البيت اللي رموني فيه… ولما بنيته بإيدي حاولوا ياخدوه مني ج3 حكايات شروق خالد
بعد تلات أسابيع، دخلت المحكمة وأنا شايلة الدفتر الأسود تحت دراعي.
أمي كانت قاعدة جنب أبويا في الناحية التانية.
فيفيان كانت وراهم.
أول ما شافتني، لفت وشها.
كنت متوقعة أشوف غضب في عينيها.
لكن اللي شفته كان مختلف.
خوف.
المحامي بتاع أهلي حاول يصور الموضوع كأنه خلاف عائلي بسيط.
قال إن البيت اتساب ليا “مؤقتًا” علشان أتعلم المسؤولية.
وإن أهلي ماكانوش يقصدوا أبدًا التنازل عن ملكية عقار تابع لشركتهم.
أستاذة سلمى قامت بهدوء.
وحطت العقد قدام القاضي.
“النية الشخصية لا تلغي نصًا مكتوبًا وموثقًا.”
وبدأت تعرض الأدلة.
العقد.
تقارير المهندسين.
التصاريح.
شهادة صلاحية البيت للسكن.
الفواتير.
الصور.
صورة ورا صورة.
البيت يوم ما استلمته.
والبيت بعد شهر.
وبعد تلات شهور.
وبعد ستة.
وبعد تمنية.
أبويا كان بيتجنب النظر للشاشة.
أما أمي، فكانت باصة للصور كأنها لأول مرة تستوعب حجم الشغل اللي عملته.
بعدها، أستاذة سلمى شغلت التسجيل.
صوت أبويا ملأ القاعة:
“سيبها تضيع فلوسها. لما تزهق هنبيع الأرض.”
الصمت نزل على المكان.
بصيت لأبويا.
هو ما بصليش.
القاضي سأل:
“هل ده صوتك؟”
أبويا قال بعد تردد:
“أيوه… لكن الكلام اتقال في سياق مختلف.”
“إيه السياق المختلف؟”
سكت.
ماكانش فيه سياق مختلف.
كان فيه بس حقيقة اتقالت بصوت عالي.
بعد جلستين، صدر الحكم.
إلزام الشركة بتنفيذ الاتفاق ونقل ملكية البيت ليا مقابل جنيه واحد.
الجنيه اللي دفعت تمن البيت بيه كان أغلى جنيه مسكته في حياتي.
احتفظت بإيصاله.
وحطيته في الصفحة الأخيرة من الدفتر الأسود.
افتكرت إن الموضوع خلص.
لكن بعد الحكم بأسبوع، فيفيان ظهرت عند بابي.
لوحدها.
من غير أمي.
من غير أبويا.
ومن غير شنط.
فتحت لها الباب، لكن ما طلبتش منها تدخل.
كانت مختلفة.
مفيش مكياج.
شعرها مربوط بسرعة.
وعينيها حمرا.
قالت:
“ممكن نتكلم؟”
قلت:
“اتكلمي.”
بصت للشارع.
“ممكن أدخل؟”
ترددت.
وبعدين فتحت الباب.
دخلت.
فضلت واقفة في الصالة تبص حواليها.
لمست الحيطة الطوب بإيدها.
وقالت:
“أنا ما كنتش أعرف.”
“ما كنتيش تعرفي إيه؟”
“إنك عملتي كل ده لوحدك.”
ضحكت بخفة.
“كنتي فاكرة إيه؟ إن البيت صحى من النوم واترمم؟”
نزلت عينيها.
“ماما قالت إن بابا دفع.”
هنا سكت.
طبعًا.
حتى نجاحي كان لازم ينسبوه لحد تاني.
قالت:
“أنا آسفة.”
بصيت لها.
الكلمة كانت غريبة وهي طالعة منها.
“على إيه بالضبط؟”
سكتت.
قلت:
“على حفلة التخرج؟ ولا على سنين السخرية؟ ولا على إنك وافقتي تاخدي بيتي بعد ما أنا صلحته؟”
دموعها نزلت.
“على كله.”
كنت مستنية اللحظة دي سنين.
كنت فاكرة إن اعتذار فيفيان هيصلح حاجة جوايا.
لكنه ما عملش.
الاعتذار ما بيرجعش العمر.
بس ساعات بيوقف الجرح من إنه يكبر.
قعدت قدامي وقالت:
“أنا ما خسرتش الشقة بسبب أزمة مالية.”
بصيت لها.
“أمال؟”
بلعت ريقها.
“بابا باعها.”
“إيه؟”
“الشقة كانت باسم الشركة من البداية. مش باسمي.”
افتكرت المفتاح الأسود.
التصوير.
التهنئة.
التلاتة مليون.
كل ده كان عرض.
قالت:
“لما مشروع بابا خسر، باعها. وأنا اكتشفت إني ما كنتش أملك حاجة.”
لأول مرة، شفت التشابه بينا.
أنا أخدت بيت خردة ووعد.
وهي أخدت بنتهاوس ووهم.
الفرق إن أنا ما صدقتش الوعد.
وهي صدقت الوهم.
قالت:
“ماما قالت إن الحل إننا ناخد بيتك.”
“وإنتي وافقتي.”
هزت راسها.
“أيوه.”
ما حاولتش تبرر.
وده كان أول شيء محترم عملته في الحوار كله.
قالت:
“كنت فاكرة إنك هتتنازلي زي كل مرة.”
“وأنا كمان كنت فاكرة كده.”
رفعت عينيها لي.
“ليه ما عملتيش؟”
بصيت حواليا.
للأرض.
للحيطان.
للمطبخ.
وبعدين قلت:
“لأني لأول مرة كان عندي حاجة بنيتها بإيدي. ولو كنت سيبتهم ياخدوها، كنت هفضل طول عمري بديهم أي حاجة أبنيها.”
سكتت.
وبعدين قامت.
عند الباب، وقفت وقالت:
“أنا مش بطلب البيت.”
“كويس.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“لسه قاسية.”
“لسه بتعلم.”
خرجت.
مرت شهور.
أبويا ما كلمنيش.
أمي كانت تبعت رسائل طويلة عن صلة الرحم، وكأن صلة الرحم معناها إن طرف واحد يفضل يشد والطرف التاني عمره ما يمسك.
ما رديتش.
ركزت في شغلي.
وصورة البيت قبل وبعد الترميم انتشرت على الإنترنت.
بدأ ناس يتواصلوا معايا.
حد عايزني أصمم له مطبخ.
حد عنده بيت قديم.
حد عايز يعرف إزاي يحافظ على الأرضيات الأصلية.
وبعد سنة، سبت شغلي في معرض الأثاث.
وفتحت مشروعي الخاص.
سميته:
“الصفحة الأولى.”
لأن كل حاجة بدأت من هناك.
من أول صفحة في الدفتر الأسود.
من اللحظة اللي قررت فيها إن الثقة مش بديل عن الورق.
وإن الحب مش معناه التنازل عن حقك.
وإن العيلة اللي بتحبك فعلًا مش لازم تخسرك علشان تعرف قيمتك.
عم جابر كان أول موظف عندي، رغم إنه أصر يقول إنه “مستشار منع الكوارث”.
ومادي كانت أول شريكة.
وبعد سنتين، اشترينا أول بيت قديم علشان نرممه ونبيعه.
وفي يوم الافتتاح، وأنا واقفة قدام البيت الجديد، شفت فيفيان وسط الناس.
كانت واقفة في آخر الصف.
بتسقف.
مش لنفسها.
ليا.
وبعد الحفل، قربت مني.
قالت:
“ماما عايزة تكلمك.”
“عارفة.”
“هتردي؟”
بصيت للبيت.
قلت:
“لما أبقى جاهزة.”
هزت راسها.
ما ضغطتش عليا.
وقبل ما تمشي، مدت لي ظرف صغير.
فتحته.
كان جواه مفتاح نحاس قديم.
نفس نوع المفتاح اللي أبويا رماه عند رجلي يوم التخرج.
بصيت لها باستغراب.
قالت:
“لقيته في بيت ماما وبابا. احتفظت بيه.”
“ليه؟”
ابتسمت.
“علشان أفتكرك إن الحاجة اللي اتحدفت عند رجلك على إنها إهانة… فتحت لك باب حياتك.”
فضلت باصة للمفتاح.
وبعدين ابتسمت.
بعد تلات سنين من اليوم اللي أمي دخلت فيه مطبخي وطلبت مني ألم حاجتي، كنت واقفة في نفس المكان.
نفس الدواليب الكحلي.
نفس الأرضية الخشب.
نفس الحيطة الطوب.
لكن أنا ما كنتش نفس نورا.
حطيت المفتاح القديم في برواز.
وتحته كتبت جملة واحدة:
“هما ادوني الخراب لأنهم افتكروا إني ما استاهلش الأحسن.”
وتحتها:
“فبنيت الأحسن بنفسي.”
أما الدفتر الأسود؟
لسه عندي.
في آخر صفحة، جنب إيصال الجنيه الواحد، كتبت:
“أغلى بيت مش هو اللي تمنه بالملايين.”
“أغلى بيت هو المكان اللي دفعت تمنه من عمرك، ورفضت تسمح لحد يقنعك إنه مش من حقك.”
قفلت الدفتر.
وطفيت نور المطبخ.
وطلعت فوق.
في بيتي.
البيت اللي ماحدش اداهولي.
البيت اللي أنا أنقذته.
والبيت اللي، في النهاية…
أنقذني أنا كمان.
النهاية
حكايات شروق خالد