الرجوع الأخير#حكايات_شروق_خالد
بقالي خمس سنين بقنع نفسي إن “منى” سابتني عشان مفرقتش معاها وطموحي كان أكبر منها. لحد ما جه يوم حد ثلج، الصبح بدري، ولقيتها نايمة على دكة في جنينة، ومعاها تلات عيال.. عيال عندهم نفس عينيا، ونفس ضحكتي المعوجة، ونفس الغمازات الصغيرين الغريبة اللي على عُقل صوابعهم. أمي بصت عليهم بصة واحدة، ومسكت دراعي وجريت وهي بتهمس: “يا طارق، أوعى تصحيها.. يلا نمشي.”
ما عرفتش أتحرك من مكاني.
وأنا عندي أربعين سنة، بقى معايا فلوس أكتر من اللي أقدر أصرَفها. بنيت شركتي من جهاز لابتوب مستعمل لحد ما بقت شركة بمليارات. بقيت أملك شقة فاخرة بتطل على البحر، وتلات عربيات ركنهم ومش بسوقهم، وجدول مواعيدي مليان لدرجة إن ساعات بعمل مكالمات شغل وأنا باكل العشا.
بس من خمس سنين، خسرت “منى”.
كانت بتحبني قبل ما يكون عندي أي حاجة من دول.
زمان، كانت بتقعد جنبي في شقة صغيرة فوق مخبز وأنا بترجى المستثمرين يصدقوا فكرتي. كانت بتصلحلي عروضي، وتعملي القهوة، واحتفلت بأول عقد ليا لما رقصت معايا حافية في المطبخ.
ووعدتها إن النجاح مش هيغيرنا.
بس غيرنا.
كل ما منى تفتح موضوع الجواز، أو العيال، أو حتى إننا نفطر سوا من غير ما يكون التليفون على الترابيزة، كنت بطلعلها بنفس الرد:
قريب.
بعد الاستثمار الجاي.
بعد التوسع الجاي.
بعد ما كل حاجة تبقى أسهل.
وما فيش حاجة بقت أسهل أبداً.
خناقتنا الأخيرة انتهت لما اتهمتها إنها بتجبرني أختار بينها وبين مستقبلي.
بعدها بتلت أيام، بعتت رسالة واحدة:
إنها مش عايزة تشوفني تاني أبداً.
فعملت اللي بيعمله الجبناء لما الحقيقة بتوجعهم أوي:
خليتها هي الجانية في القصة.
ولمدة خمس سنين، كنت بقول للكل إن منى هي اللي مشيت وسابتني.
لحد ما أمي عزمتني على المشوار الشتوي ده.
وهناك كانت هي.
منى كانت خاسة أوي.. ومجهدة. شعرها مغطي نص وشها وتلات عيال مزنوقين تحت بطاطين دايبة جنبها.
واحد من الولاد اتقلب وهو نايم.
قلبي وقع في رجلي.
كان عنده نفس عينيا.
والبنت الصغيرة اللي جنبه كان عندها نفس الضحكة المعوجة اللي بشوفها في المراية كل يوم الصبح.
وبعدين أصغر واحد مد إيده.
على عُقل صوابعه كان فيه أربع غمازات صغيرين..
زي بتوعي بالظبط.
أمي همست وهي بتشد كمي بأقوى ما عندها: “يا طارق.. أرجوك، يلا نمشي.”
بصيت لها.
ما كانتش متفاجئة..
كانت مرعوبة.
وقبل ما ألحق أسألها ليه، منى فتحت عينيها.
ولكام ثانية، محدش فينا نطق.
بعدين قامت قعدت بالراحة.
وهمست: “أخيراً لقيتنا.”
لقيتنا.
وش أمي اصفرّ تماماً.
منى مدت إيدها في شنطة قماش دايبة تحت الدكة وطلعت ظرف أصفر، أطرافه متنية من كتر الشيل والحط طول السنين.
وكان اسمي الثلاثي مكتوب على الغلاف.
رفعت الظرف ناحيتي بأصابع بترتجف.
وقالت: “أنا شلت ده بقالي خمس سنين.. أمك قالتلي إنك عمرك ما كنت عايز تشوفه.”
وفجأة.. فهمت كل حاجة.
منى ما اختفتش من حياتي..
ده كان فيه حد متأكد إن عمر ما هتدور عليها.
#حكايات_شروق_خالدفتحْتُ الظرف وأنا إيدي بتترعش، وجوايا نار بتتحرق. كان جوا الظرف جوابات طيّها قُدم، وصور لأشعة تحاليل وزيارات دكاترة، وإخطار ولادة لثلاث توائم بتاريخ يرجع لأربع سنين وفاتوا.. كل جواب كان مكتوب بفرط دموعها وهي بتحاول تتواصل معايا، والأصعب من ده كله، كانت فيه شيكات بنكية مفسوخة، وتنازلات إجباري عن عقد شقتنا القديمة، موقعة ببصمة إيد أمي!
بصيت لأمي، ولقيت دموعها نازلة في سكات، بس مش دموع ندم.. دي دموع حد اتكشف سرّه اللي استخبى خمس سنين. أمي اللي كانت بتدعيلنا بالخير، هي نفسها اللي هددت منى بالحبس والفضايح لو ما بعدتش عني، واستغلت إني مسافر ومغرق نفسي في الشغل عشان تقنعها إني بعتها ورفضت أستلم ولادي.
“ليه يا أمي؟” النطق طلع بالعافية من زوري.
ردت بصوت مرعوب ومخلوط بالكبر: “كانت هتضيع مستقبلك! كانت هتكتفك بالعيال والمسؤولية وأنت في أول طريقك! شوف بقيت إيه دلوقتي؟ بقيت حازم بيه اللي مصر كلها بتحلف باسمه!”
“بس أنا بقيت ولا حاجة!” صرخت فيها بصوت هز الجنينة كلها. “أنا بنيت شركة بمليارات، ونسيت أبقى بني آدم!”
منى كانت بتتابع الحوار بنظرات مكسورة، مش قادرة تصدق إن بعد كل السنين دي، أنا فعلاً ما كنتش أعرف. مسكت أيديها الباردة، وجثيت على ركبي قدام الدكة خشوعاً واعتذاراً. العيال بدأوا يصحوا، يبصوا لي بعيونهم الصافية اللي فيها نفسي، وفيها الخوف من البرد.
مسكت الظرف وقطعته حتت صغيرة رميتها في الهواء، وبصيت لأمي وقلت لها بصرامة ما عرفتهاش فيا قبل كده: “أنتي عملتي كل ده عشان فلوسي ونجاحي.. الفلوس دي خلاص مش ليكي، والبيت اللي دخلتيه مش هتدخليه تاني لحد ما تعرفي يعني إيه أمومة وحق.”
شلت أصغر العيال في حضني، ومسكت إيد الاتنين التانيين، وقلت لمنى بصوت هادي ودافئ: “يالا يا منى.. زماننا تأخرنا أوي، والبيت مستنينا من خمس سنين.”
سيبنا أمي واقفة في البرد لوحدها بتتحسر على كل اللي بنته، ومشينا سوا.. كانت البداية حزينة، بس في اليوم ده بالذات، عرفت إن النجاح الحقيقي مش في الحسابات البنكية، النجاح هو إنك تلاقي طريقك للي بيحبوك، حتى لو بعد فوات الأوان.
#حكايات_شروق_خالدالرجوع ما كانش سهل.. ولا السنين اللي ضاعت بتتصلح في يوم وليلة.
ركبنا العربية، والعيال كانوا باصين للمقاعد الجلد والتكييف باندهاش وخوف، كأنهم دخلوا عالم تاني غريب عليهم. منى كانت قاعدة جنبي في الكرسي القداماني، ساكتة تماماً، عينيها على الطريق وإيديها مش مفارقة إيدين العيال ورا.
أول ما وصلنا الشقة، فتحت الباب.. المكان كان واسع وفاضي ويقبّض القلب رغم كل الفخامة اللي فيه. العيال وقفوا عند العتبة خايفين يدخلوا برجليها السقعانة. وطيت على ركبي، قلعتهم جزمهم المقطعة بنفسي، وشلتهم واحد واحد جوة.. وفي اللحظة دي بالذات، حسيت إن البيت ده لأول مرة يدخله دفء وحياة.
أول أسبوع كان عبارة عن معركة صامتة مع الخوف. العيال كانوا بيستأذنوا قبل ما ياكلوا، وبيخافوا يلمسوا الألعاب اللي جبهالهم. ومنى كانت بتبص لي بنظرة كلها شك وتسائل: “يا ترى أنت فعلاً اتغيرت، ولا دي مجرد شفقة وهترجع لشغلك وشركتك وتنسانا تاني؟”