رد الاعتبار في الصباحيه ج3 حكايات شروق خالد
(أحمد ركبه خبطت في بعضها، ونزل جري على السلم زي المجنون من غير حتى ما يلبس جزمته عدل، وكاميليا وقفت في وسط الصالة لثواني، قلبها بيقولها “سيبك منها دي ياما ذلتك”، بس أصولها وتربيتها في حواري الجمالية غلبتها.. مفيش بنت أصول تشمت في الموت والمرض).
(دخلت كاميليا غيرت هدومها في ثانية، وحصلت أحمد على بيت العيلة في شلتهم القديمة. أول ما وصلت، لقت الشارع مقلوب، والإسعاف واقفة تحت البيت، والنسوان ملمومة على السلم عمالة توشوش).
**الجارة الأولى (بصوت واطي):** أهي جت الحرباية اهي.. جاية تشمت في حماتها بعد ما جابت أجلها وكسرت نفسها قدام المنطقة!
**الجارة الثانية:** ششش.. اسكتي لتسمعك، دي بنت الحاج مرسي وعيلتها حاميين، بس يمهل ولا يهمل، البنت قطعت خلف الحرمة لغاية ما طبت ساكتة.
(كاميليا نفضت الكلام من ودنها ودخلت الشقة، لقت أحمد قاعد في الأرض ماسك راسه وبيعيط، وأبوه واقف مذهول، والدكتور طالع من الأوضة وشه ميتفسرش).
**أحمد (جري على الدكتور ودموعه مغرقة وشه):** طمني يا دكتور! أمي جرى لها إيه؟ أرجوك قولي إنها بخير!
**الدكتور (تنهد بأسى):** جلطة خفيفة في المخ يا أحمد بيه، الحمد لله لحقناها، بس الجلطة أثرت على شقها اليمين.. يعني الحركة هتبقى تقيلة، والنطق هيبقى صعب شوية.. ومحتاجة راحة تامة وحد يخدمها ويلبي طلباتها من غير نكد وعصبية.
(الحموات والخلات اللي في الأوضة أول ما سمعوا كلمة “يخدمها”، كله بدأ ينسحب بضهره ويتدارى ورا الستائر).
**الخالة الأولى:** يا حبيبتي يا أختي! أنا عيني ليها بس عيالي ومدارسهم مش هعرف أسيب بيتي في المحلة.
**العمة:** وأنا رجلي والـروماتيزم يا أحمد يا ابني، يدوبك هروح أصلي لها وأدعي لها.
(أحمد بص حواليه لقى نفسه لوحده، وبص لكاميليا بعيون مكسورة ومليانة رجاء.. كان خايف يتكلم لتقوله “وأنا مالي”، وأمه هي اللي بدأت بالشر).
**أاميليا (خطت خطوة ثابتة ووقفت قدام أحمد، وبصت للنسوان اللي بيخلعوا):** اهدى يا أحمد، أمك هتقوم بالسلامة إن شاء الله.. (وبصت للدكتور) جهزها يا دكتور عشان هتقعد معانا في شقتنا في مصر الجديدة، رعاية ونظافة وهوا نظيف بعيد عن دوشة الحارة.
(الكل برق عينيه، وأحمد وقف مذهول ومصدقش ودنه).
**أحمد (بصوت بيترعش):** كاميليا.. إنتي بتقولي إيه؟ دي أمي اللي..
**كاميليا (قاطعت كلامه وحطت إيدها على كتفه):** أمك وغلطت في حقي وأنا أخدت حقي وتالت ومتلت والمنطقة كلها شهدت.. بس دي في مقام أمي برضه، وأبويا علمني إن الأصيل بيبان وقت الشدة، وإحنا مبنشمتش في المرض يا أحمد. شيل معايا أمك يلا عشان نلحق نطلع بيها على المستشفى تكمل علاجها وبعدين على بيتنا.
(بعد أسبوعين في شقة مصر الجديدة.. الأوضة كانت هادية، والحاجة “أم أحمد” نايمة على السرير، الشق اليمين واقف، وبتتكلم بالـعافية.. دخلت كاميليا ومعاها صينية الشوربة الدافية وفوطة نظيفة).
**كاميليا (بابتسامة صافية من غير شماتة):** يالا يا حاجة.. الشوربة دافية اهي عشان تاكلي وتاخدي العلاج في ميعاده.
(الحماة بصت لكاميليا، وعينيها دمعت.. الغل والحقد اللي كان في قلبها داب كله لما لقت إن البنت اللي حاولت تذلها وتغسل رجليها، هي الوحيدة اللي وقفت تشيلها وتأكلها بـ إيدها لما الكل هرب منها).
**الحماة (بصوت مبحوح ومكسور والكلمات تطلع بالعافية):** كـ.. كاميليا.. أنا.. سامحيني يا بنتي.. أنا ظلمتك.. وكنت عايزة أخرب بيتك..
**كاميليا (قعدت جمبها على طرف السرير، وأخدت الفوطة وبدأت تمسح إيد الحماة التعبانة بكل حنية):** المسامح كريم يا أم أحمد.. الصفحة القديمة اتقفلت واتحرقت كمان. إنتي دلوقتي في بيتي وفي حمايا وحماية ابنك، والست الشاطرة والأصيلة بتبان في أول يوم.. وبتبان كمان في وقت الشدة. كلي يلا عشان تشدي حيلك وترجعي تقفي على رجليكي من تاني!
(أحمد كان واقف ورا الباب، سامع الحوار، والدموع نزلت من عينيه.. عرف إنه اتجوز ست بـ 100 راجل، بنت حارة شعبية بجد، بتعرف تاخد حقها بدراعها، بس وقت العوزة.. قلبها أبيض وأنظف من الشهد).
حكايات شروق خالد
(عدت الأيام والأسابيع، والحاجة أم أحمد بدأت صحتها تتحسن والطق لسانها يرجع يتكلم أحسن من الأول بفضل ربنا ثم لقمة حنية كاميليا واهتمامها اللي ملقتهوش من بناتها ولا قرايبها اللي نفضوا إيديهم منها وقت الزنقة. أحمد مكنش مصدق نفسه، كل يوم يرجع من الشغل يلاقي أمه نضافة، وواكلة، وكاميليا قاعدة جمبها تسليها وتحكيلها عن حكايات الجمالية وزمان).
(في ليلة، كانت كاميليا في المطبخ بتعمل عشا خفيف، وأحمد قاعد في الصالة جمب سرير أمه يطمن عليها).
**أحمد (وهو بيبوس إيد أمه):** هاه يا أماه.. طمنيني عليكي، حاسة نفسك أحسن النهاردة؟ الدوا عامل معاكي مفعول؟
**الحاجة أم أحمد (وعينيها تروح ناحية المطبخ والدموع تلمع فيها):** الحمد لله يا بني.. ربنا يبارك في مرأتك كاميليا، الست دي أصيلة يا أحمد، أنا ياما قسيت عليها وياما حاولت أكسرها، وهي اللي شالتني لما الكل سابني.. أنا مكسوفة من نفسي ومنها كل ما تبص في وشي وتديني لقمة.
(أحمد طبطب على كتف أمه، وفي اللحظة دي دخلت كاميليا ومعاها صينية العشا).
**كاميليا (بضحكة ترد الروح):** جرى إيه يا حاجة؟ إحنا مش قفلنا الدفاتر القديمة دي؟ كلي يالّا وخلي صحتك ترد عشان الأسبوع الجاي عندنا مشوار مهم.
**أحمد (باستغراب):** مشوار إيه يا كاميليا؟ الدكتورة قالت أماه متتحركش كتير!
**كاميليا (بغمزة ودلال):** لأ، المشوار ده لازم تروحه.. أبويا الحاج مرسي عازم المحروسة أم أحمد وأبوك وأنت على الغدا في بيتنا في الجمالية، وقالي: “قولي لحماتك تنور بيتها الثاني، العيش والملح اللي بينا مبيموتش”.
(الحاجة أم أحمد غطت وشها بإيدها الشغالة وبدأت تعيط من كرم أخلاق العيلة دي، وأحمد بص لكاميليا بنظرة كلها فخر وحب.. حس إن مراته دي مش بس ردت اعتبارها، دي كبرت في عين طوب الأرض وبقت هي الوتد اللي ساند البيت كله).
(يوم الجمعة، الحارة في الجمالية كانت متبخرة بالمسك والعود، والحاج مرسي واقف على أول الشارع مستني اللنش.. قصدي العربية اللي جايبة أحمد وأهله. أول ما نزلت الحاجة أم أحمد وسندها أحمد وسيد أخو كاميليا، النسوان اللي كانوا بيوشوشوا زمان وقفوا مبرقين عينيهم).
**الجارة الأولى (بهمس):** شوف يا اختي سبحان مغير الأحوال! الحية والحرباية بقوا سمن على عسل، وكاميليا شايلاها على راسها!
**الجارة الثانية:** دي أصول يا حبيبتي، بنت الحاج مرسي عرفت تكسبهم بأدبها وأصلها، والناس المقصلة ملهمش عيش معاهم.
(دخلوا البيت، والسفرة كانت قايمة وقاعدة بكل ما تشتهي الأنفس، والحاج مرسي رحب بيهم كأن مفيش أي زعل حصل في يوم من الأيام).
**الحاج مرسي (وهو بيقرب من أم أحمد):** نورتي بيتك يا أم أحمد، الشدة بتزول والأصل هو اللي بيفضل، وإحنا وأنتوا بقينا أهل والدم مبيبقاش مية.
**الحاجة أم أحمد (بصوت مكسور ودموع فرحة):** البيت منور بأهله وناسه يا حاج مرسي.. إنت عرفت تربي، وكاميليا دي بـ مية راجل، ودايماً هقولها قدام الدنيا كلها: “حقك عليا يا بنتي، وإنتي ست الكل وست بيتي وتاج راسي”.
(كاميليا وقفت ورا أحمد، حطت إيدها في إيده وابتسمت ابتسامة صافية.. عرفت إن الكرامة لما بترجع بصبر وأصل، بتبني بيت ميهدهوش ريح. وبصت لأحمد وهمست في ودنه):
**كاميليا:** أهو كده يا أبو حميد.. الصباحية كملت بجد، والراجل اللي يصون مراته تفرشله الأرض حرير!
(وتوتة توتة، خلصت الحوتة.. كاميليا بنت الجمالية ثبتت لـ طوب الأرض إن الست مش بـ طشت المية والخدمة بالإهانة، الست بـ كرامتها وأصلها وقت الشدة!)
**رد الاعتبار في الصباحية**
حكايات شروق خالد