ضحكت لما جوزي قال لي خلينا نبيعه واحد من الاولاد
ضحكت.. ضحكت من قلبي لدرجة إن الشاي “شرقني” وكحيت وأنا بمسح دموعي بطرف طرحتي. بصيت لـ كمال وهو قاعد قدامي على الكنبة المتهالكة، ساند ضهره وباصص للسقف بشرود غريب.
”يا راجل اتقِ الله، ده موضوع تهزر فيه وبعدين مين فيهم؟ (سيف) اللي مطلع عيني في المذاكرة، ولا (مريم) اللي نسخة منك، ولا الواد الصغير (بودي)؟”
ضحكت تاني وأنا قايمة ألم الأطباق، كنت فاكراه بيهزر كالعادة عشان يهرب من نكد الديون اللي محاصرانا. قولتله وأنا بدخل المطبخ: يلا قوم عشان ننام، ورانا يوم طويل بكره.. تصبح على خير.”
دخلت الأوضة، واترميت على السرير، بس قلبي مكنش مطمن. فيه “غمة” قبضت صدري فجأة. العيال كانوا نايمين زي الملايكة جنب بعض، وصوت نفسهم الهادي كان هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني.
كنت بقول لنفسي ده هزار
بس
ممرتش عشر دقايق وحسيت بكمال بيقوم من على السرير بحذر وصوت خطواته ناحية البلكونة.
قمت من غير صوت، مشيت على طراطيف صوابعي لحد ما وقفت ورا الستارة. سمعت صوته وهو بيتكلم في التليفون، صوت واطي ومتحفز بس فيه نبرة غدر:
“أيوه يا باشا.. جاهز.. كل حاجة مترتبة زي ما اتفقنا. والورق اللي طلبته بيخلص.. اختار اللي يعجبك، المهم نخلص الليلة دي.. بس خلي بالك، أنا مش هسلم قبل ما أستلم المبلغ كامل، النص مليون ماليش فيه دعوة بعد كدة!”
حطيت إيدي على بوقي عشان أكتم الصرخة اللي كانت طالعة من روحي. جسمي كله بقى بيتنفض، ؟ رجعت زحفت لسريري ودموعي نازلة في صمت، نمت وأنا حاضنة العيال بخوف مرعب، كنت حاسة إن الحيطان نفسها بتراقبنا.
أول ما الصبح شقشق ومحمود لبس ونزل على شغله، قمت زي المجنونة. لميت هدوم العيال
في شنطة قماش بسرعة والدموع لسه في عيني. قلت في سري: “لازم أهرب.. لازم أبعدهم عن الوحش ده قبل ما يرجع.”
لبستهم بسرعة وهما لسه بيفركوا في عينيهم من النوم،
فتحت الباب ببطء، وقلبي بيدق طبول حرب جوه صدري. كنت شايلة “بودي” على كتفي، وماسكة إيد “مريم” و”سيف” بإيدي التانية. عيوني كانت بتلف في الطرقة زي الواحدة اللي بتهرب من سجن. لسه بطلع أول رجل بره العتبة، وفجأة خيال ضخم سد النور اللي جاي من السلم. قلبي وقع في رجلي، ولقيت نفسي برجع لورا خطوة بخطوة من غير ما أحس.
كان كمال.. واقف قدامي بهدوم الشغل، بس عيونه كانت غريبة، فيها لمعة طمع وشراسة عمري ما شفتها قبل كدة. بص للشنطة اللي في إيدي، وبعدين بص للعيال اللي لسه مخلصوش نومهم، وقال بصوت خشن:
“على فين يا ست هانم؟ شايلة الشنط والعيال ورايحة
فين على الصبح كدة؟”
حاولت أبلع ريقي، بس ريقي كان ناشف زي الحطب. حاولت أبان طبيعية وأنا بظبط طرحتي المهزوزة: “رايحة.. رايحة أزور أمي يا كمال. تعبانة شوية وقالت لي تعالي شوفيها.”
كمال ضحك ضحكة صفرا، وقفل الباب وراه بالمفتاح، وحط المفتاح في جيبه وهو بيقرب مني: “لا بلاش النهاردة.. أمك مش هتموت لو مشفتكيش يوم كمان. أنا عايز العيال، مريم وسيف وبودي، هاخدهم معايا مشوار كدة، فيه ناس حبايبي عايزين يشوفوهم.”
في اللحظة دي، شريط المكالمة اللي سمعتها بالليل مر قدام عيني زي البرق. “النص مليون “. دموعي نزلت غصب عني، وصوتي طلع مخنوق بالوجع: “مشوار إيه يا كمال؟ مشوار عند مين؟ انطق!
كمال اتصدم، ملامحه اتغيرت والارتباك ظهر على وشه لثواني قبل ما يتحول لجمود مرعب واللي عمله بعدها ابشع من ما كنت اتخيل. .
….
عرف إني سمعته. مأنبوش ضميره ولا خجل، بالعكس، قرب مني ومسكني من دراعي بقوة وجز على سنانه: “سمعتي؟ طيب أحسن إنك سمعتي عشان توفري عليا الكلام الكتير. أيوه يا هانم، المشكلة؟ إحنا غرقانين في الديون، والسكينة واصلة للرقبة. صاحب البيت عايز حقه، وبتاع السوبر ماركت عايز حقه، والكهربا مقطوعة.. أنتي عايزانا نشحت؟”
صرخت فيه بهستيريا وأنا بحاول أزق إيده: “نشحت ولا يا كمال! دول حتة مني ومنك، إزاي قلبك طاوعك؟ إزاي
رد عليا ببرود يقتل: “فكرت عشان آكل الاتنين التانيين! فكرت عشان نعيش في شقة تانية بدل الخرابة دي. واحد هيعيش ملك عند ناس أغنياء مش بيخلفوا، والاتنين التانيين هيتربوا بفلوسه. ، بدل ما نضيع كلنا، نضحي بواحد عشان الباقي يعيش.”
”أنت وحش! أنت مش بني آدم!”.. قولت الجملة دي وحاولت
أجري ناحية الباب، بس كمال كان أسرع مني. زقني بكل قوته وقعت على الأرض وبودي صرخ في حضني، وسيف ومريم بدأوا يعيطوا بهلع وهم شايفين أبوهم بيتحول لوحش. مسك سيف من
في اللحظة اللي كمال كان بيحاول يفتح فيها الباب عشان يخرج بسيف وهو بيعيط ويصرخ “سيبني يا بابا”، الباب خبط خبطة قوية لدرجة إن الخشب كاد يتكسر. كمال اتجمد مكانه، ومكنش يلحق يفك القفل غير والباب انفتح بقوة ودخل منه إخواتي، أحمد ومحمد.
كنت كلمتهم الفجر في رسالة ومستنية ردهم، ولحسن حظي إنهم مقفلوش موبايلاتهم وجولي جري.
أحمد شاف المنظر، شافني واقعة على الأرض والعيال في حالة رعب وكمال ماسك سيف زي المجرم، دمه غلي.
دخل محمد وزق كمال بعيد عن سيف، وأحمد وقف قدامه زي الحيطة: “أنت بتعمل إيه يا كمال؟ بتمد إيدك على أختنا وعيالك؟
”
كمال حاول يداري خيبته وصاح بزعيق: “دي مراتي ودول عيالي، وأنتم مالكوش دخل! اطلعوا بره بيتي!”
أحمد قرب منه وبص في عينه بنظرة كلها احتقار: “بيتك؟ اللي عايز تبيع عيالك عشان تسدد ديون قمارك ووساختك؟ أختي حكت لنا كل حاجة في الرسالة. العيال دول وأمهم هيخرجوا معانا دلوقتي حالا.”
كمال حاول يمنعهم وهو بيتحرك ناحية المطبخ يمكن يجيب سكينة، بس محمد كان أسرع، مسكه من قميصه وكتفه: “لو فكرت تلمس واحد فيهم، قسماً بالله ما هرحمك. عايز عيالك؟
كمال وقف مشلول، مش قادر يواجه اتنين رجالة، ولا قادر ينكر الورق اللي كان في جيبه. رمى المفتاح من إيده وهو بيلهث من الغل: “خدوهم! خدوهم واشبعوا بفقرهم، بس يوم ما تجوعوا متجوش تخبطوا على بابي.”
أحمد شال سيف، ومحمد سندني وقومني من على الأرض وخد مريم. خرجنا من
الشقة اللي قضيت فيها سنين عمري، بس مكنتش زعلانة، كنت حاسة إني بخرج من قبر. ركبنا العربية، وكنت بضم عيالي التلاتة لحضني كأني عايزة أدخلهم جوه ضلوعي.
بصيت لأخويا أحمد ودموعي نازلة: “هنروح فين يا أحمد؟ أنا ماليش غيركم، بس الحمل تقيل، تلات عيال برقبتي.”
أحمد طبطب على كتفي وبص لي في المراية وقال بابتسامة صافية: “متخافيش يا حبيبتي، البيت بيتك، وعيالك في عيونا قبل عيالنا. إحنا أهل، ولينا رب اسمه الكريم، عمره ما بيضيع حد. الفقر مش عيب، العيب هو اللي يبيع كرامته ولحمه عشان قرشين. نامي وارتاحي، أنتي في أمان.”
غمضت عيني وأنا بسمع صوت نفس عيالي الهادي، وحمدت ربنا إن الضحكة اللي ضحكتها في الأول كانت النهاية المرة للي فات، والبداية الصعبة بس الشريفة للي جاي
حقيقي الاخ نعمه ربنا يحفظ كل أخ
حنين وبيحافظ على اللي ليه