**اللمسة واللقمة**ج1 حكايات شروق خالد

“أنتِ مدفعتيش الحساب.”
صوت الجرسونة مكانش قاسي، كان باين عليه التعب. بس الراجل اللي واقف ورا الكاشير مكانش تعبان، كان مليان غضب، وكلماته قطعت السكوت اللي في المحل، وكل الشوك والسكاكين اتثبتت في إيدين الزباين.
بنت صغيرة عندها تمان سنين اتسمرت مكانها جنب التربيزة، وهي ماسكة طبق فطار دافي بإيديها الاتنين، كأنها لو سابته هتخسر الحاجة الوحيدة الحلوة اللي شافتها من أسابيع. جاكت بتاعها كان خفيف وميستحملش برد الشتا القارس، وجزمتها مقطوعة من تحت وواصلة للأرض. الدخان كان لسه طالع من البيض والبطاطس المحمرة والعيش المحمص بالزبدة.. طبق فطار عادي لأي حد، بس بالنسبة لها كان طوق نجاة.
وقبل ما تنطق بكلمة، الطبق اتمزع من إيديها: “الأسف مبيأكلش عيش ومبيدفعش فواتير.”
كل اللي في المحل كانوا بيتفرجوا؛ راجل أعمال بيقلب قهوته ببرود، زوجين كبار في السن داروا وشهم الناحية التانية، وعيلة كملت أكلها كأن مفيش حاجة حصلت. ولا بني آدم فيهم اتتحرك من مكانه. البنت الصغيرة وطت راسها في الأرض وقالت بصوت مخنوق: “أنا آسفة…” مكيتش، لأن الدنيا كانت علمتها بدري إن الدموع مبتغيرش رأي الكبار.
في اللحظة دي، باب المطبخ اتفتح. خرجت منه “أم أحمد”، جرسونة في الخمسينات من عمرها، لابسة مريلة مطبخ لونها باهت من كتر الغسيل، بعد ما سمعت الزعيق والهيصة. بصت للطبق الفاضي، وبعدين للبنت الصغيرة اللي كانت بتترعش وبطنها بتكركب بصوت عالي ملا المكان. أم أحمد مأناقشتش
#حكايات_شروق_خالد
ومسألتش أسئلة كتير، لفت ضهرها ودخلت المطبخ تاني وسط نظرات المدير الغاضبة.
بعد كام دقيقة، رجعت وهي شايلة طبق فطار تاني طازة وسخن هي اللي عملته بنفسها، وحطته براحة قدام البنت على التربيزة وهمست لها: “متقلقيش يا حبيبتي.. اقعدي كلي وألف هنا.”
البنت برقت عينيها ومش مصدقة، وقبل ما تلحق تشكرها، مدير المحل جه يجرجر رجليه وعينيه بتطق شرار لما شاف الأكل، وبص لأم أحمد بزعيق: “ده هيتخصم من يوميتك يا أم أحمد!” المحل رجع فيه السكوت تاني، بس أم أحمد مردتش عليه، وابتسمت ابتسامة تعب صافية وقالت: “فداها.. يستاهل.”
البنت الصغيرة سمعت كل كلمة، وجواها حاجة اتغيرت للأبد؛ ست غريبة متعرفهاش ضحت بلقمتها ومن قوت يومها عشان طفلة جعانة متمشيش وبطنها فاضية. إيديها كانت بتترعش وهي ماسكة الشوكة، وقبل ما تاخد أول قطمة، رفعت عينيها اللي اتملت دموع وقالت: ”
#حكايات_شروق_خالد

“أنا مش هنسى ده يا طنط.. والله العظيم ما هنسى.”
أم أحمد طبطبت على كتفها بحنية وقالت لها: “كلي يا بنتي كلي واشبعي، ومفيش حاجة تستاهل دموعك دي.”
البنت بدأت تأكل بسرعة ولهفة، واللقمة كانت بتنزل في بطنها ومعاها دفا غريب مكنتش حاسة بيه من يوم ما سابت بيتها. المدير فضل واقف يبص لهم بقرف، وهز راسه ودخل مكتبه وهو بيبرطم: “عالم تجيب الفقر.. شحاتين وكمان بيعملوا علينا أسيادنا.”
الزباين اللي في المحل، اللي كانوا عاملين نفسهم مش شايفين، بدأوا يبصوا لأم أحمد بنظرات فيها كسوف وخجل من نفسهم. راجل الأعمال اللي كان بيقلب قهوته ببرود، ساب المعلقة وحط فلوس زيادة على التربيزة وهو قايم، والزوجين الكبار في السن بصوا لبعض بحزن وندم إنهم ممدوش إيديهم يساعدوا الطفلة من الأول.
البنت الصغيرة خلصت فطارها لآخر فتفوتة، ومسحت بؤها بكم الجاكت الخفيف، ووقفت وبصت لأم أحمد بنظرة طويلة كأنها بتطبع ملامح الست دي في ذاكرتها. سألتها بصوت واطي: “إسمك إيه يا طنط؟”
أم أحمد ابتسمت وقالت لها: “إسمي أم أحمد يا حبيبتي.”
البنت هزت راسها وقالت: “أنا إسمي مريم.”
مريم خرجت من المحل، وفي الوقت اللي الهوا البارد خبط في وشها برة، مكنتش بتترعش زي الأول. البطن الشبعانة والقلب اللي حس بالدفا والرحمة خلوا عندها طاقة غريبة. مشيت في شوارع المحروسة وهي شايلة جواها عهد.. عهد إن الدنيا لو دارت بيها، هتكون زي أم أحمد.
**بعد عشرين سنة..**
في واحدة من أكبر المستشفيات الاستثمارية في القاهرة، كانت الممرات بتلمع من النظافة، والدكاترة داخلين خارجين ببالطو أبيض شيك جداً. في مكتب مدير المستشفى، كانت قاعدة الدكتورة مريم.. جراحة القلب الشهيرة اللي مصر كلها بتتكلم عن شطارتها وعملياتها اللي بتنقذ بيها حياة الناس.
مريم مكنتش مجرد دكتورة شاطرة، كانت معروفة بلقب “طبيبة الغلابة” في المستشفى؛ لأنها مكانتش بتسيب مريض محتاج إلا وبتعمل له عمليته ومبتاخدش ملو مليم، وبتتحمل هي التكاليف.
الباب خبط، ودخلت الممرضة وهي متوترة: “دكتورة مريم.. فيه حالة طارئة في الطوارئ، ست مسنة جاية بجلطة في القلب، وحالتها حرجة جداً ولازم تدخل العمليات فوراً.”
مريم وقفت بسرعة: “جهزوها فوراً، أنا نازلة حالا.”
الممرضة اتلجلجت: “بس يا دكتورة.. أهلها ناس غلابة أوي، والمدير المالي رافض يدخلها العمليات قبل ما يدفعوا تمن المستلزمات، وحضرتك عارفة القوانين هنا ناشفة إزاي.”
مريم عينيها طقوا شرار، وافتكرت في ثانية صوت المدير بتاع زمان وهو بيقول: *”الأسف مبيأكلش عيش ومبيدفعش فواتير.”*
نزلت الطوارئ كأنها إعصار، ودخلت على المكتب المالي وزعقت في الموظف: “الست دي تدخل العمليات حالا، وأي مليم هيتخصم من حسابي ومن يوميتي أنا.. سامع؟!”
الموظف خاف من هيبتها وهز راسه بسرعة وبدأ يخلص الورق. مريم جريت على السرير اللي عليه الست المريضة، كانت الست غايبة عن الوعي، ووشها باهت وتعبان، ولابسة عباية قديمة وبسيطة. مريم مسكت إيد الست عشان تقيس النبض، وفي اللحظة دي.. عينيها جت على ملامح الوش التعبان.
الملامح كانت كبرت، والتجاعيد زادت، والشعر شاب.. بس فيه وشوش الذاكرة متمسحهاش أبدًا.
مريم لفت للممرضة وصوتها اترعش لأول مرة في حياتها: “الست دي.. الست دي إسمها إيه في البطاقة؟”
الممرضة بصت في الورق وقالت: “إسمها.. صفية محمد، وشهيرة بأم أحمد.”
الدموع نزلت من عين مريم زي الشلال. الدكتورة الكبيرة اللي بتهز المستشفى كلها، نزلت على ركبها جنب السرير، ومسكت إيد أم أحمد الباردة وبستها وهي بتعيط وتقول: “أنا مريم يا أم أحمد.. الطفلة الجعانة بتاعة زمان.. أنا منسيتش.. والله العظيم ما نسيت.”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *