خمس سنوات من الغربة حكايات شروق خالد
عدت من السعودية من غير ما أقول لأي حد بعد خمس سنين من الشقا والتعب، عشان ألاقي مراتي وعيالي بيموتوا من الجوع ورا الفيلّا اللي دافع تمنها من دمي، في الوقت اللي أمي وأختي عايشين جوة في رغد وفساد.
رجعت من السفر ومعايا شنطة مليانة هدايا وخمس سنين من الشوق، ولقيت مراتي وولادي بياكلوا ورق شجر مسلوق ورا الفيلّا اللي شقيت عشان أبنيها.
جوة البيت، الأغاني والمهرجانات كانت بتهز الحيطان.
#حكايات_شروق_خالد
للحظة افتكرت نفسي دخلت الكومباوند الغلط، بس الفيلّا البيضا كانت هي هي زي ما أمي ورتهالي في الفيديوهات: أعمدة رخام، بوابة دهب، بلكونة جديدة، وأنوار غالية ومنورة كأنها قصر. لكن ورا حيطة المطبخ، جمب صناديق الزبالة، كانت مراتي إيمان قاعدة على كرسي بلاستيك مكسور، خاسة جداً لدرجة تخوف، وبتأكل ابننا الصغير شوية رز مبلولين بمية.
بنتي شافتني الأولى.
“بابا؟”
صوتها كسر حاجة جوة صدري.
جريت عليا حافية في التراب، وفستانها مقطوع من عند الكتف. وابني جِري وراها، وضلوعه كانت باينة من تحت قميصه. إيمان وقفت براحة كأن جسمها نسي يعني إيه القوة.
همست: “أحمد”.
رميت الشنط من إيدي.
أنا سافرت السعودية وبنتي عندها ست سنين وابني يا دوب بيحبي. اشتغلت في المقاولات تحت شمس حارقة كانت بتخلي الرجالة يغمى عليها. كنت ببعت الفلوس كل شهر؛ مصاريف المدارس، الأكل، اللبس، العلاج، وتوضيب البيت. أمي هي اللي كانت مسيطرة على الحساب عشان فضلت تعيط وتقولي إن إيمان “غلبانة ومش بتفهم في الفلوس” وماتعرفش تدير البيت.
دلوقتي ولادي باين عليهم كأنهم خارجين من مجاعة.
سألتها: “إيه اللي حصل؟”
شفايف إيمان اترعشت وقالت: “أمك قالت إن الفلوس دي فلوسها هي. قالت إننا عايشين عالة عليهم”.
وقبل ما أرد، صوت ضحك عالي جداً انفجر جوة الفيلّا، وصوت أختي عِلي فوق صوت المزيكا.
“صُب خمرة تاني يا ابني! أخويا لسه ظهره بيتكسر في صحرا الخليج ويدفع!”
في اللحظة دي، دخل جوايا برود مرعب.
مشيت لحد الباب الوراني وبصيت من الإزاز.
أمي كانت قاعدة في الصالة ولابسة غوايش دهب واصلة لحد كوعها. وأختي كانت بترقص مع شابين جمب ترابيزة مليانة قزايز، ولحمة، وشنط ماركات، وفلوس متطورة. صورة فرحي اللي كانت متعلقة على الحيطة اتشالت، ومحطوط مكانها صورة كبيرة لأمي كأنها هي صاحبة الملك.
إيمان لمست ذراعي وقالتلي وهي بتترعش: “بلاش تدخل وأنت متعصب.. هيعرفوا يقلبوا الترابيزة عليك ويركبوك الغلط”.
بصيت لوشوش ولادي الدبلانة والجعانة، وضغطت على إيدي وفردتها بالعافية.
قولتلها بهدوء: “أنا مش زعلان”.
ودي كانت أول كدبة أكدبها في الليلة دي.
الكدبة الثانية كانت لما خبطت على باب بيتي ورسمت ابتسامة على وشي…
#حكايات_شروق_خالد
رسمت على وشي ابتسامة واسعة، وفتحت الباب بقوة كأني لسه واصل حالا من المطار وميعرفوش إني شوفت حاجة.
المزيكا وقفت فجأة. أختي اتسمرت في مكانها والشابين اللي معاها ملامحهم خطفها الرعب. أمي قامت تقف بسرعة، والدهب اللي في إيدها كان بيخبط في بعضه ويعمل صوت رن في ودني كأنه رصاص.
“أحمد؟! يا حبيبي.. يا ضنايا! رجعت إمتى؟!”
أمي جريت عليا تفتح حضنها، الحضن اللي طول عمري كنت بنام فيه وأنا مرتاح، بس المرة دي حسيت إني بحضن تِعبان. ضمتني وهي بتبكي دموع تماسيح وتقول: “يا حبيبي لو كنت قولتلي كنا عملنالك زفة.. الشقة وحشة من غيرك يا قلب أمك”.
أختي ارتبكت وبقت تداري القزايز والشنط الماركة ورا ضهرها وهي بتلعثم: “حمد الله على السلامة يا أبيه.. نورت بيتك.. دا.. دا زمايلي في الشغل كنا بنحتفل بترقيتي”.
بصيت حوليا بروقان غريب، البرود اللي جوايا كان بيتحول لخطوة شطرنج مدروسة. قولت بابتسامة صفرا: “الله يسلمكم يا جماعة. معلش جيت فجأة حبيت أعملهالكم مفاجأة.. بس إيه العز ده؟ ده البيت بقى قصر يا أمي، والدهب ده كله من ورايا؟”
أمي وشها جاب ألوان وقالت بسرعة: “ما هو.. ما هو ده شقاك يا حبيبي، أنا كنت بجمع الفلوس وأجيب بيها دهب عشان أشيلهولك للزمن، أنت عارف أمك مدبرة”.
“عارف يا أمي.. طول عمرك مدبرة.” قولت الكلمة دي وأنا عيني جت على الشابين اللي واقفين. “منورين يا رجالة، بس معلش الوقت تأخر، والبيت ليه حرمته.”
الشابين جِريوا على الباب من غير ما ينطقوا كلمة. أختي دخلت أوضتها بسرعة ورزعت الباب وهي مرعوبة.
هنا أمي لفت وحطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة خبيثة: “أكيد شوفت البومة اللي ورا البيت؟ أهو أنت لسه واصل وهي تلاقيها اشتغلتلك مسكنة وشحاتة. دي واحدة فاشلة يا أحمد، كل ما أديلها فلوس تصرفها على اللبس والمكياج وتسيب العيال جعانين، وكنت بطردها ورا البيت عشان أأدبها!”
سكتّ ثواني.. بصيت لأمي بتمعن. الست اللي ولدتني بتكذب في وشي وعينها في عيني بكل جبروت.
قولتلها بنبرة هادية تماماً: “عارف يا أمي.. إيمان طول عمرها مابتفهمش في الأصول، وأنا أصلاً طلقتها في سري من سنة، بس كنت سايبها عشان العيال.”
أمي عنيها لمعت من الفرحة: “بجد يا قلب أمك؟! يعني رمتها؟ أحسن، دي متستاهلكش.. الفيلّا دي بتاعتي وبتاعتك وبس”.
“بتاعتك أنتِ يا أمي.. كل حاجة باسمك.”
نزلت الشارع في نفس الليلة بحجة إني هجيب لبس وأكل. روحت لإيمان والعيال اللي كانوا لسه قاعدين في الضلمة ورا الحيطة. أخدتهم في حضني، وبكيت لأول مرة من خمس سنين. بكيت بحرقة وأنا بأكلهم بأيدي من أغلى مطعم في المنطقة، واشتريت ليهم لبس جديد.
حجزت لهم شقة مفروشة في مكان بعيد تماماً عن الكومباوند، وقولت لإيمان: “أنا أسف.. حقك وحق عيالي في رقبتي، بس عايزك تثقي فيا كام يوم بس.. واختفي أنتِ والعيال تماماً ومترديش على أي تليفون”.
بدأت الخطة.
أنا مسافرتش السعودية عشان أكون مهندس مقاولات عادي، الخمس سنين دول علموني إزاي أدير ملايين، وإزاي أتعامل مع كل أنواع البشر.
تاني يوم الصبح، قعدت مع أمي وأختي بكل حب. قولت لأمي: “يا أمي أنا داخل في صفقة عمر عمري في السعودية، محتاج سيولة فورا بـ 3 مليون جنيه، والصفقة دي هترجعلي 10 مليون بعد أسبوعين بالظبط، وهكتبلك نص الفيلّا التانية باسمك”.
أمي طمعها عماها. الدهب اللي في إيدها، والفلوس اللي كانت شايلاها في الدولاب من عَرَقي، كله طلع في ثواني. أختي كمان طلعت فلوسها عشان “تتبرع” وتدخل في السبوبة.
مكتفتش بده.. قولت لأمي: “عشان الأمان، لازم نكتب الفيلّا دي باسم شركة الاستثمار بتاعتي كضمان مؤقت للبنك، وأول ما الفلوس تيجي هترجع باسمك تاني”.
أمي من كتر ثقتها في غبائي، ومن كتر ما هي شايفاني “المغفل” اللي بيبعت فلوسه وهو مغمض، مضت على كل الأوراق.. مضت على بيع وشراء وتنازل رسمي عن كل شبر في الفيلّا وعن كل مليم تملكه.
بعد أسبوع بالظبط..
كنت واقف في الصالة، لابس بدلة شيك جداً، والعمال بيشيلوا العفش الغالي، ويحطوا صورة فرحي أنا وإيمان على الحيطة الرئيسية تاني بعد ما قطعت صورة أمي.
أمي دخلت البيت وهي شايلة أكياس شوبنج هي وأختي، وقفوا مذهولين: “في إيه يا أحمد؟! إيه المهازل دي؟ وفين الفلوس والـ 10 مليون؟”
قعدت على الكرسي الرخام، حطيت رجل على رجل، وبصيتلهم ببرود: “مفيش صفقة.. ومفيش فلوس.. ومفيش فيلّا”.
أختي صرخت: “أنت اتجننت؟! أنت بتسرقنا؟!”
قومت وقفت وصرخت فيهم بصوت هز الحيطان، الصوت اللي كتمته جوايا من ليلة وصولي: “أنا مبسرقش! أنا رجعت حقي وحق مراتي وعيالي اللي كلتوا لحمهم ورميتوهم للكلاب ورا البيت! الفيلّا دي من اللحظة دي باسم إيمان مراتي.. والفلوس والدهب اللي أخدتهم منكم دول مصاريف الأكل واللبس والعلاج بتاع عيالي اللي عيشتوهم في مجاعة!”
أمي وشها اتقلب وبقت تلطم: “يا واطي.. بتطرد أمك وأختك عشان حتة حُرمة؟! هسجنك.. هوديك في داهية!”
طلعت الأوراق وعقد البيع والتنازل وقولتلهم بابتسامة مرعبة: “القانون لا يحمي المغفلين يا أمي.. مش دي الكلمة اللي كنتِ بتقوليها لإيمان؟ قدامكم بالظبط نص ساعة، تاخدوا هدومكم الشخصية وتطلعوا برة الكومباوند، وإلا هطلب الأمن يرميكم برة بتهمة اقتحام ملكية خاصة.”
أختي قعدت في الأرض تعيط وندمانة على كل كلمة وكل قرش صرفته في الحرام، وأمي كانت بتبصلي بغل وهي مش مصدقة إن “أحمد الطيب” هو اللي عمل كده.
خرجوا من الباب بشنط هدومهم وهم بيجروا رجليهم من الخزي.. وبنفس الطريقة اللي طردوا بيها مراتي وعيالي.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخلت إيمان، ولابسة فستان شيك، والولاد شكلهم يرد الروح وبيضحكوا. بصيت لإيمان وقولتلها: “أنا أسف إني اتأخرت عليكي.. بس بيتك رجعلك خلاص”.
دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وأمان.. وبصيت ورايا لقيت صورة فرحنا منورة الصالة من جديد.
خمس سنوات من الغربة
حكايات شروق خالد
