​حصن الشافعي ج2 حكايات شروق خالد

زين فضل باصص في عينيها لثواني طويلة، كأنه بيطبع صورتها وهي متبهدلة وخايفة في دماغه، عشان يفتكر دايماً الست اللي وقفت قصاد الرصاص عشانه وعشان ابنه. بالراحة، شال إيده من ورا رقبتها، ووطى على ياسين اللي كان نايم في الأرض زي الملاك وسط كابوس. شاله على دراعه السليم، وبص لهنادي وقال بحسم: “ورايا”.
خرجوا من الممر السري للمكتب. ريحة البارود والدخان كانت لسه مالية المكان، ورجالة زين الحراس الجداد -اللي جم مع الدعم- كانوا واقفين صفين في الريسبشن، أول ما شافوا زين خارج ومعاه ابنه وهنادي، وطوا رؤوسهم باحترام وخوف.
زين مابصش لحد فيهم. مشي بخطوات ثابتة وخرج للجنينة. الشمس بتاعة يونيو كانت حامية، بس الجو كان لسه فيه رطوبة المطر بتاع الفجر. العربيات المرسيدس السودا المصفحة كانت واقفة قدام الباب وجاهزة.
فتح الباب الوراني بنفسه، وبص لهنادي: “اركبي”.
قعدت وجواها ألف سؤال وخوف، وزين حط ياسين في حضنها وقفل الباب. ركب هو قدام جنب السواق اللي كان بيترعش من مجرد وجود زين جنبه.
السواق بلع ريقه: “على فين يا باشا؟ المستشفى؟”
زين بص في المراية على هنادي اللي كانت بتمسح دموعها وتعدل الكارديجان المقطوع بتاعها: “لا.. على المدافن. مدافن عيلة الشافعي في طريق السويس”.
العربيات اتحركت في موكب مهيب، يهدد أي حد يفكر بس يقرب. طول الطريق، هنادي مكانتش فاهمة حاجة، بس الأمان اللي حسته في حضن ياسين وفي وجود الراجل ده قدامها، خلاها متسألش.
وصلوا المدافن. المكان كان عبارة عن حوش ضخم مبني من الحجر الهاشمي الغالي، ومحاط بشجر صبار ونخل عالي. زين نزل، وفتح الباب لهنادي: “انزلي يا هنادي، وهاتي ياسين”.
نزلت وهي شايلة الولد اللي بدأ يفوق ويفرك في عينيه. زين مشي قدامهم لحد ما دخلوا جوة الحوش. كان فيه تربة رخام كبيرة مكتوب عليها (المغفور لها بإذن الله، فريدة الشافعي) – زينة شباب عيلة الشافعي وزوجة زين السابقة.
زين وقف قدام القبر، ملامحه رجعت قاسية تاني، بس قسوة هادية. التفت لهنادي وقال: “هنا مدفونة أم ياسين. الست اللي ماتت وهي بتولده، ومأمنتش حد عليه من بعد ثانية وفاتها.. لحد ما جيتي إنتي”.
هنادي بلعت ريقها وبصت للقبر، وبعدين بصت لزين.
زين كمل وصوته بيتردد في هدوء المكان: “أنا جيت هنا النهاردة عشان أقول لفريدة في تربتها، إن ابنها بقى ليه ضهر تاني يحميه.. وإن البيت اللي كان متلج وضلمة، دخلته الروح. أنا مش راجل رومانسي يا هنادي، ومبعرفش أقول كلام حلو، أنا راجل دموي، سوقي كله سلا..ح ونفوذ ومؤامرات. بس الراجل ده.. من اللحظة دي.. بقى بتاعك. حمايتك، لبسك، أكلك، ومقامك اللي هيبقى فوق رقاب الكل.. دا كارت أمانك في الدنيا”.
ياسين بص لزين وبص لهنادي، وابتسم ببراءة الأطفال: “بابا.. دادة هنادي مش هتمشي وتسبنا صح؟”
زين قرب منهم، ومد إيده الكبيرة مسح على شعر ياسين، وبعدين صوابعه لمست خد هنادي اللي كان دافي ومورد من الكسوف: “دادة هنادي مفيش قوة في مصر هتمشيها من هنا.. عشان من الأسبوع الجاي، هيبقى اسمها هنادي الشافعي”.
الكلمة نزلت على هنادي زي الصاعقة. لفت وشها ليه وعينيها واسعة من الصدمة: “جـ.. جواز؟ زين بيه.. أنا دادة.. أنا غلبانة، والناس برة هتقول..”
زين قاطعها بابتسامة صغيرة مرعبة، الابتسامة اللي بتظهر لما يكون ناوي يهد سوق بحاله: “الناس برة لو لمحت بطرف عينها إنك مش هانم القصر ده، هأكلهم للكلاب يا هنادي. إنتي من الليلة دي مش دادة.. إنتي ست البيت ده، واللي عاجبه عاجبه، واللي مش عاجبه.. مكانه محجوز هنا ورا السور ده”.
بص للسواق بتاعه اللي كان واقف بعيد: “كلم المأذون، وخليه يستنانا في فيلا أكتوبر.. القصر هنا هيتهد ويتبني من أول وجديد بروح جديدة.. بروح هنادي”.
شال ياسين على كتفه، ومد إيده التانية لهنادي. هنادي حطت إيدها الصغيرة الرقيقة في إيده القوية الناشفة، ولأول مرة، محستش بالخوف من ملامحه المرعبة.. حست إنها أخيراً لقت الراجل اللي يشيل عنها حمل الدنيا، ويمشي بيها وسط النار وهي مطمنة.

 

حكايات شروق خالد

العربيات لفت ورجعت، وفي طريقها لفيلا أكتوبر، السكوت اللي في العربية مكنش سكوت خوف، كان سكوت شبه الهدوء اللي بيجي بعد العاصفة. ياسين نام تاني من التعب وهو ساند رأسه على رجليها، وإيد زين الشمال كانت ساندة على دركسيون العربية، بينما إيده اليمين مسبتش إيد هنادي. كانت صوابعه دافية، ومقبوضة على إيدها بملامسة فيها أمان غريب، كأنه بيأكد لنفسه قبل ما يؤكد لها إنها بقت ملكه وتخصه.
وصلوا فيلا أكتوبر؛ مكان أصغر من قصر التجمع بس محاط بجنينة واسعة وشجر عالي، والأهم إن حراسته كانت من رجالة زين الخلّص اللي ملحقوش يتلوثوا بفلوس عاصم الهواري.
أول ما نزلوا، كان المأذون قاعد في الصالون، وشه عرقان وبيمسح جبهته بمنديل، باين عليه إنه جُي من بيته بـ “أمر تكليف” مش دعوة فرح.
زين دخل بطوله وهيبته، قميصه اللي عليه آثار الدم مغيروش، كأنه قاصد يكتب كتابهم بملامح المعركة اللي كسبها عشانها. بص للمأذون وقال بصوت رخيم هز جدران الصالة: “ابدأ يا مولانا”.
المأذون بص لهنادي اللي كانت واقفة بالكارديجان المقطوع وشعرها المتبهدل، وبص لزين الشافعي اللي مفيش مخلوق يقدر يقوله لأ، وبلع ريقه: “فين بطاقتها يا زين بيه؟ والوكيل؟”
زين طلع بطاقته وبطاقة هنادي اللي جابها من ملف تعيينها في ثانية، وحطهم على التربة: “أنا وكيلها، وأنا جوزها، وأنا ضهرها. اكتب يا مولانا وقصر”.
في خلال ربع ساعة، كانت الجملة الشهيرة بتتقال: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”.
المأذون مشي وهو مش مصدق إنه خرج عايش، وزين التفت لهنادي. الحراس والشغالين اللي في فيلا أكتوبر كانوا واقفين على جنب، وزين بص لهم بنظرة حادة خلتهم يوطوا راسهم: “الهانم هنا كلمتها قبل كلمتي. اللي هيسمعها بتتكلم بصوت واطي ويفكر يستقوى عليها، يقرأ على روحه الفاتحة”.
التفت لهنادي، وطى مسك إيدها وباسها برقة متمشيش مع شكل الدم اللي على كتافه: “اطلعي ارتاحي يا هنادي. فوق في الأوضة الرئيسية هتلاقي لبس جديد، وكل حاجة هتحتاجيها. نامي وانسي اللي حصل النهاردة”.
هنادي بصت له، وعينيها مليانة مشاعر ملخبطة.. كسوف، وخوف، وفرحة مش قادرة تصدقها: “وزين بيه.. قصدي.. وإنت؟”
زين ابتسم ابتسامة خفيفة، بس عينه لمعت بـ غضب مميت: “أنا ورايا حساب قديم مع عاصم الهواري.. لازم يتقفل الليلة دي، عشان لما أرجعلك، ميبقاش فيه صوت في الدنيا دي كلها يقدر يقلق نومك”.
هنادي مسكت في كم قميصه بلهفة وعفوية: “عشان خاطر ياسين.. وعشاني.. بلاش دم تاني يا ز.. يا زين. أنا خايفة عليك”.
كلمة “خايفة عليك” نزلت على قلب زين الشافعي زي المطر اللي يطفي نار قايدة من سنين. الراجل اللي مكنش فيه حد بيخاف عليه، بل الكل بيخاف منه، حس لأول مرة إن حياته غالية عند حد.
قرب منها، وطبع بوسة طويلة وهادية على جبينها: “متخافيش على راجل بيموت عشانك. اطلعي وسيبلي الباقي”.
خرج زين من الفيلا، وركب عربيته، ورجالته وراه في رتل عربيات ملوش آخر، متجهين لمقر عاصم الهواري. الليلة دي، التجمع الخامس وأكتوبر ومصر كلها كانت على كف عفريت، لأن وحش المعادي اتجرأ وصحى الأسد من نومه، والأسد الليلة دي مكنش بيحارب عشان نفوذ.. كان بيحارب عشان “هنادي”.

​حصن الشافعي
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *