انقلاب السحر على الساحر ج1 حكايات شروق خالد

“ماما… أنا مش هقدر أكون مراته، مستحيل أكون زوجة الراجل ده.”
قالتها نادين وهي مرمية على الأرض، فستان زفافها متبهدل ومتجعد، نفسها طالع بالعافية، وعينيها مليانة رعب وعمر كريمة ما شافت الخوف ده في عين عروسة ليلة دخلتها.
قبل ساعة واحدة بس، كانت جنينة البيت في المعادي لسه مليانة بريحة الورد الأبيض، وتورتة الفرح، والمشروبات الغالية. اللمض الصغيرة اللي كانت متعلقة على الشجر كانت منورة ومخلية الجو ساحر. ولاد العم والخلان كانوا لسه بيضحكوا وبيهزروا في الجراج، وآخر المعازيم لسه ماشيين حالا وهم بيباركوا للعيلة على “الفرح المثالي” اللي مفيش زيه.
كريمة استنت اليوم ده سنين طويلة.
طاهر كان ابنها الوحيد، سندها وفرحة عمرها. دخل هندسة مدنية بتفوق، واشتغل في أكبر شركة مقاولات في القاهرة، وطول عمره كان راجل جاد، ومجتهد، ومحترم والكل بيحلف بأدبه.
لما جاب نادين البيت من سنتين عشان يعرفهم عليها، كريمة حست إن ربنا عوضها وأخيراً جاب لها البنت اللي كان نفسها تخلفها.
نادين مكنتش من نوع البنات اللي بتتصنع عشان تعجب حد.
أول يوم جت فيه، كانت لابتة بلوزة بسيطة، وابتسامتها خجولة، وإيديها شقيانة.
وفي الوقت اللي كانت الخالات والعمات بيوشوشوا بعض ويبدوا آراءهم فيها بنبرة متكبرة، نادين شمرت كمامها ودخلت المطبخ تغسل الأطباق من غير ما حد يطلب منها.
من اليوم ده، كريمة بقت تشيل لها الحلويات المفضلة عندها كل ما تنزل السوق، وتعمل لها الأكل اللي بتحبه كل يوم جمعة، ولقت نفسها من غير ما تحس بتنادها “يا بنتي”.
عشان كده، لما سمعت الصريخ في الليلة دي، قلبها كاد يقف من الخوف.
الصوت كان جاي من أوضة العرسان.
ومكنتش صرخة عادية ولا خضة طبيعية.
دي كانت صرخة وجع وكسرة ويأس، كأن فيه حد بيطلع في الروح.
نبيل، جوز كريمة، اتنفض من على السرير:
“أنتِ سمعتي الصوت ده؟”
كريمة كانت بالفعل جريت على بره وحافية القدمين:
“دي نادين!”
جريت في الطرقة، وأخوها هشام اللي كان بايت معاهم ليلة الفرح كان ساب أوضته وطالع يجري على السلم ووشه أصفر زي الليمونة:
“في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟”
كريمة مردتش.
بقت تخبط على باب الأوضة بكل قوتها وبقبضة إيديها:
“طاهر! نادين! افتحوا الباب!”
محدش رد.
خبطت تاني وتالت بأقوى ما عندها:
“يا ابني افتح الباب! طاهر!”
مفيش أي صوت من جوه.
ولا حتى صوت خطوات.
ولا بكا.
ولا أي تفسير.
نبيل زق كريمة براحة وكسر قفل الباب وفتحه.
#حكايات_شروق_خالد
المنظر اللي شافوه جوه مكنش له أي علاقة بليلة زفاف.
السرير متبهدلش ولا حد قرب له، وبتلات الورد اللي كانت متطورة على الملايات البيضاء مكانها ممشيتش. كاسات الشربات لسه مليانة زي ما هي.
بس نادين كانت ساندة على الحيطة في ركن الأوضة، ضامة رجليها لصديرها وبتترعش من فوق لتحت كأنها شافت شيطان قدامها.
أما طاهر، فكان قاعد على الأرض في الناحية الثانية من الأوضة، قميص البدلة مفتوح، وشه غرقان عرق، وعينيه فاضية ومرعبة.
نزلت كريمة على ركبتها جنب نادين:
“يا بنتي، في إيه؟ قوليلي إيه اللي حصل؟”
نادين رجعت لورا بخوف:
“مت قربيش مني.. أرجوكي.. بلاش..”
“أنا كريمة يا حبيبتي، أنا أمك دلوقتي.”
نادين بصت لها، وشفايفها بتترعش بشكل مش قادرة تتحكم فيه:
“ماما… أنا مش هقدر أكون مراته. الراجل ده.. الراجل ده بيكرهني.”
السكوت حل على الأوضة كأنه جبل تقيل.
نبيل لف وبص لابنه بغضب:
“أنت عملت فيها إيه؟”
طاهر فتح بوقه عشان يتكلم، بس مطلعش منه ولا كلمة.
وبدلاً من كده، بدأ يعيط. مش عياط راجل كبير؛ عياط عيل صغير اتكشف في كذبة أكبر منه ومش عارف يهرب منها إزاي.
همس بصوت مخنوق: “أنا.. مكنتش قاصد كل ده يحصل. مكنتش فاكر إنها هتصرخ بالطريقة دي.”
كريمة حست إن دمها هرب من وشها:
“يعني إيه مكنتش قاصد؟”
طاهر غطى وشه بإيديه الاثنين:
“كنت عاوزها تخاف بس.”
نادين بدأت تصرخ وتعيط تاني بهستيريا.
خالها هشام اقترح إنه ياخدها لغرفة الضيوف عشان تهدى، ونبيل ساعدها تقف على رجليها.
مشيت وهي بتجر فستان فرحها في الطرقة من غير ما تبص وراها ولا بصة واحدة.
فضلت كريمة واقفة قدام ابنها الوحيد:
“طاهر. بص في عيني.”
مرضيش يرفع رأسه:
“ماما.. بلاش تسأليني دلوقتي.”
“لأ، هسألك دلوقتي حالا.”
طاهر بلع ريقه بصعوبة، وعينيه كانت حمرا ومليانة غل وعار في نفس الوقت، وبص ناحية الباب اللي أخدوا منه نادين، البنت اللي مبقالهاش معاه ١٢ ساعة متجوزين، وقال بنبرة باردة وناشفة عمر كريمة ما سمعتها منه:
“كان لازم تدفع الثمن.”
الدنيا لفت بكريمة وحست إن كل حاجة بتنهار حواليها:
“ثمن إيه؟”
طاهر رد وهو بيبص للفراغ بقسوة:
“ثمن اللي عملته في شاهندة.”
في اللحظة دي، كريمة أدركت إن فرح ابنها مكنش احتفال ولا جواز.. ده كان فخ، متنكر ومستخبي ورا الورد، والمزيكا، والزغاريط.
واللي جاي كان أسوأ بكتير.

#حكايات_شروق_خالد

اسم “شاهندة” نزل على ودن كريمة زي الصاعقة. شاهندة كانت خطيبة طاهر الأولى، البنت اللي حبها من أيام الجامعة وقبل سنتين بالظبط، سابت مصر فجأة وسافرت بره بعد ما حكايتهم انتهت بفضيحة كبيرة وخراب بيوت، وطاهر وقتها دخل في حالة اكتئاب افتكروا إنه طلع منها لما خطب نادين.
### **المواجهة تحت ضوء الفجر**
كريمة مسكت طاهر من قميصه وهزته بكل قوتها وهي بتعيط:
* **”شاهندة؟ إيه دخل شاهندة بنادين؟ نادين مالها ومال اللي حصل زمان؟”**
طاهر رفع عينه، والدموع اتمسحت وحل مكانها نظرة جنون مخيفة:
* **”نادين هي السبب في كل حاجة يا أمي! نادين مكنتش البنت الغلبانة الشقيانة اللي دخلت بيتنا.. نادين هي اللي دمرت شاهندة.”**
قعد طاهر على السرير وحط راسه بين إيديه وكمل وصوته بيترعش:
“قبل الفرح بأسبوع، جالي جواب مجهول على المكتب، جواه فلاشة.. الفلاشة دي عليها تسجيلات ومحادثات من سنتين. نادين كانت شغالة في نفس الشركة اللي شاهندة بتتعامل معاها، ولما عرفت إن شاهندة خطيبتي، وبسبب غيرة وحقد قديم من أيام الدراسة، لفت حوالين شاهندة ووقعت بينها وبين أصحاب الشغل، ولفقت ليها تهمة اختلاس فلوس وفضحتها في كل مكان لحد ما شاهندة اتدمرت نفسياً وسافرت وهربت من البلد.. نادين عملت كل ده عشان تاخد مكانها، وعشان تيجي وتتمسكن لحد ما اتجوزتها بجد!”
كريمة رجعت لورا وهي مش مصدقة:
* **”أنت بتقول إيه؟ نادين تعمل كده؟”**
* **”وأكتر من كده يا أمي.. أنا اتجوزتها بس عشان أكسرها. ليلة الدخلة مكنتش ليلة فرح، أنا وريتها الفلاشة وعرفتها إن كدبها انكشف، وقلت لها إنها من الليلة دي مش هتكون أكتر من جارية في البيت ده.. هدفعها ثمن كل دمعة شاهندة نزلتها بسببها.”**
### **الحقيقة الوجه الآخر**
في غرفة الضيوف، كانت نادين قاعدة على السرير، فستانها الأبيض متبهدل، ووشها باهت، وخالها هشام ونبيل واقفين براقبوا الموقف بغموض.
دخلت كريمة الأوضة ووشها كله غضب، وبصت لنادين وقالت بقسوة:
* **”الكلام اللي طاهر قاله ده صح؟ أنتِ اللي دمرتي شاهندة؟”**
نادين رفعت راسها، وفجأة، الخوف اللي كان في عينيها اختفى تماماً. مسحت دموعها ببرود، وظهرت ابتسامة خبيثة على وشها مكنتش شبه نادين البسيطة اللي غسلت الأطباق أول يوم.
وقفت ونفضت فستانها وقالت بثقة وهدوء:
> “صح يا طنط.. أنا اللي عملت كده. وشاهندة تستاهل أكتر من كده.”
>
كريمة شهقت بصدمة:
* **”أنتِ طلعتي شيطانة؟ ليه تعملي فيها كده وهي مأذتكيش؟”**
نادين ضحكت بصوت عالي ومليان غل:
* **”مأذتنيش؟ شاهندة دي تبقى بنت الراجل اللي سرق شقى أبويا وضيع فلوسنا وسجن أخويا هشام ظلم من خمس سنين! شاهندة كانت عايشة بفلوسنا وبتركب عربيات من دمنا. أنا محققتش في طاهر كشخص، أنا بس عرفت إنه نقطة ضعف شاهندة الوحيدة، والسر اللي هيكسر قلبها وقلب عيلتها.”**
وبصت لباب الأوضة وكملت بنبرة انتصار:
**”وطاهر الغبي شرب الطُعم.. الجواب والفلاشة أنا اللي بعتهم له على المكتب قبل الفرح بأسبوع، كنت عارفة إنه هيموت من الغل وهيوافق يتجوزني عشان ينتقم.. بس هو ميعرفش إنه بمجرد ما مضى على عقد الجواز، ومضى على المؤخر والقايمة اللي بشروطنا.. بقى نص أملاكه وشركته ملكي أنا.. بحكم القانون!”**
### **نهاية الفخ**
هشام خال نادين طلع من جيبه ورق وعقد ونظر لنبيل وكريمة وقال ببرود:
> “طاهر مضى على شروط الجواز من غير ما يقرأ من كتر ما كان مستعجل يتجوزها وينتقم.. اللعبة خلصت خلاص. إحنا مش هنقعد هنا، نادين ه ترفع قضية طلاق للضرر بسبب اللي عمله الليلة دي، وهتاخد الأخضر واليابس.”
>
خرجت نادين من الأوضة وهي لسه لابتة الفستان الأبيض، وبصت لطاهر اللي كان واقف في الطرقة ومصدوم مش قادر ينطق كلمة بعد ما فهم إنه كان مجرد أداة في لعبة انتقام أكبر منه.
قالت له وهي ماشية ناحية الباب:
> **”شاهندة خسرتك زمان يا طاهر.. بس أنت النهاردة خسرت كل حاجة.. فلوسك، وكرامتك، وبيتك. مبروك عليك ليلة الدخلة.”**
>
قفلت الباب وراها، وسابت البيت كله في حالة ذهول، بعد ما الفرح المثالي اتحول لأكبر عملية انتقام وتصفية حسابات من الماضي.

انقلاب السحر على الساحر ج1
حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *