حماتي
حمـاتي جـت تـبارك لـي عـلى الشـقة الجـديدة، وهـي مش عارفـة إن إبـنها بـاع العـفش وهــ,ـرب بفلوسـنا وسـابني فـي “الـبلاط”.. بـس أول ما عـينها جت في عـيني، عـرفت إن المستـور انكـشف.
كانت “الحاجة فوزية” جاية ومعاها طقم حلل جرانيت هدية، فاكرة إن ابنها “هاني” لسه السند والضهر اللي بيعمر البيت، وماكنتش تتخيل لحظة إن المحروس باع حتى اللحاف اللي بنتغطى بيه عشان يسافر مع “شلة الأنس” ويسيبني أنا وعياله للريح.
كان ليل شتا قاسي، والمطر بيخبط على الشيش وكأنه بيطردنا من البيت. كنت قاعدة في الصالة الفاضية، فارشة “بطانية” قديمة على الأرض، ومحضرة “كلوب” صغير لأن النور اتقطع بسبب الفواتير المتأخرة. ابني “زياد” كان نايم من كتر العياط، وبنتي “سما” بتسألني كل شوية: “يا ماما هو بابا خد التلفزيون والكنب وداهم فين؟”.
البيت اللي كان مفروش بالقطعة وعلى ذوقي، بقى عبارة عن أربع حيطان صم بيبكوا معايا. كنت لابسة “جاكيت” تقيل فوق لبس البيت، وشعري مربوط “كحكة” مهملة، وعيوني وارمة من قلة النوم وحرقة القلب.
وفجأة.. خبطة الباب الرزينة اللي عارفاها.
فتحت، لقيت الحاجة فوزية واقفة بعبايتها السودة الشيك، وريحة بخور العود فايحة منها، ووراها “الشيال” شايل كراتين الهدايا. كانت مبتسمة ابتسامة “النصر” وفرحانة ببيت ابنها الجديد.
قالت لي وهي بتدخل: “مبروك يا حبيبتي، البيت مبروك على صحابه.. فين هاني؟ عايزة أباركه هو الأول على الخطوة دي.”
قلبي اتخلع من مكانه.. الحاجة فوزية ست “حمالة قسية” بس ابنها عندها خط أحمر، كانت دايماً تقول لي: “هاني ده عيني اللي بشوف بيها، ده اللي شايل اسم العيلة.”
وقفت قدامها بوهن، مكسوفة من شكل الصالة الفاضية، ومن الظلمة اللي مخيمة على المكان. سما بنتي جرت عليها: “تيتة! بابا خد السرير بتاعي ومشي!”
الحاجة فوزية ضحكت باستهزاء وقالت: “بتقول إيه البت دي؟ سرير إيه يا سما؟ ده تلاقيه بيجدد لك الأوضة يا حبيبتي.”
بصت لي بنظرة فاحصة، وكأنها لسه واخدة بالها إن الصالة “على البلاط” فعلاً. البرقع اللي كان على الشباك متشال، والنجفة الكبيرة اللي كانت بتنور المدخل.. ممسوحة من السقف وكأنها ما كانتش موجودة.
قالت بنبرة بدأت تترعش: “هو في إيه يا منى؟ العفش فين؟ والبيت ماله ضلمة كدة ليه؟”
بلعت ريقي اللي مر زي الصبار، وحسيت ببرودة في أطرافي وقلت: “هاني مابيعمرش يا طنط.. هاني بيخـ,ـرب.”
بصت لي بذهول: “بيخـ,ـرب إيه؟ اتكلمي عدل عن ابني!”
ماقدرتش أسكت أكتر من كدة، طلعت لها “الوصلات” اللي لقيتها في جيبه قبل ما يهـ,ـرب.. وصلات أمانة ببيع العفش، ورسالة منه سابها لي تحت المخدة بيقول فيها: “أنا محتاج أبدأ حياتي من غير قيود.. العفش ده حقي لأني أنا اللي دفعته، والولاد ليهم ربنا.”
مديت إيدي بالورقة المرمية على الأرض، وقلت لها بصوت مخنوق: “ابنك باع غطا عياله عشان يسهر ويصرف على مزاجـه.. ابنك سابنا على البلاط وهرب.”
الحاجة فوزية خت الورقة، إيديها كانت بتترعش رعشة غريبة، وعينيها كانت بتتحرك بسرعة بين السطور.. وشها اللي كان منور، بقى شاحب زي الأموات، وانفاسها بدأت تتقطع.
وفجأة.. رفعت راسها وبصت لي.. بس الصدمة ماكنتش في دمعتها.
الصدمة كانت في صرختها فيا وهي بتقول: “أكيد أنتي اللي طفشتيه! أكيد أنتي اللي نكدتي عليه لحد ما خلتيه يبيع اللي وراه واللي قدامه ويهرب! ابني مايعملش كدة إلا لو كان “مغلول” منك!”
في اللحظة دي، عرفت إن الوجع مش بس في خـ,ـيانة جوزي.. الوجع الحقيقي إن الأم مستعدة تبرر “الجـ,ـريمة” لابنها، وتلبسها لضحـيته!
#الکاتبه_نور_محمد
التكملة والنهاية :
وقفت مذهولة والورقة بتترعش في إيدي، وصوت صراخها بيرن في وداني وهي بتحملني ذنب ابنها اللي سـ,ـرق غطا عياله وهرب. في اللحظة دي، “سما” بنتي استخبت ورا ضهري وهي خايفة من صوت تيتة العالي، وزياد صحي وبدأ يعيط من كتر التوتر اللي ملى المكان الضلمة.
بصيت للحاجة فوزية، الست اللي كنت ببرها كأنها أمي، ولقيت في عينيها نظرة غريبة.. مش نظرة اتهام وبس، دي كانت نظرة “إنكار”. هي عارفة الحقيقة، عارفة إن ابنها “هاني” طول عمره بتاع نزوات ومستهتر، بس كبريائها كان مانعها تعترف إنها فشلت في تربيته.
مسحت دمعة كانت هتنزل، ووقفت بضهري مفرود وقلت بصوت هادي وواثق:
“يا طنط، الهدوم اللي أنتي لابساها دي، والحلل اللي جايباها في إيدك، وكل قرش في جيبك.. هاني كان بياخده مني ومن دهب جوزي ومن شقايا عشان يرضيكي ويظهر قدامك إنه ‘سي السيد’ الناجح. أنا اللي كنت بداري عيوبه، وأنا اللي كنت بسد ديونه من وراكي عشان صورتك قدام الناس تفضل نضيفة.”
سكتت لحظة، وبصيت للصالة الفاضية وقلت بقوة:
“البيت ده فضي من العفش، بس اتملى كرامة. ابنك ما طفش مني، ابنك هـ,ـرب من مسؤوليته.. هرب لأنه مش راجل كفاية يواجه عياله وهو مش معاه تمن لقمة ياكلهم. لو شايفة إن نكدي هو اللي خلاه يبيع ‘سرير بنته’، يبقى مبروك عليكي تربيتك، ومبروك عليا إني عرفت قيمتي عندكم.”
فتحت لها الباب على آخره، والمطر كان لسه شغال، وقلت لها:
“اتفضلي يا طنط.. خدي الحلل بتاعتك معاكي، أنا مش محتاجة أطبخ في مواعين ملوثة بوجـ,ـع قلبي. والبيت اللي أنتي شايفة إن ابني ‘مغلول’ فيه، أنا هبني فيه من جديد بلقمة حلال وشقا إيديا.. ومن غير وجود أي حد يكسرني.”
الحاجة فوزية بصت لي بذهول، وكأنها لأول مرة تشوف “منى” الحقيقية، مش الكنة المطيعة اللي بتسكت على الإهانة. خدت كراتينها وخرجت وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، بس خطوتها كانت تقيلة ومهزومة.
قفلت الباب وراها بالمفتاح، وحسيت فجأة إن الهوا بقى أخف.
قعدت على الأرض، وضميت سما وزياد لحـ,ـضني.. وبدأت أخطط لبكرة.
بكرة هروح أقدم في شغل، وهرفع قـ,ـضية خـ,ـلع، وهجيب حق العيال قرش قرش.
النهاية:
البيوت مابتتبنيش بالعفش والنجف، البيوت بتتبنى بالأمان. ولما الأمان بيختفي، بيبقى “البلاط” أكرم بكتير من سقف بيجمعنا بناس بتبيعنا في أول محطة.
تمت لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد