ليله العيد حكايات صافي هاني الجزء الثالث

الراجل اللي قدامي مكنش غريب، كان عمي “محمود”، أخو أبويا اللي الكل كان فاكر إنه مات في حادثة غرق من 20 سنة! واقف قدامي بجبروته وشعره اللي شاب، ماسك المسدس ببرود وكأنه بيشوف نملة مش ابن أخوه.
​باسم اتجمد في مكانه، صوته طلع مخنوق: “عمي محمود؟! إزاي؟ إحنا شيعنا جنازتك ودفنا هدومك!”
​محمود ضحك ضحكة قاسية، صوتها كان زي الاحتكاك بالمعدن: “جنازة؟ آه طبعاً، نادية كانت شاطرة أوي في التمثيلية دي. كان لازم أختفي عشان أقدر أدير كل حاجة من ورا الستار، عشان ما حدش يربط بيني وبين صفقات نادية القذرة.”
​بدأت أفهم.. نادية مكنتش مجرد ست مريضة نفسية، كانت جزء من شبكة أكبر بكتير، ومحمود كان هو “العقل المدبر” اللي بيحرك الخيوط.
​محمود قرب مني ووجه المسدس لصدرى: “نادية كانت غبية، متهورة. قلت لها تستنى، بس هي خافت من هالة.. هالة اللي بدأت تقرب من أسرار الحسابات اللي كانت بتوصلني. نادية كان لازم تخلص منها بأي تمن عشان ما نكشفش.”
​باسم حاول يقرب خطوة، بس محمود صرخ فيه: “ارجع ورا! لو فكرتوا إنكم هتخرجوا من هنا بالورق ده، تبقوا واهمين.”
​بصيت للورق اللي في إيدي، كان فيه أسماء ناس تقال، ومواعيد صفقات مشبوهة، وأختام لشركات وهمية باسمي وباسم باسم. فهمت وقتها إنهم كانوا بيستخدموا اسمنا في غسيل الأموال من غير ما نعرف، وكانوا مستنيين الوقت المناسب عشان يلبسونا التهمة ويختفوا هما بالفلوس.
​فجأة، محمود اتشتت لثانية واحدة لما سمع صوت عربية واقفة بره. في اللحظة دي، باسم نط عليه بكل قوته، والمسدس طار من إيده ووقع بعيد. بدأت أعنف خناقة ممكن أتخيلها، خناقة حياة أو موت.
​محمود كان قوي رغم سنه، خبط باسم في الحيطة وقدر يوصل للمسدس تاني. رفع المسدس ناحيتي، وكنت أنا خلاص مفيش في إيدي غير السكينة اللي في جيبي.
​محمود شد الأجزاء، وعينه كانت مليانة غل: “أنا اللي بنيت الثروة دي، وأنا اللي همحي أي حد يقف في طريقي، حتى لو كان دم من دمي.”
​بس قبل ما يدوس على الزناد، سمعنا صوت طلقات ناريّة متبادلة بره البيت! الباب اتفتح بعنف، ودخلت قوات الشرطة ومعاهم ضابط كان يبان عليه إنه مستني اللحظة دي من زمان.
​محمود بص للباب بصدمة، وفي اللحظة دي، باسم لمه من رجله وقعه على الأرض، وقدرت أهجم عليه وأثبته. الشرطة دخلت وسيطرت على الموقف تماماً.
​الضابط قرب مني، وبص للورق اللي في إيدي، وقال بهدوء: “شكراً يا مراد.. كنا محتاجين الدليل ده عشان نربط ‘المنظمة’ دي ببعضها. محمود ده كان ملاحق من سنين في قضايا دولية، ونادية كانت مجرد حلقة الوصل في مصر.”
​خدوا محمود، وأنا وباسم وقفنا وسط البيت القديم، مذهولين من حجم الكارثة اللي عشنا وسطها سنين من غير ما نحس.
​ركبنا العربية ورجعنا البيت، هالة استقبلتنا بدموع. حكيت لها كل حاجة، وبصيت لياسين وهو نايم، حسيت إن الكابوس خلص.. بس لما دخلت أوضة المكتب عشان ألملم أوراقي، لقيت رسالة مغلف مكتوب عليها اسمي، محطوطة على المكتب، مكتوب فيها بخط إيد أمي اللي كانت في الحجز:
​”كنت فاكر إنك كشفت اللعبة؟ دي كانت مجرد البداية.. فيه حد غيرنا بيراقبك من ساعة ما دخلت البيت، وهما مش رحيمين زينا.”
​بصيت للشباك، لقيت نقطة ليزر حمراء بتتحرك ببطء على صدري..
نقطة الليزر الحمراء كانت بتتحرك على صدري، ثابتة زي عين شيطان بتراقبني من الضلمة اللي بره الشباك. إيدي اتجمدت وهي ماسكة الرسالة، وكل اللي قدرت أعمله إني أرمي نفسي على الأرض في لحظة ما الليزر اتنقل عن مكانه.
​”مراد! انزل تحت!” صرخت هالة وهي بتهجم على ياسين عشان تداريه.
​في نفس الثانية، صوت طلقة واحدة مكتومة خرمت إزاز الشباك، الرصاصة عدت فوق راسي بسنتيمترات ودخلت في الحيطة ورايا، خلفت وراها سحابة من الجبس والغبار.
​باسم سحبني من هدومي ورماني ورا المكتب المتين. المكان كله بقى هدوء مريب بعد صوت الطلقة، بس قلبي كان بيدق كأنه عايز يخرج من ضلوعي.
​”حد بيضرب نار من بره!” باسم همس وهو بيسحب موبايله عشان يتصل بالشرطة، بس الشاشة كانت “ميتة”. “الشبكة مقطوعة.. مفيش إشارة خالص!”
​بصيت لهالة اللي كانت بتضم ياسين في ركن الأوضة، والدموع مالية عينيها. قلت لها بصوت واطي: “هالة، خدي ياسين واطلعي على أوضة التخزين اللي في الدور اللي فوق، الباب بتاعها حديد، اقفلي على نفسكوا وما تفتحوش لأي حد مهما حصل.. فاهمة؟”
​”مش هسيبك يا مراد!” ردت بخوف.
​”اسمعي الكلام!” زعقت بقوة عشان أخليها تتحرك، “لو فضلنا هنا كلنا هنموت.”
​هالة جريت بالطفل وهي بتبكي، وأنا وباسم اتسحبنا للأرض. بصيت للشباك اللي مكسور، كانت الأشجار اللي في جنينة البيت بتتحرك مع الهوا، وده كان بيصعب علينا نحدد مصدر الطلقة.
​”دي مش عصابة عمي محمود يا مراد،” قال باسم وهو بيطلع مطواة كانت في جيبه، “دي قوة أكبر.. يمكن تكون تابعة للناس اللي كان بيشتغل لحسابهم.”
​فجأة، نور البيت كله انقطع تاني، وبدأنا نسمع صوت خطوات تقيلة على خشب السلم.. حد بيطلع ببطء وبثبات، حد مش خايف، حد جاي ينهي المهمة.
​باسم بص لي وقال: “لازم نشغلهم في اتجاه تاني.”
​أخدت مزهرية تقيلة من على المكتب، ورميتها ناحية الباب عشان أعمل صوت، وفي اللحظة اللي الراجل اللي بره اتجه فيها ناحية الصوت، باسم هجم عليه من الجنب وهو ماسك المطواة.
​اشتبكوا مع بعض في الطرقة، كان صوت الخبط والضرب بيتردد في البيت، والراجل المجهول كان محترف، ضرب باسم ضربة قوية في راسه خلته يقع على الأرض فاقد للوعي.
​الراجل وقف فوق باسم، ووجه مسدسه ناحيتي، وكان لابس قناع أسود كامل. اتكلم بصوت إلكتروني مشوه: “الدفتر اللي معاك مش ملكك.. وأصحاب الدفتر مش بيسيبوا أثر وراهم.”
​في اللحظة اللي كان هيضغط فيها على الزناد، سمعنا صوت صرخة هالة من فوق.. وباب أوضة التخزين اتكسر!
​بصيت للراجل، وبصيت للباب اللي بيطلع على الجنينة، كان قدامي اختيار واحد: يا إما أحمي باسم، يا إما أطلع أنقذ هالة وابني.. وقبل ما أخد قرار، الراجل رفع المسدس ناحية باب الأوضة اللي فوق!اللحظة دي كانت زي “السلو موشن”، شفت الراجل وهو بيوجه المسدس ناحية باب الأوضة اللي فوق.. الدم في عروقي غلي، ومفيش وقت للتفكير.
​رميت نفسي بكل قوتي ناحية رجل الراجل وهو بيستعد يضغط على الزناد، وقع على الأرض ووشه خبط في الأرضية الخشبية بقوة، المسدس طار من إيده واستقر بعيد تحت الكنبة. الراجل حاول يقوم بسرعة، بس أنا كنت أسرع، ركبت فوقه وبدأت أنزل عليه بكل غضبي، بكل الخوف اللي عشته طول اليوم، بكل الصدمات اللي جت ورا بعضها.
​كان بيحاول يدافع عن نفسه، وفجأة، سحب سكينة صغيرة من جيبه وغرزها في كتفي. صرخت من الألم، بس الألم ده كان زي الوقود اللي خلاني أثبته أكتر، وضربته بـ “كوعي” في مناخيره لدرجة إني سمعت صوت كسر العضم. الراجل اتسحب لتحت وبدأ يفقد الوعي، خلعت القناع من على وشه بلهفة..
​وقفت مصدوم.. ده مكنش راجل غريب، كان “شريف”، المحامي الخاص بالعيلة، الراجل اللي كان بيجيلنا البيت دايماً، اللي كان بيقعد يضحك مع أمي ويشرب شاي مع باسم!
​”شريف؟!” صرخت بذهول. “إنت؟ إنت كنت بتلعب بينا من البداية؟”
​شريف مسح الدم من بوقه وضحك ضحكة مقرفة وهو ملقي على الأرض: “أنا المحامي يا مراد.. أنا اللي كنت بكتب العقود اللي بتغطي على كل بلاويكم.. وكنت عارف إن في يوم من الأيام، الدفتر ده هيفضح الكل، فقررت إني أنا اللي أكون الوريث الوحيد للكل.. حتى لو اضطررت أمحي العيلة دي من الوجود.”
​في اللحظة دي، باسم بدأ يتحرك ببطء على الأرض، مسك المطواة وقام وقف وهو بيترنح، وبص لشريف نظرة كلها كره، وقال: “الوريث الوحيد؟ إنت كنت فاكر إنك أذكى مننا؟”
​شريف حاول يوصل للمسدس اللي كان تحت الكنبة، بس باسم كان أسرع، نزل عليه بالمطواة وثبت إيده في الأرض.
​فجأة، سمعنا صوت صرخة هالة تاني من فوق، بس المرة دي كانت صرخة فرح مش رعب!
​بصيت للسلم، لقيت هالة نازلة ومعاها ياسين، ومعاهم حد تاني.. كان الضابط اللي أخد محمود، ومعاه قوة مسلحة كبيرة!
​الضابط بص لشريف اللي كان بيحاول يهرب، وقال بصوت حازم: “شريف عبد العزيز.. أنت مطلوب بتهمة التحريض على الق*تل، وتزوير مستندات، وإدارة شبكة غسيل أموال.. اللعبة انتهت يا محامي.”
​البيت اتملى عساكر، وشريف خدوه وهو بيصرخ وبيهددنا. قعدت على الأرض، وكتفي بينزف، وباسم رماني بحضنه. هالة جت جريت عليا ودموعها نازلة، ضمتني هي وياسين، وأنا كنت بصه للسقف، حاسس إن أخيراً، لأول مرة من سنين، البيت ده بقى بتاعنا بجد.. من غير كدب، من غير أسرار، ومن غير سم.
​الضابط قرب مني وهو بيسلم عليا: “الدفتر اللي في جيبك ده، هو اللي كشف كل المستور. شكراً لشجاعتكم.”
​مشيت قوات الشرطة، والبيت رجع هادي، بس كان هدوء مختلف.. هدوء فيه أمان. قعدت مع هالة وباسم في الصالة، شربنا شاي، وبصيت للأوراق اللي كانت سبب في كل ده.. ومسكت ولاعة، وولعت في الدفتر قدام عنيهم.
​باسم سألني: “بتعمل إيه؟ دي أدلة!”
​رديت بابتسامة هادية: “الأدلة عند الشرطة يا باسم.. أما دي، فدي كانت جحيمنا، والنهارده.. إحنا دفنا الماضي للأبد.”
​بصيت لهالة، ومسكت إيد ياسين، وقمت قفلت باب البيت بالمفتاح.. الليلة دي كانت ليلة العيد الحقيقي، الليلة اللي اتولدنا فيها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *