بصمه دم فوق عقد الملكيه الجزء الثاني حكايات شروق خالد

ساد صمت ثقيل داخل المكتب.

نظر الجميع إلى أبي.

أما هو فكان يحدق في الأرض، وكأن السنوات كلها انهارت فوق كتفيه في لحظة واحدة.

قلت للسكرتيرة بهدوء:

“خليهم يتفضلوا.”

بعد أقل من دقيقة، دخل ثلاثة أشخاص بملابس رسمية.

أبرز أحدهم بطاقته وقال:

“إحنا جايين بخصوص بلاغات مالية تخص الحاج محمود عبدالرحمن.”

وقف أبي ببطء.

كانت يداه ترتجفان.

قال بصوت خافت:

“أنا هتعاون.”

طلبوا الجلوس في قاعة الاجتماعات، وأوضحوا أن الأمر ليس للقبض عليه، بل لسماع أقواله ومراجعة بعض المستندات.

تنفست أمي الصعداء، لكنها بقيت خائفة.

أما أنا، فلم أنطق بكلمة.

—

بعد ساعة كاملة، خرج أحد أعضاء اللجنة.

اقترب مني وقال:

“حضرتك الأستاذ ياسين؟”

أومأت.

ناولني ملفًا رفيعًا.

“فيه مستندات تخص حضرتك، لأنها مرتبطة بصفقة شراء المنزل.”

فتحت الملف.

وجدت صورًا لعقود قديمة، وإيصالات تحويلات مالية، ومحاضر مديونية.

لكن أكثر ورقة لفتت انتباهي كانت إيصالًا يحمل تاريخًا يعود إلى سبع سنوات.

كان مكتوبًا فيه أن أبي اقترض مبلغًا ضخمًا بضمان المنزل.

ولم يسدد سوى جزء بسيط منه.

تنهدت.

الديون لم تبدأ قبل عام كما كنت أظن.

بل كانت تطارده منذ سنوات طويلة.

—

في المساء، انتهى التحقيق الأولي.

خرج أبي من القاعة شاحب الوجه.

اقترب مني لأول مرة دون كبرياء.

قال:

“ممكن نتكلم لوحدنا؟”

خرجنا إلى شرفة المكتب.

ظل صامتًا عدة دقائق، ثم قال:

“أنا كنت فاكر إني بحميكم.”

ابتسمت بسخرية خفيفة.

“بالضرب والإهانة؟”

أغمض عينيه.

“لأ… بإخفاء الحقيقة.”

بدأ يحكي لأول مرة.

قبل سنوات، دخل مع أحد أصدقائه في مشروع كبير.

باع قطعة أرض ورهن المنزل واقترض أموالًا من أكثر من جهة.

ثم هرب شريكه بالأموال.

ومنذ ذلك اليوم، ظل يسدد الديون بالديون.

ولكي لا تعرف العائلة، كان يتظاهر بالقوة والسيطرة.

ومع مرور الوقت، تحول الخوف داخله إلى قسوة.

قال وهو يمسح دمعة سقطت رغماً عنه:

“كل ما كنت أحس إني بفقد السيطرة… كنت أزعق وأغضب.”

أجبته بهدوء:

“وده ماكانش يديك الحق تكسر ابنك.”

هز رأسه.

“معاك حق.”

كانت أول مرة أسمعها منه.

—

بعد أيام، أغلقت الجهات المختصة الملف.

اتضح أن معظم المخالفات كانت مدنية ومرتبطة بديون قديمة، وليست جرائم اختلاس كما خشي أبي.

لكنه خرج من الأزمة بدرس لن ينساه.

باع سيارته.

وسدد ما تبقى عليه.

وبدأ حياة أبسط كثيرًا.

—

أما مي…

فاضطرت أن تلغي فكرة الشقة الفاخرة.

وبدأت تعمل لأول مرة بجد، بعدما أدركت أن الاعتماد على الآخرين لن يستمر.

وسارة أكملت دراستها، وكانت تزورني باستمرار.

أصبحت علاقتنا أقوى مما كانت.

أما أمي…

فكانت كلما رأت الندبة الصغيرة بجوار شفتي، تنكس رأسها في صمت.

لم تعد تجد كلمات تبرر ما حدث.

—

بعد ستة أشهر، دعاني أبي إلى الغداء.

في نفس الشقة.

وفي نفس السفرة.

جلست في نفس المكان الذي ارتطم فيه وجهي يومًا.

لكن هذه المرة، وقف أبي قبل أن يبدأ الطعام.

وقال أمام الجميع:

“قبل ما ناكل… لازم أقول حاجة.”

نظر إليّ مباشرة.

ثم قال:

“أنا ظلمت ابني سنين طويلة.”

ساد الصمت.

وأكمل:

“كنت فاكر إن الأب دايمًا صح… لكن أنا كنت غلط.”

ثم وقف فجأة.

ومد يده نحوي.

“سامحني.”

نظرت إلى يده طويلًا.

ثم صافحته.

ليس لأنني نسيت.

ولا لأن الألم اختفى.

بل لأنني أدركت أن بعض الناس لا يتغيرون إلا بعدما يخسرون كل شيء تقريبًا.

أما الثقة…

فهي لا تعود بكلمة “آسف”.

بل تحتاج سنوات من الأفعال حتى تُبنى من جديد.

وهكذا انتهت قصة العائلة التي كانت ترى أن قيمة الإنسان فيما يدفعه من مال، لتتعلم متأخرة أن أغلى ما خسرته لم يكن الثروة… بل الابن الذي كان يحاول، طوال تلك السنوات، أن يكون جزءًا من عائلة لا تراه إلا كمصدر للإنفاق.

 

بصقة دم فوق عقد الملكية
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *