الرجوع الأخير#حكايات_شروق_خالد

عشان أثبت لها، عملت اللي محدش في شركتي كان يتخيله.. سلمت إدارة الشركة لنائبي، وأخدت إجازة مفتوحة. قعدت مع المفتشين والأطباء، عملت شهادات ميلاد رسمية للولاد باسمي، وغيرنا هجوم البرد بضحكات وصوت جري في الصالة كل يوم بالليل.
وفي يوم، بعد حوالي ست شهور، كنا قاعدين في البلكونة بنشرب شاي والعيال بيلعبوا حوالينا. منى بصت لي وقالت بصوت هادي: “عارف يا طارق.. أنا سامحتك، مش عشان الفلوس ولا العز ده، سامحتك عشان شفت في عينيك نفس طارق القديم اللي رقص معايا حافي في المطبخ لما جالك أول شغلانة.”
دمعت عيني، ومسكت إيدها وقلت لها: “أنا اللي أسف إن اتأخرت عليكم خمس سنين.. بس أوعدك، مفيش شغل ولا مليار هيخليني أسيب إيدكم تاني.”
ورغم إن أمي حاولت تتصل كتير وتبعث واساط عشان أسامحها، كان موقفي واضح: المسامحة محتاجة وقت، ومفيش رجوع للماضي إلا لما هي نفسها تعترف بالذنب وتعتذر لمنى قبل ما تعتذر لي.
الحقيقة اللي طلعت بيها من كل ده، إن الإنسان ممكن يبني إمبراطورية كاملة بذكائه وطموحه، بس لو خسر أهله ونفسه، بيبقى عايش في أكبر كذبة.. والنجاح الحقيقي هو اللمة والبيت اللي تروح له تلاقي فيه ناس بتحبك عشانك أنت، مش عشان اللي في جيبك.
#حكايات_شروق_خالدومرت سنتين كاملين..
البيت اللي كان زمان مجرد جدران ساقعة ومكاتب مليانة أوراق وشاشات شغل، بقى دوشة وضحك ولعب طالع من كل أوضة. الولاد دخلوا أفضل مدارس، وبقوا بيجروا عليا أول ما أرجع من الشغل عشان يحكولي عن يومهم، وحبي لمنى كان بيتجدد كل يوم وهي شايفاني الأب اللي تحلم بيه لأولادها.
وفي يوم جمعة، يرن باب الشقة.
فتحت، ولقيت أمي واقفة على الباب.. كانت باينة أكبر من سنها بعشر سنين، وشها شاحب، وعينيها مكسورة تماماً. ما دخلتش، فضلت واقفة عند العتبة، ورافعها في إيدها كيس بلاستيك صغير فيه علبة غزل بنات ولعب أطفال بسيطة من بتاعة زمان.
بصتلي وقالت بصوت بترتجف فيه كل نبرة: “أنا مش جاية أطلب منك ترجعني حياتك يا طارق.. ولا جاية أقول إن اللي عملته كان صح. أنا بقالي سنتين عايشة في بيت فاضي، الصوت الوحيد اللي فيه هو صوت ندمي.. أنا ظلمت منى، وظلمتك، وحرمت نفسي من ضحكة العيال دول.”
طلعت من شنطتها ظرف تاني، بس المرة دي كان فيه تنازل رسمي عن كل أملاكها وللعيال، وقالت: “أنا مش عايزة حاجة من الدنيا خلاص، بس نفسي أسمع كلمة ياتيته قبل ما أقابل ربنا.”
في اللحظة دي، منى طلعت من الأوضة وكانت سامعة كل كلمة. بصت لأمي طويلة، وبعدين بصتلي.. منى بقسوة الأيام اللي عاشتها، كان عندها أطيب قلب ممكن إنسان يقابله.
قربت من أمي، أخدت من إيدها العلبة، وقالت لها بصوت هادي: “ادخلي يا حاجّة.. البيت بيتك، والعيال جوة بيلعبوا.”
أمي اتحدّرت دموعها ووقعت على ركبها عند الباب تبكي بحرقة، ومنى وطّت رفعتها وحضنتها.
ساعتها بس حسيت إن الدائرة اكتملت.. وإن العوض مش بس إنك تاخد حقك، العوض الحقيقي إن قلبك يفضى من الغل والوجع، وتبدأ صفحة جديدة ونظيفة مع كل اللي بتحبهم.
وعرفت إن أكبر استثمار عملته في حياتي، ما كانش الشركة ولا المليارات.. كان القرار اللي أخدته في صباح اليوم التلج ده، لما رفضت أمشي ورا أمي، وقررت أرجع لأهلي.
الرجوع الأخير
#حكايات_شروق_خالد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *