد أسابيع، صدر قرار المحكمة باستمرار إقامة الطفلين معايا مؤقتًا، مع منع ليلى من التصرف في أي أوراق تخصهما لحين انتهاء القضية.

وأنا خارجة من المحكمة، مسكت سهر إيدي وقالت:

“خالتو…”

“نعم يا قلب خالتو؟”

قالت بابتسامة صغيرة:

“البيت ده أحسن… هنا محدش بيسيب حد عند الباب.”

وقتها عرفت إن الأطفال مش بيفتكروا الهدايا الغالية…

بيفتكروا مين فتح لهم الباب لما الدنيا كلها قفلته في وشهم.
حكايات شروق خالد

افتكرت إن القضية خلاص قربت تخلص.

لكن بعد شهر تقريبًا، وأنا برتب الدولاب اللي جبت فيه هدوم جديدة لسهر وياسين، لقيت ظرف أبيض مدسوس في جيب الشنطة الموف.

الغريب إن الظرف ماكنش مفتوح.

يمكن من كتر اللي حصل وقتها، محدش أخد باله منه.

فتحت الظرف بحذر.

كان فيه مفتاح صغير، وصورة لليلى وهي واقفة قدام مبنى قديم، وعلى ضهر الصورة مكتوب بخط إيدها:

“لو مها لقت دي… يبقى كل حاجة انتهت.”

وتحتها عنوان.

بلغت المحقق قبل ما أتحرك، وبعد أقل من ساعة كنت مع فريق من الشرطة قدام عمارة قديمة في حي هادي.

طلعنا للدور الرابع.

المفتاح فتح الشقة فعلًا.

أول ما دخلنا، حسيت إن الزمن واقف.

الشقة كانت فاضية تقريبًا، إلا من بيانو قديم، وتراب مغطي الأرض، وكرتونة كبيرة في الركن.

فتح الضابط الكرتونة.

كانت مليانة دفاتر.

يوميات.

كلها بخط ليلى.

بدأ المحقق يقلب فيها بسرعة، لحد ما وقف عند صفحة مكتوب في أولها:

“لو حد بيقرأ الكلام ده، فأكيد أنا فشلت.”

بصلي وقال:
“اقري.”

ابتديت أقرأ بصوت واطي.

“أنا كنت فاكرة إن السعادة معناها أعيش لنفسي. كنت شايفة إن الأطفال قيد، وإن كل يوم بعد ولادتهم بيضيع عمري. كنت مقتنعة إن مها هتاخدهم، وإن بعد كام سنة هرجع ألاقيهم مستنييني، ويسامحوني لمجرد إني أمهم.”

وقفت شوية.

دموعي نزلت رغم غضبي منها.

وكملت.

“أكتر حاجة خوفتني… إن سهر بقت تبصلي بخيبة أمل. بنت عندها أربع سنين كانت كل يوم تسألني: ماما، إنتِ زعلانة مني؟ وأنا كنت أهرب من السؤال.”

المحقق قفل الدفتر وقال:
“الاعتراف ده هيتضاف للقضية.”

وأثناء تفتيش باقي الشقة، نادى علينا أحد الضباط.

كان واقف قدام خزنة صغيرة ورا لوحة معلقة.

المفتاح اللي كان في الظرف فتحها.

جواها كان فيه جوازا سفر الطفلين…

واستمارتا طلب تأشيرة باسمهم.

وموافقة سفر مزورة تحمل توقيعًا منسوبًا ليّ أنا.

بصيت للمحقق وأنا مش مستوعبة.

قال وهو بيحط الأوراق في أكياس الأدلة:

“واضح إنها ما كانتش ناوية تسيبهم عندك للأبد… كانت ناوية ترجع في وقت مناسب، تاخدهم وتسافر بيهم، بعد ما تكون خلصت كل إجراءاتها.”

في اللحظة دي، رن هاتف الضابط.

رد، وسكت ثواني، ثم بص للمحقق وقال:

“المتهمة… طلبت تقابل أختها.”

المحقق بصلي وسأل:

“القرار قرارك… لكن قبل ما تدخلي لها، لازم تعرفي إنها قالت إنها عندها اعتراف أخير، وإنه هو السبب الحقيقي لكل اللي عملته.”

اتنفست ببطء.

لأول مرة، ماكانش عندي فضول أعرف الحقيقة…

كان عندي خوف منها.

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *