سر جبل الاسود الجزء الثاني حكايات شروق خالد
حطيت الورقة في شنطتي، وبصيت ناحية جبل أبو فودة.
الجبل ده كان ليه سمعة في البلد.
الناس تقول إن تحته مغارات قديمة، وإن محدش يطلع له بالليل.
لكن أنا كنت عارفة إن الخرافات ساعات بتكون أحسن ستار للجرائم.
رجعت البيت.
لقيت حمزة وعالية بيلعبوا في الجنينة، ولما شافوني جروا عليا.
حضنتهم جامد.
وقلت في نفسي:
“مهما حصل… لازم أرجعلهم.”
رن تليفوني.
كان الحاج منصور.
ـ يا بنتي… أوعي تطلعي الجبل لوحدك.
قلت:
ـ حضرتك تعرف عنه حاجة؟
رد بعد لحظة سكوت:
ـ أعرف إنه من عشرين سنة محدش بيقرب منه… وكل اللي حاول يفتش هناك اختفى.
قفل الخط.
لكن كلامه زادني إصرار.
…
تاني يوم قبل الفجر، لبست جلابية صعيدي سودا وغطيت وشي بطرحة، علشان محدش يعرفني.
ركبت عربيتي، ولما قربت من الجبل، سبتها بعيد ومشيت على رجلي.
كل خطوة كانت بتغوص في رملة الطريق.
وفجأة…
سمعت صوت عربية جاية.
استخبيت ورا صخرة كبيرة.
نزل منها تلات رجالة.
واحد منهم قال:
ـ الكبير بنفسه جاي النهارده… خلوا المكان جاهز.
التاني رد:
ـ والملفات؟
ـ كلها في المخزن… محدش هيعرف يوصلها.
استنيت لحد ما دخلوا.
وبعدها قربت بهدوء.
ورا شجرة سنط قديمة، لقيت باب حديد مستخبي وسط الصخور.
كان عليه قفل ضخم.
لكن الغريب…
إن الباب كان موارب.
دخلت بحذر.
نزلت سلم طويل تحت الأرض.
الهوا كان تقيل، وريحة الرطوبة مالية المكان.
ولما وصلت آخر السلم…
اتجمدت مكاني.
قدامي مخزن كبير.
مليان دواليب حديد.
وصناديق خشب.
وآلاف الملفات.
وفي آخر المخزن…
كان فيه مكتب فخم.
فوقه صورة كبيرة لرجل لابس جلابية وعِمّة.
لكن وشه ممزق بالمقص.
كأن حد متعمد يخفي هويته.
بدأت أفتش بسرعة.
لقيت دفتر أسود.
فتحته.
أول صفحة كانت أسماء.
رجال أعمال.
مسؤولين.
نواب سابقين.
وتحت كل اسم مبالغ بالملايين.
قلبت الصفحة التانية…
وفجأة لقيت اسم خلاني أحس إن قلبي وقف.
“نجاة عبد الجواد الهواري.”
بصيت في الدفتر بذهول.
جنب اسمي مكتوب:
“المرحلة الأخيرة.”
قبل ما أستوعب معنى الجملة…
سمعت صوت تصفيق جاي من الضلمة.
لفيت بسرعة.
خرج راجل طويل، لابس عباية صعيدي سودة.
وشه كان مستخبي تحت الشال.
وقال بابتسامة باردة:
ـ أخيرًا وصلتي يا نجاة…
أنا كنت مستنيكي من زمان.
حكايات شروق خالد
وقفت مكاني، والدفتر الأسود لسه في إيدي.
بصيت للراجل اللي خارج من الضلمة، وقلت بثبات:
ـ إنت مين؟
ضحك ضحكة هادية.
وشال الشال من على وشه.
وفي اللحظة دي…
حسيت الدنيا لفت بيا.
كان اللواء المتقاعد حمدان السيوفي.
راجل البلد كلها كانت بتحلف بنزاهته.
وكان كل سنة أول واحد يقعد في الصف الأول في العزايم والمناسبات الكبيرة.
قلت وأنا مش مصدقة:
ـ مستحيل…
ابتسم وقال:
ـ ليه؟ علشان الناس كانت شايفاني راجل شريف؟
رميت عليه الدفتر وقلت بغضب:
ـ إنت اللي كنت بتحرك مختار؟
هز راسه.
ـ لا… مختار كان مجرد واحد بينفذ أوامر.
ـ وأبويا؟
ـ أبوكي اختار الفلوس… ودفع التمن.
حسيت دموعي نزلت غصب عني.
لكن مسحتها بسرعة.
مش هخليه يشوف ضعفي.
قال وهو يقرب خطوة:
ـ عارفة ليه اسمك مكتوب في الدفتر؟
سكت.
قال:
ـ لأننا من يوم ما استلمتي القض*ية، كنا عارفين إنك مش هتسكتي.
كنا بنراقبك.
كل خطوة.
كل مكالمة.
حتى ليلة ما خرجتي من بيت أبوكي، كان لينا رجال وسط الناس.
قبضت على إيدي بقوة.
ـ يعني كل اللي حصل كان مترتب؟
ابتسم.
ـ كله.
حتى الرسالة اللي وصلتك.
حتى محاولة حرق بيتك.
كنا عايزين نعرف الملفات فين.
لكن إنتِ سبقتينا.
في اللحظة دي…
سمعت صوت رسالة على موبايلي.
بصيت بسرعة.
كانت رسالة من الضابط المسؤول.
“إحنا وصلنا موقعك… اصمدي خمس دقايق.”
ارتحت.
لكن مخبيتش إحساسي.
حمدان كان ذكي.
لو عرف إن الشرطة جاية، هيهرب.
بدأت أكلمه علشان أكسب وقت.
قلت:
ـ كل ده علشان فلوس؟
ضحك.
ـ الفلوس بداية بس.
إحنا اشترينا ناس.
واشترينا أراضي.
واشترينا ضماير.
وبقى نص الصعيد تحت إيدينا.
وفجأة…
سمعنا صوت صفارة عربيات من بعيد.
ابتسامته اختفت.
بص ناحية الباب الحديد.
ـ مستحيل… محدش يعرف المكان.
قلت وأنا بابتسم:
ـ يمكن نسيت إن الحق عمره ما بيستخبى.
لف ناحية رجاله.
ـ لموا الدفاتر… بسرعة!
لكن كان فات الأوان.
الباب الحديد اتفتح بعنف.
ودخلت قوة كبيرة من الشرطة والرقابة.
الضابط رفع سلاحه وهو بيصرخ:
ـ محدش يتحرك!
رجالة حمدان حاولوا يقاوموا.
واتحول المخزن في ثواني لساحة اشتباك.
واحد منهم حاول يخطف الدفتر من إيدي.
شدني بقوة، فوقعت على الأرض.
لكن قبل ما ياخده…
حمزة!
صوت ابني دوّى في المكان:
ـ سيب أمي!
لفيت بسرعة.
لقيت حمزة واقف عند باب المخزن، ومعاه الحاج منصور.
صرخت:
ـ إنت جيت هنا إزاي؟
قال وهو بيجري ناحيتي:
ـ صحيت ملقتكيش… فتتبعت عربية الحاج منصور.
حضنته بسرعة، وقلبي كان هيقف من الخوف.
وفي نفس اللحظة…
حاول حمدان يستغل انشغال الكل، وفتح باب سري في آخر المخزن.
وجري ناحية نفق ضيق تحت الجبل.
الضابط جرى وراه وهو بيصرخ:
ـ محدش يسيبه يهرب!
لكن النفق كان طويل ومظلم…
وكان واضح إن حمدان حافظه خطوة بخطوة.
أما أنا…
فكنت واقفة، والدفتر الأسود في حضني.
وعارفة إن القبض على حمدان مهم…
لكن الأهم من كده…
إن الدفتر ده فيه أسرار كفيلة تهز الصعيد كله.
حكايات شروق خالد
حضنت حمزة جامد، وأنا قلبي بيرتعش.
ـ إنت مجنون يا ولد؟ مين قالك تيجي ورايا؟
وطيت راسه وقال:
ـ خفت عليكي يا يمّه.
الحاج منصور قرب وقال:
ـ أنا اللي جبته… مقدرتش أسيبه لوحده بعد ما عرف إنك طالعة الجبل.
بصيتله بعتاب، لكنه قال:
ـ دلوقتي أهم حاجة نخلص اللي بدأناه.
في الوقت ده، الضباط كانوا بيلموا الملفات والصناديق.
أحد الضباط نادى على رئيس القوة:
ـ يا فندم… لقينا خزنة حديد كبيرة.
قربت منهم.
الخزنة كانت قديمة، وعليها قفل إلكتروني.
واحد من الخبراء فتحها بعد محاولات.
أول ما الباب اتفتح…
الكل سكت.
الخزنة كانت مليانة سبايك دهب، وأكياس فيها ملايين الجنيهات، وجوازات سفر بأسماء مختلفة.
لكن اللي شد انتباهي كان صندوق خشب صغير في آخر الخزنة.
فتحته.
لقيت جواه صورة قديمة.
الصورة كانت متصورة من أكتر من خمسة وعشرين سنة.
فيها أبويا…
ومختار وهو لسه شاب…
واللواء حمدان…
ومع واحد رابع.
وشه كان واضح جدًا.
أول ما شفته حسيت إن نفسي اتقطع.
همست:
ـ لا… مستحيل.
الضابط سألني:
ـ تعرفيه؟
هزيت راسي ببطء.
ـ أعرفه…
ده عمدة البلد… الحاج سالم الديب.
الراجل اللي طول عمره الناس تعتبره كبير العائلات، وصاحب الخير، واللي بيحل مشاكل الناس.
الضابط أخد الصورة بسرعة، وقال:
ـ يبقى القض*ية لسه مخلصتش.
…
في نفس اللحظة، وصل بلاغ على جهاز اللاسلكي.
ـ يا فندم… الهارب خرج من النفق.
الضابط سأل بسرعة:
ـ راح فين؟
جاله الرد:
ـ استقل عربية سوداء كانت مستنياه.
سأل:
ـ مين كان فيها؟
جاء الصوت:
ـ للأسف… معرفناش.
لكن اللي ساق العربية كان راجل كبير في السن.
بصيت للصورة اللي في إيدي.
وبصيت للضابط.
وقلت:
ـ لو شكي في محله…
يبقى اللي هرب حمدان…
هو الحاج سالم بنفسه.
…
رجعنا البلد وسط حراسة مشددة.
لكن أول ما دخلنا، استغربنا.
بيت العمدة كان مفتوح.
العربيات موجودة.
لكن مفيش ولا بني آدم.
حتى الخدم اختفوا.
دخل الضابط أوضة المكتب.
كانت فاضية.
إلا من ورقة واحدة فوق المكتب.
مسكها وقراها بصوت عالي:
“اللي فات كان مجرد بداية… واللي جاي هيعرفكم إن النفوذ عمره ما بيموت.”
سكت الجميع.
وفجأة…
دخل عسكري يجري وهو بيصرخ:
ـ يا فندم… حصل انفجار!
كلنا جرينا برة.
وشفنا سحابة دخان طالعة من ناحية المخزن اللي تحت الجبل.
حد فجره بالكامل…
علشان يمحي أي دليل كان لسه مستخبي.
وقفت أبص للدخان وهو مالي السما.
وقلت لنفسي:
“واضح إن اللي بنحاربه… أقوى بكتير مما كنا متخيلين.”
وفي اللحظة دي، رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
جالي نفس الصوت الغامض.
لكن المرة دي قال جملة واحدة:
ـ لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة…
اسألي جدتك عن ليلة السابع من أغسطس سنة ١٩٩٨.
وقفلت المكالمة.
واتجمدت مكاني.
لأن جدتي…
كانت ميتة من خمس سنين.
حكايات شروق خالد
فضلت باصة للتليفون.
آخر جملة كانت بتلف في دماغي.
“اسألي جدتك…”
همست:
ـ وجدتي ماتت… إنت بتلعب مع مين؟
لكن الخط كان اتقفل.
…
رجعت البيت قبل المغرب.
قلبي كان مليان أسئلة أكتر من الإجابات.
دخلت أوضة جدتي الله يرحمها، اللي محدش كان بيدخلها من يوم وفاتها.
ريحة الزمن القديم لسه مالية المكان.
السرير الحديد.
الصندوق الخشب.
وسجادة الصلاة اللي كانت متعلقة على الحيطة.
وأنا بنضف التراب من فوق الدولاب، لقيت مفتاح نحاس قديم مربوط بخيط أحمر.
افتكرت كلام جدتي قبل ما تموت.
قالتلي يومها:
ـ يا نجاة… لو جه يوم ولقيتي الدنيا اسودت في وشك… افتحي الصندوق الكبير، بس أوعي تفتحيه إلا وقت الضرورة.
وقتها افتكرتها بتخرف من المرض.
لكن النهارده…
عرفت إنها كانت تقصد حاجة.
…
جريت على المخزن اللي ورا البيت.
كان فيه صندوق خشب ضخم، محدش لمسه من سنين.
دخلت المفتاح.
لف بصعوبة.
ولما فتحته…
لقيت هدوم قديمة، وعباية سودا، وتحتهم كيس قماش.
فتحته.
كان فيه دفتر جلدي بني.
وعليه مكتوب بخط جدتي:
“الحقيقة اللي اتدفنت سنة ١٩٩٨.”
قلبي دق بعنف.
فتحت أول صفحة.
“أنا زينب الهواري… بكتب الكلام ده وأنا عارفة إني ممكن أموت قبل ما الحقيقة تظهر.”
بدأت أقرا.
كل كلمة كانت أصعب من اللي قبلها.
جدتي كتبت إن ليلة السابع من أغسطس سنة ١٩٩٨، اجتمع أربع رجالة في بيت قديم على طرف البلد.
عبد الجواد… أبويا.
حمدان.
سالم الديب.
ورجل رابع…
اسمه فارس الجبالي.
واتفقوا على الاستيلاء على أراضي الفلاحين الغلابة بالتزوير، وأي حد يعترض… يختفي.
لكن حصل شيء غير متوقع.
فارس رفض يكمل.
وقال إنه هيفضحهم.
وفي نفس الليلة…
اختفى.
والبلد كلها صدقت إنه سافر برة مصر.
أما الحقيقة…
فكانت مختلفة تمامًا.
…
قبل ما أكمل القراءة، وقعت صورة من بين صفحات الدفتر.
رفعتها.
ولقيت فيها راجل شاب واقف شايل طفل صغير.
قلبي وقف.
الراجل كان فارس.
أما الطفل…
فكان أنا.
رجعت لورا خطوة.
إزاي؟
أنا عمري ما شفت الراجل ده.
ولا حتى سمعت اسمه.
قلبت الصورة.
ولقيت جدتي كاتبة وراها:
“نجاة… لو وصلتي للصورة دي، يبقى لازم تعرفي إن عبد الجواد مش أبوكي الحقيقي.”
الورقة وقعت من إيدي.
الدنيا لفت بيا.
يعني…
الراجل اللي ربيت على إنه أبويا…
مش أبويا؟
وفارس الجبالي…
هو والدي الحقيقي؟
وفي نفس اللحظة، سمعت صوت عربية تقف قدام البيت.
بصيت من الشباك.
لقيت راجل نازل من عربية قديمة.
شعره كله أبيض.
لكن ملامحه…
هي نفس ملامح الراجل اللي في الصورة.
رفع عينه ناحيتي.
وقال بصوت واصل لحد الشباك:
ـ يا نجاة…
أنا جيت بعد تمانية وعشرين سنة…
علشان أحكيلك الحقيقة كلها.
حكايات شروق خالد