رفض يدفع لي ثمن العمليه

جوزي رفض يدفع تمن العملية اللي كانت هتنقذني من الشلل.. ولما وصفني بـ “البضاعة المعيوبة”، مضا بإيده على شهادة سقوطه ونهايته.

​عمر ما جه في بالي إن جوازي هينتهي في مستشفى “القصر العيني”، بين الحيطان البيضا وريحة الكلور والسكوت اللي كان أتقل من الوجع نفسه.

​أنا اسمي ليلى، عندي 42 سنة، وكنت عاجزة عن الحركة في سرير مستشفى القصر العيني الفرنساوي، لما سمعت جوزي وهو بيحدد تمن حياتي.. كأني صفقة خسرانة بالنسبة له.

​الباب مكنش مقفول للاخر. ومن مكاني على السرير، سمعت صوت “مدحت” -جوزي من 16 سنة- وهو بيتكلم بكل برود وحسابات:

— “اتنين مليون جنيه؟” كررها باستنكار، “هو ده التمن الحقيقي؟”

​الدكتور “شريف”، جراح الأعصاب، رد عليه بصوت فيه تعب بس مهني:

— “دي عملية مستعجلة، لو متعملتش في أقل من 12 ساعة، الضرر في النخاع الشوكي مش هينفع يتصلح.. ومراتك هتفضل مشلولة طول عمرها.”

​ضغطت بصوابعي على الملاية.. كنت مستنية أسمع في صوته خوف، حب، حتى قلق.. بس اللي سمعته كان أوحش من كدة بكتير.

​— “مخاطرة كبيرة أوي،” مدحت قالها ببرود، “ولو دفعت كل ده وفي الآخر فضلت على كرسي متحرك؟ إيه العائد اللي هيجيلي من ورا ده؟”

​النفس اتكتم في صدري.

الدكتور رد عليه وهو بيفقد أعصابه: “إحنا بنتكلم عن مراتك يا فندم، مش عن بيزنس!”

​— “بص يا دكتور،” وطى صوته بس الطرقة كانت بتسمع كل كلمة، “أنا عندي مشاكل في السيولة بسبب مشروع الكومباوند الجديد في التجمع. مش هرمي فلوس في الأرض. مش هدفع مليم في ست ‘باظت’. لو اتشلّت، نجهز البيت ونعدله، أرخص بكتير. ادوها مسكنات وخلاص.”

​السكوت اللي جه بعد كدة كان يخنق.

الدكتور سأله بذهول: “يعني أنت بترفض العملية؟”

رد مدحت: “أنا برفض الاستغلال. متكلمنيش غير لو بتموت.”

​مشي وخطواته واثقة، كأنه لسه مخلص صفقة ناجحة.

دموعي نزلت على خدي.. هو مسبنيش بس، هو قلل من قيمتي وكأني ماليش لزمة.

​الدكتور دخل الأوضة وهو شايط.. مكنش يعرف إن فيه حد تاني سمع كل حاجة من صالة الانتظار.

​”ياسين”، الطرف التاني في الحادثة اللي حصلت على “الدائري”، كان لسه قاعد هناك وإيده متجبسة.. مكنش مشي.

عينيه كانت مركزة على الطرقة اللي مدحت اختفى فيها.

​وفي نظرة عينيه.. كان فيه حاجة مرعبة بدأت تصحي.

لأن مدحت مكنش يعرف إنه في اللحظة دي.. مضا على نهايته بإيده.

مرت الشهور على ليلى في المستشفى كأنها دهر. “مدحت” مابعتش حتى يسأل، بالعكس، استغل غيابها وبعت لها ورقة طلاقها مع المحامي بتاعه، ومعاها شيك بمبلغ تافه “نفقة ومتعة” كأنه بيرمي عظمة لكلب. مدحت كان فاكر إن ليلى “انتهت”، بضاعة وباظت واتركنت في المخازن.

​بس “ياسين” مكنش مجرد عابر سبيل. ياسين كان محامي شاب، أبوه كان مستشار كبير وعلمه إن “الحق مبيضيعش طول ما وراه وحش بيبحث عنه”. ياسين نقل ليلى لمركز تأهيل خاص على حسابه الشخصي في البداية، وبدأ يشتغل على ملف “مدحت”.

​المفاجأة الصادمة

ياسين وهو بينبش في أوراق ليلى القديمة اللي جابتها له صاحبتها الوفية، اكتشف كارثة. ليلى كانت واثقة في مدحت لدرجة عمياء، ومضت له على توكيل عام شامل من سنين. مدحت استخدم التوكيل ده عشان ينقل نصيب ليلى في أرض ورثتها عن أبوها في “الشيخ زايد” لشركته الخاصة قبل الحادثة بشهر واحد!

​ياسين ابتسم بمرارة وقال: “ده إنت وقعت ومنسمّاش عليك يا مدحت.. الغدر ملوش رجلين.”

​رحلة العودة

ليلى كانت بتتعافى، الوجع الجسدي كان أهون بكتير من وجع الروح. كانت بتتعلم تمشي تاني، خطوة بخطوة، مع كل خطوة كانت بتفتكر كلمة “بضاعة معيوبة” وتتحول الكلمة لنار بتخليها تدوس على الأرض أقوى.

​بعد سنتين، “شركة مدحت للاستثمار العقاري” كانت بتعلن عن افتتاح أضخم مشروع لها، “برج الجوهرة”. مدحت كان واقف في القاعة الكبرى في فندق 5 نجوم، لابس بدلة غالية جداً، والضحكة مش مفارقة وشه وهو بيستقبل المستثمرين والصحافة.

​مشهد السقوط

فجأة، القاعة هديت. الأبواب الكبيرة اتفتحت، ودخلت ست لابسة فستان أسود ملكي، ملامحها مصرية أصيلة فيها قوة وشموخ يهد جبال. مكنتش ماشية بكرسي متحرك، كانت ماشية بخطوات ثابتة بتهز القاعة، وجنبها ياسين ببدلته الرسمية وشنطته السودا.

​مدحت الكأس وقع من إيده واتكسر ميت حتة. “ليلى؟!” تمتم بصوت مرعوب.

​ليلى قربت منه لحد ما بقت في وشه، وبصوت هادي ومسموع للكل قالت: “أهلاً يا مدحت.. جيت أبارك لك على البرج اللي اتبنى بفلوسي.. وجيت أقولك إن ‘البضاعة المعيوبة’ رجعت عشان تسترد ملكيتها.”

​ياسين طلع “أمر قضائي” بالحجز التحفظي على المشروع وعلى أرصدة مدحت في البنوك.

— “بصفتي المحامي الموكل عن السيدة ليلى، بنعلن إن كل التصرفات اللي تمت بالتوكيل رقم (…) باطلة بطلان مطلق، لأننا قدمنا إثباتات جنائية بوجود تزوير وتدليس واستغلال حالة العجز.”

​مدحت حاول يصرخ: “إنتي مجنونة! أنا هحبسك!”

ياسين رد ببرود: “المجنون هو اللي ينسى إن القانون مبيحمش المغفلين.. وإنت كنت مغفل لما افتكرت إن الست بتموت لما ضهرها يتكسر.. الست بتقوى لما بتعرف حقيقة اللي شايلة اسمه.”

​في ليلة واحدة، الصحافة اللي كانت بتصور “النجاح” صورت “الفضيحة”. المستثمرين انسحبوا، والشرطة جات لمدحت بناءً على بلاغات نصب تانية بدأت تظهر بمجرد ما “هيبته” اتكسرت.

​المشهد الأخير

بعد سنة، مدحت كان واقف قدام باب “القصر العيني”، بس المرة دي كـ “مريض”. السكر أكل جسمه، والفقر خلاه يستنى دوره في الطوابير اللي كان بيحتقرها.

​وهو قاعد على الرصيف بتعب، عدت عربية سودا فخمة، وقفت قدامه. الإزاز نزل، ليلى بصت له بنظرة مفيهاش شماتة، فيها “شفقة” أصعب من الموت. رمت له علبة دواء غالية وسابت له ورقة مكتوب فيها:

“دي مش صدقة.. دي تمن العشرة اللي إنت بعتها.. المسكنات اللي طلبتها لي زمان، النهاردة إنت اللي محتاجها.”

​العربية مشيت، ومدحت فضل باصص لغبار الطريق، وهو مدرك إنه فعلاً.. كان هو البضاعة اللي “باظت” من يوم ما باع ضميره.

مدحت مسك علبة الدواء بإيده اللي كانت بتترعش، كان حاسس إن العلبة دي أتقل من كل أطنان الخرسانة اللي بنى بيها أبراج مملكته اللي ضاعت. بص لأثر عربية ليلى وهي بتختفي وسط زحمة القاهرة، والدموع كانت محبوسة في عينيه مش ندم، لكن قهر على النفس.

​العودة للحقيقة مشيره محمد

ليلى وهي راكعة في عربيتها، سندت راسها لورا وغمضت عينيها. “ياسين” كان سايق بهدوء، بص لها في المراية وقال: “مرتاحة يا ليلى؟”

ليلى اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع سنين الوجع كلها: “عارف يا ياسين؟ كنت فاكرة إن اللحظة دي هي اللي هتشفيني.. بس الحقيقة إن الشفاء كان في المشوار نفسه. في اليوم اللي قررت فيه أقوم وأسيب الكرسي المتحرك، وفي اليوم اللي وقفت فيه قدام المراية وشفت ست قوية مش ‘بضاعة معيوبة’.”

​ياسين ابتسم: “إنتي دلوقتي صاحبة أكبر مؤسسة لدعم الستات اللي ملهومش ضهر.. مدحت مكنش مجرد درس ليكي، ده كان الوقود اللي خلاكي تنوري حياة غيرك.”

​المشهد الأخير: الحساب الختامي

​بعد كام شهر، الخبر نزل في الجرايد في صفحة الحوادث: “القبض على المقاول الشهير مدحت (…) بتهمة النصب والتبديد بعد محاولته الهروب خارج البلاد”.

مدحت كان بيحاول يهرب بشنطة فيها “بقايا” فلوسه اللي هربها، بس القدر كان أسرع منه. اتمسك في المطار، وفي لحظة القبض عليه، ملقاش حد يقف جنبه، ولا محامي يدافع عنه، لأن الكل عرف إنه “غدار”.

​أما ليلى، فكانت في نفس اللحظة دي واقفة في “القصر العيني” تاني، بس المرة دي مش مريضة. كانت بتفتتح “وحدة جراحة الأعصاب” الجديدة اللي اتبرعت بتكاليفها كاملة، وسمتها “وحدة الأمل”.

​الدكتور شريف كان واقف جنبها، وبص لها بإعجاب: “فاكرة يا ليلى لما قولتلك إن الـ 12 ساعة هما اللي هيحددوا حياتك؟”

ليلى ردت بابتسامة صافية: “فعلاً يا دكتور.. هما حددوا مين اللي يستاهل يكمل في حياتي، ومين اللي مكانه الطبيعي بقى خلف القضبان.”

​خرجت ليلى من المستشفى، الشمس كانت ساطعة ومالية الشوارع. وقفت قدام النيل، ونسمة هوا باردة خبطت في وشها. رفعت راسها للسما وقالت في سرها: “الحمد لله.. الضهر اللي انكسر، ربنا جبره بقلب من حديد.”مشيره محمد

​بصت لياسين اللي كان مستنيها بعيد، ومشيت ناحيته بخطوات واثقة، خطوات ست مصرية أصيلة، عرفت إن قيمتها مش بفلوس راجل، لكن بعزتها وكرامتها اللي متبعش ولا تتشري.

​نهاية القصة

​تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *