خطوه فوق الجوع لشروق خالد
كانت واقفة قدام الفرن، عينيها على الرغيف السخن اللي لسه طالع… بخاره طالع لفوق، وريحتُه مالية المكان.
بطنها كانت بتوجعها من الجوع… بس مش عشانها.
عشان أمها.
بصت حواليها… الناس داخلة طالعة، والراجل اللي واقف على الفرن مش مركز معاها.
إيدها الصغيرة اتحركت ببطء… قربت من الرغيف… قلبها بيدق بسرعة.
“يا رب…”
خطفته… وجريت.
“يااااا بنت!” صوت الراجل طلع وراها.
جريت بأقصى سرعة… رجليها بتخبط في الأرض الترابية، نفسها بيقطع، بس ما وقفتش.
دخلت زقاق ضيق… استخبت ورا حيطه مكسورة، وضمت الرغيف لصدرها.
قعدت على الأرض، بتنهج، وعينيها مليانة دموع وخوف.
بس ابتسمت.
“هتاكلي يا ماما…”
قامت بسرعة، وجريت على بيتها… أو اللي كان شبه بيت.
أوضة صغيرة… سقفها مكسور… والبرد داخل من كل ناحية.
دخلت وهي بتلهث: “ماما!”
الست كانت نايمة على حصيرة قديمة… جسمها مش بيتحرك… بس عينيها كانت مفتوحة.
“جيتي يا حبيبتي؟”
قربت منها بسرعة، قعدت جنبها، ورفعت راسها بحنية: “بصي… جبتلك أكل.”
عينين الأم دمعت: “منين يا بنتي؟”
سكتت لحظة… وبعدين قالت بابتسامة صغيرة: “لقيته.”
الأم فهمت… بس ما قالتش حاجة.
بس دموعها نزلت أكتر.
قطعت حتة صغيرة من الرغيف… وقرّبتها من بوق أمها.
“كلي… عشان تبقي كويسة.”
الأم بصتلها بحزن: “وإنتي؟”
هزت راسها: “أنا شبعت.”
لكن بطنها صوتت في نفس اللحظة.
سكتت… وبصت بعيد.
الأم حاولت تضحك: “كذابة…”
البنت ابتسمت وهي بتحاول تمسك دموعها: “المهم إنتي.”
وفجأة…
باب الأوضة اتفتح بعنف.
“إنتي هنا!”
صوت الراجل بتاع الفرن.
قلبها وقع… قامت بسرعة، وقفت قدام أمها كأنها بتحميها.
“أنا… أنا هارجع الرغيف!”
الراجل دخل، وشه مليان غضب… وبص حواليه.
شاف الأم… حالتها… المكان.
سكت.
البنت كانت بتترعش: “اضربني… بس سيبها.”
الكلام خرج منها بسرعة… خوف… واستسلام.
الراجل بص لها… وبعدين للرغيف في إيدها… وبعدين للأم اللي مش قادرة تتحرك.
ملامحه بدأت تتغير… الغضب راح شوية.
“إنتي اللي سرقتي؟”
هزت راسها… ودموعها نازلة: “عشانها.”
سكون.
ثواني طويلة.
وبعدين…
الراجل قرب ببطء… والبنت غمضت عينيها… مستنية الضربة.
بس ما حصلش حاجة.
فتحِت عينيها…
لقته حاطط إيده على راسها.
“إنتي اسمك إيه؟”
اتلخبطت: “فاطمة…”
بص للأم تاني… وقال بهدوء: “من النهارده… هتيجي تاخدي العيش من عندي… بس من غير سرقة.”
اتصدمت: “بجد؟”
هز راسه: “بس بشرط.”
خافت: “إيه؟”
“تفضلي دايمًا زي ما إنتي… قلبك ده ما يتغيرش.”
دموعها نزلت… بس المرة دي فرحة.
حضنت الرغيف كأنه كنز… وبصت لأمها: “سمعتي يا ماما؟”
الأم ابتسمت… لأول مرة من زمان.
ــــــــــــــــــــ
مرت الأيام…
فاطمة بقت تيجي كل يوم… تاخد العيش.
والراجل بقى يديها زيادة… من غير ما تقول.
والأم حالتها اتحسنت شوية… بقت تتكلم وتضحك.
ــــــــــــــــــــ
وفي يوم…
فاطمة دخلت الفرن… بس ما لقتش الراجل.
سألت: “فين عمّي؟”
واحد من العمال قال: “مشي…”
“مشي فين؟!”
“قال كفاية كده… وساب المكان.”
اتجمدت… “طب… وأنا؟”
الراجل ابتسم: “سابلك حاجة.”
إداها كيس صغير.
فتحته…
لقَت فيه فلوس… كتير بالنسبة لها.
وورقة.
قرأت بصعوبة:
“ما تخافيش… الرغيف اللي سرقتيه غير حياتي… زي ما غير حيات
ك.”
دموعها نزلت وهي مبتسمة.
حضنت الورقة… وخرجت.
وفي الطريق…
مرت قدام الفرن…
وقفت لحظة…
وبصت للرغيف اللي بيطلع.
ابتسمت…
ومدت إيدها…
بس المرة دي…
دفعت ثمنه.
حطت الفلوس في إيد الراجل الجديد… وإيدها كانت بتترعش، مش من الخوف زي زمان… من الإحساس.
إحساس إنها بقت قادرة… حتى لو بسيط.
أخدت الرغيف… وخرجت تمشي بهدوء.
كل خطوة كانت مختلفة… مفيهاش جري… مفيهاش خوف.
بس لسه في حاجة ناقصة.
وصلت البيت… دخلت على أمها بابتسامة: “بصي… جبت العيش.”
الأم بصتلها بحب: “ربنا يخليكي ليا يا بنتي.”
قعدت جنبها، وبدأت تأكلها زي كل يوم… بس وهي بتبص في وشها، قالت فجأة:
“ماما… أنا مش عايزة أفضل كده.”
الأم استغربت: “كده إزاي؟”
“كل يوم عيش بس… أنا عايزة أشتغل… أساعد أكتر.”
سكتت الأم شوية… وبعدين قالت بهدوء: “إنتي لسه صغيرة يا فاطمة.”
هزت راسها: “بس قلبي مش صغير.”
الكلمة وقعت تقيلة… بس جميلة.
الأم ابتسمت بحزن: “خايفة عليكي.”
مسكت إيدها: “وأنا خايفة عليكي برضه… بس لازم أعمل حاجة.”
ــــــــــــــــــــ
تاني يوم…
فاطمة راحت الفرن بدري.
وقفت قدام الراجل الجديد وقالت: “ممكن أشتغل؟”
بصلها باستغراب: “تشتغلي؟ إنتي؟”
هزت راسها بثبات: “أمسح… أنضف… أي حاجة.”
ضحك شوية: “ده شغل صعب.”
ردت بسرعة: “أنا أصعب.”
سكت لحظة… وبعدين قال: “تعالي نجرب.”
ــــــــــــــــــــ
بدأت تشتغل…
في الأول كانت بتتعب بسرعة… إيديها الصغيرة ما كانتش متعودة.
بس ما استسلمتش.
كل يوم كانت تيجي… تمسح الأرض، ترتب، تساعد في نقل العيش.
والناس بدأت تلاحظها… بنت صغيرة… بتشتغل بجد.
واحدة ست كبيرة كانت بتيجي كل يوم… كانت بتبص لها باهتمام.
وفي يوم…
قربت منها وقالت: “إنتي بتروحي مدرسة؟”
فاطمة سكتت… وبعدين هزت راسها: “لا.”
“ليه؟”
بصت في الأرض: “ما فيش فلوس.”
الست فضلت باصة لها شوية… وبعدين قالت:
“تيجي معايا؟”
رفعت عينيها بخوف: “فين؟”
“مدرسة… ومش هتدفعي حاجة.”
اتصدمت: “بجد؟!”
ابتسمت الست: “بس بشرط.”
ابتسمت فاطمة: “إيه؟”
“تكملي… وما توقفيش.”
ــــــــــــــــــــ
بعد أيام…
فاطمة بقت تشتغل نص اليوم… وتروح المدرسة النص التاني.
كانت بترجع تعبانة… بس سعيدة.
كل يوم بتحكي لأمها اللي اتعلمته…
حروف… أرقام… كلام جديد.
والأم كانت بتسمعها كأنها بتسمع حلم بيتحقق.
ــــــــــــــــــــ
مرت سنين…
الأوضة الصغيرة بقت أنضف… وبقى في أكل أكتر.
الأم بقت تتحرك شوية… تمشي خطوات بسيطة.
وفاطمة… كبرت.
بقت تقرأ وتكتب كويس… وبتشتغل… وبتساعد غيرها.
ــــــــــــــــــــ
وفي يوم…
وقفت قدام فرن… نفس الفرن.
بس المرة دي…
كانت هي اللي واقفة جواه.
وبتدي عيش لبنت صغيرة… عينيها مليانة خوف.
البنت قالت بصوت واطي: “معيش فلوس…”
فاطمة بصتلها… وشافت نفسها زمان.
ابتسمت… وادتها الرغيف.
وقالت بهدوء:
“خديه… بس مرة واحدة بس.”
البنت استغربت: “ليه؟”
فاطمة قالت بابتسامة دافية:
“عشان المرة الجاية… تيجي تشتغلي… مش تسرقي.”
ـــــــــــــــــ
ـــ
البنت حضنت الرغيف… وجريت.
وفاطمة وقفت تبص وراها…
وعينيها دمعت… بس بابتسامة.
همست لنفسها:
“الرغيف اللي سرقته زمان… كان بداية… مش نهاية.”