قلادة العوض ج2 حكايات شروق خالد
العربية المرسيدس مشيت بينا في شوارع القاهرة والسكوت كان مالي المكان، بس مكنش سكوت خوف، كان سكوت اتنين لسه بيستوعبوا المعجزة اللي حصلت لهم. كنت باصة من الشباك على أنوار النيل وأنا حاطة إيدي على رقبتي، لسه مش قادرة أصدق إن فستان فرحي الأبيض اللي كنت بحلم بيه، اتحول لكفن لعلاقتي بشريف، وفي نفس الوقت بقى شاهد على ولادتي من جديد.
كامل بيه الرفاعي —أبويا— كان باصص لي وعينه مش مطلعاني، كأنه خايف يغمش عينه أختفي تاني زي ما اختفيت من 25 سنة. مسك إيدي وباسها وقال بصوت مخنوق: “قصر الرفاعي من النهاردة مش هيبقى ضلمة يا فريدة.. القصر ده متبني عشانك، وكل مليم فيه بتاعك.”
العربية وقفت قدام قصر ضخم في منطقة جاردن سيتي، مكان يشرح القلب، أول ما دخلنا من البوابة الكبيرة، لقيت كل الشغالين والحراسة واقفين صفين، وأول ما شافوني، انطلقت زغاريد هزت المكان. كامل بيه وقف ورفع إيده وقالهم بصوت قوي: “الست فريدة الرفاعي رجعت بيتها.. ومن النهاردة كلمتها هي اللي هتمشي على الكبير قبل الصغير.”
دخلت جوه، كل ركن في القصر كان فيه لوحة مرسومة لأمي وهي صغيرة.. نفس ملامحي، نفس عيني، وحتى نفس الضحكة. انهرت من العياط وأنا ببص لصورها، وكامل بيه جه من ورايا وحضني وهو بيقول: “أمك سابت الدنيا وهي بتوصيني عليكي، ومكنتش أعرف إنها خبيتك في أكتر مكان أمان بعيد عن الأعداء اللي كانوا عايزوا يخلصوا من عيلتي وقتها.. بس الحلال مبيضيعش يا بنتي.”
عدى أسبوعين وأنا عايشة في عالم تاني، بهتم بنفسي، والجرح اللي في رقبتي خف وساب علامة صغيرة، بس العلامة دي كانت بتفكرني كل يوم إني بقيت أقوى.
وفي يوم الصبح، وأنا قاعدة بفطر مع أبويا في جنينة القصر، دخل حسام المساعد بتاعه ومعاه ملف أسود كبير، وحطه على التربيزة وقال بابتسامة ثقة: “كله تمام يا كامل بيه.. النيابة وجهت لشريف السيوفي وأمه تهم النصب، والتزوير، وإيصالات أمانة بدون رصيد، وكمان قضايا لعب قمار وإدارة مكان مشبوه. وبناءً على ديونهم اللي مغرقاهم، المحكمة حجزت على كل ممتلكات عيلة السيوفي، والشركات والعقارات بتاعتهم كلها معروضة للبيع في المزاد العلني الأسبوع الجاي عشان تسديد الديون.”
كامل بيه بص للملف، وبعدين بصلي وابتسم نظرة خبيثة وقال للمساعد: “ادخل المزاد ده يا حسام.. واشتري كل أملاك عيلة السيوفي، من أصغر شقة لأكبر شركة عقارات عندهم، واكتب كل حاجة باسم فريدة الرفاعي.”
بصيت لأبويا بذهول وقولت: “ليه يا بابا؟ أنا مش عايزة منهم حاجة، أنا بقيت بقرف من اسمهم.”
أبويا ضحك وقالي: “العقاب مبيبقاش كامل يا فريدة لو مخلتيهمش يشوفوا الحاجة اللي ذلوكي عشانها وهي تحت رجليكي.. شريف كان فاكرك جربوعة وملكيش ضهر، ولازم يعرف إنك بقيتي المالك الشرعي لقمة عيشه.”
يوم المزاد، روحت بنفسي مع حسام المساعد. دخلت القاعة وأنا لابسة فستان أسود شيك جداً، والقلادة الياقوت بتلمع في رقبتي، وبكل هدوء وثقة، حسام قعد يرفع السعر لحد ما رسي المزاد علينا واشترينا كل تملكته عيلة السيوفي بتراب الفلوس.
بعدها بكام يوم، خدت إذن من النيابة وروحت السجن.. كنت عايزة أشوفه للمرة الأخيرة.
وقفت ورا السلك، ولما شريف دخل، كان وشه شاحب، ولابس لبس الحبس الأزرق، وشعره منكوش، ومبقاش فيه حتة من الواد الوسيم الشيك ابن عيلة السيوفي. أول ما شافني، جري على السلك وعينه اتملت دموع وصرخ: “فريدة! أبوس رجليكي ارحميني! أمي بتموت جوه في عنبر الحريم، وأنا هيتحكم عليا بـ 15 سنة! قولي لأبوكي يتنازل، احنا بقينا على الحديدة ومبقاش حيلتنا حاجة!”
بصيت له بكل برود، وقربت من السلك وقولت له بصوت واثق وهادي: “تصدق يا شريف، أنت صح.. أنت فعلاً بقيت على الحديدة.. لدرجة إن الفيلا بتاعتك، والشركات، وحتى العربيات اللي كنتوا بتتمنظروا بيها عليا، بقت ملكي أنا.. ملك ‘الجربوعة’ اللي لمتها من الشارع.”
شريف وشه اتصدم وعينه برقت ومبقاش عارف ينطق، كملت كلامي وقولت: “أنا مش جاية أنتقم، أنا جاية أوريك عدالة ربنا.. القلادة اللي أنت شدتها من رقبتي وسيلت دمي عشانها، هي اللي رجعتني لأبويا الملياردير، وهي اللي رمتك في السجن. من النهاردة، أنت وأمك هتعيشوا هنا، وأنا هعيش فوق في العالي، والزمن يدور وكل واحد بيرجع لمكانه الأصلي.”
لفيت ضهري ومشيت وصوته وهو بيصرخ وبيردد اسمي ورايا كان بيبعد بالتدريج. خرجت من بوابة السجن، وبصيت للسما وأنا بتنفس الهوا النظيف، وركبت عربيتي وأنا عارفة إن فريدة اليتيمة المكسورة ماتت في قاعة الفرح.. واللي عايشة دلوقتي هي فريدة الرفاعي، البنت اللي ضهرها بقى حديد، ومفيش مخلوق في الدنيا يقدر يكسرها تاني.
حكايات شروق خالد
بعد ما قفلت صفحة شريف وعيلته نهائي، رجعت القصر وأنا حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. لأول مرة من سنين، نمت وأنا مطمنة، مش خايفة من بكرة، ولا حاسة إن فيه لقمة ممكن تذلني أو كلمة ممكن تكسرني.
الحياة بدأت تاخد مجرى جديد تماماً. كامل بيه مكنش مجرد أب عوضني عن سنين الحرمان، ده كان بيعلمني كل صغيرة وكبيرة في الشغل. مكنش عايزني مجرد بنت ملياردير عايشة في عز، كان عايزني أكون “فريدة الرفاعي” اللي السوق كله يعمل لها ألف حساب. بقيت أنزل معاه الشركات، أظبط العقود، وأقعد في اجتماعات مجلس الإدارة وسط حيتان السوق، وبسرعة قاطعة أثبت نفسي وبقيت أنا دراعه اليمين المسؤول عن قطاع التطوير العقاري كله في مجموعة الرفاعي.
وفي يوم، وبعد مرور سنة كاملة على الحادثة دي، كنت قاعدة في مكتبي بالشركة براجع تصميمات مشروع مستشفيات خيرية كبير أبويا قرر يبنيه للأيتام ومحدودي الدخل، ودخل عليا حسام المساعد وهو شايل بورتفوليو لمهندس ديكور ولاندسكيب متقدم للمشروع.
حسام قال لي: “باشمهندسة فريدة، ده الملف بتاع الشركة اللي هتمسك ديزاين الحدائق والمساحات الخضراء للمستشفى، صاحب الشركة شاب مصري كان عايش بره ولسه راجع، وشغلهم عالي جداً ومناسب للي أنتِ طالباه.”
فتحت الملف، وبدأت أفر في الصور والتصاميم.. المنظر كان يخطف العين، فيه لمسة إنسانية وراحة نفسية غريبة. بس وأنا بقلب، عيني جت على اسم صاحب الشركة المكتوب في آخر السيرة الذاتية: «المهندس يوسف السيوفي».
قلبي انقبض لثانية.. اسم “السيوفي” بقيت بكرهه بالفطرة. بصيت لحسام وقولت له بنبرة حادة: “يوسف السيوفي؟ يقرب إيه لشريف؟”
حسام اتوتر بسرعة وقال: “والله يا فندم أنا سألت وعرفتو إنه ابن عم شريف من بعيد، بس أهله مقاطعين عيلة شريف من أكتر من عشرين سنة بسبب مشاكل قديمة وطمع ناهد وأبو شريف.. يوسف ملوش أي ذنب ولا علاقة بيهم، وتعب وبنى نفسه بنفسه في دبي ولسه نازل يفتح فرع لشركته في مصر.”
سكت لفترة وأنا بقلب في التصاميم.. فكرت إني أرفضه لمجرد الاسم، بس افتكرت نفسي زمان.. لما شريف وأمه ظلموني وحكموا عليا لمجرد إني طالعة من ملجأ ومليش أهلي. قولت لنفسي: “أنا مش هكون ظالمة زيهم، ومستحيل أحاسب بني آدم بجريرة قرايبه.”
بصيت لحسام وقولت له: “خلوه ييجي بكرة الساعة 12 يعمل بريزنتيشن للشغل بنفسه.”
تاني يوم، الساعة اطلعت 12 بالظبط، الباب خبط ودخل يوسف. كان طويل، ملامحه هادية وفيها طيبة وولاد أصول واضحة، لابس بدلة بسيطة ومحترمة، وفي عينه نظرة ذكاء وتحدي. أول ما دخل وبصلي، ملامحه اتغيرت وبان عليه إنه عارف أنا مين.. طبعاً، ما هي قضية شريف وفضيحتهم كانت حديث السوق كله من سنة.
يوسف وقف وممدش إيده، تأنّى وقال باحترام شديد: “أهلاً بشمهندسة فريدة.. أنا يشرفني جداً الشغل مع مجموعة الرفاعي، وقبل ما أبدأ، كنت حابب أقول لك حاجة.. أنا عارف اسم عيلتي ممكن يكون مسبب لك إيه، ولو حضرتك حابة تنسحبي من التعامل معايا، أنا هحترم رغبتك جداً ومش هزعل.”
ابتسمت هدوء وقولت له: “يا باشمهندس، في عيلة الرفاعي احنا بنحكم على البني آدم بشغله وأصله وأفعاله، مش بأسماء الناس اللي في بطاقته.. اتفضل اعرض شغلك.”
وشه نور بابتسامة ارتياح، وبدأ يشرح التصميم وشغفه كان باين في كل كلمة.. كان بيتكلم عن إزاي الورد والأشجار ممكن يدوا أمل لطفل يتيم أو مريض، وفي اللحظة دي عرفت إن الراجل ده جواه نضيف بجد.
على مدار ست شهور، يوسف كان مشرف على الموقع بنفسه، وكان بيتعامل مع العمال بكل ذوق وأدب، ومقصرش في الهوا. ومن غير ما أحس، بدأت أتابع تفاصيله، وبدأ يجمعنا كلام بره الشغل.. حكالي عن تعبه وغربته، وحكيتله عن حياتي في الملجأ، ولقيت فيه الظهر والسند الحقيقي اللي كنت دايماً بحلم بيه.. الشهم اللي مبيغرهاش الفلوس ولا بيهمها المظاهر.
في يوم افتتاح المستشفى، وبعد ما الشريط اتقص والكل كان فرحان، كامل بيه أبويا ناداني ونادى يوسف على جنب في جنينة المستشفى وسط الورد اللي يوسف زرعه بإيده.
أبويا بص ليوسف وقال له بابتسامة أب حكيم: “أنا بقالي 6 شهور عيني عليك يا يوسف.. وجمعت عنك كل تفصيلة، وعرفت إنك راجل بجد وتستاهل.. وأنا يشرفني إنك تطلب إيد بنتي فريدة.”
يوسف عينه لمعت وبصلي بكل حب وقال: “ده الشرف اللي أنا مكنتش أطمع فيه يا كامل بيه.. فريدة هي الجوهرة اللي هصونها بعمري كله.”
بعدها بشهر، اتقام فرحنا في نفس الفندق وعلى نفس النيل.. بس المرة دي مكنش فيه نجف عاكس على دموع، ولا سلسلة بتتقطع. كنت لابسة فستاني الأبيض، والقلادة الياقوت بتلمع في رقبتي كأنها بتقول لي: “رحلتك كملت يا فريدة”. يوسف مسك إيدي وباسها قدام الدنيا كلها، وأبويا كان واقف بيزغرد مع الناس وفرحان بيا.
وفي نفس الليلة دي، أفتكرت شريف اللي قاعد ورا القضبان بياكل في نفسه من الندم، وأمه اللي خسرت كل حاجة.. وبصيت ليوسف وقولت في سري: “الحمد لله اللي أخر العوض عشان يربط قلبي باللي يصونه بجد.. سبحان من يعز من يشاء ويذل من يشاء.”
قلادة العوض
حكايات شروق خالد