هر..بت من زوجي

هربت من زواجٍ مُسيء… لكن الرجل الذي قابلته في القطار كان زعيم أخطر مافيا.

كان اهتزاز المترو يشقّ ليل Ciudad de México بينما كانت ريناتا تضغط حقيبتها الحمراء إلى صدرها بقوة حتى آلمتها أصابعها. جلست في نهاية العربة، منكمشة داخل سترتها الصوفية بنفس اللون، تحاول أن تشغل أقل مساحة ممكنة، كأنها إن صغرت بما فيه الكفاية ستصبح غير مرئية. في انعكاس الزجاج الداكن بالكاد تعرفت على المرأة التي تنظر إليها: عين متورمة، جرح رفيع فوق الجبهة، شفة مشقوقة، وتلك النظرة… نظرة حيوان محاصر تعلمت حملها خلال خمس سنوات.
شروق خالد
كان جيراردو يردد عليها مرارًا أنها، لكونها يتيمة، لن يبحث عنها أحد، لن يدافع عنها أحد، ولن يلاحظ أحد حتى إن اختفت. ومع الوقت، بدأ جزء منها يصدق ذلك. لقد بنى حولها سجنًا بلا قضبان، مصنوعًا من الخوف والذنب والعزلة. ومع كل توقف للقطار، كانت تحبس أنفاسها، متأكدة أنه سيظهر على الرصيف بتلك الابتسامة الملتوية التي تسبق دائمًا إهانة جديدة.
شروق خالد
لم تكن تعرف إلى أين تذهب. كل ما كانت تعرفه أنها يجب أن تبتعد. خرجت هاربة من ذلك الشقة بعد آخر ضربة، وقلبها يكاد يقفز من صدرها، مقتنعة أن ليلة أخرى هناك تعني نهايتها.

تجنب الركاب النظر إليها. بعض العيون توقفت لحظة على جراحها بشفقة عابرة، ثم ابتعدت سريعًا. بدت المدينة كلها وكأنها تؤكد نبوءة جيراردو: لا أحد يتدخل، لا أحد يسأل، لا أحد ينقذ.

ثم تغيّر هواء العربة.
شروق خالد
شعرت به قبل أن تراه. عطر جاف، نظيف، باهظ؛ خشب الأرز ودخان بارد. حضور هادئ، لكنه ثابت لدرجة أن همسات العربة خفتت. التفتت قليلًا، فوجدت رجلًا يجلس بجانبها… ربما كان هناك منذ البداية لكن الخوف شوّش حواسها.

كان في الثلاثينات، بشرته قمحية، فكّه حاد، يرتدي بدلة زرقاء داكنة مفصلة بإتقان، وقميصًا أبيض بلا تجعيدة واحدة. ساعة فضية لمعت للحظة تحت الضوء، وعلى عنقه ويديه امتدت وشوم دقيقة كأنها أفاعٍ أو ألسنة لهب. لم يبتسم، ولم يتظاهر باللطف… فقط كان يراقبها بانتباه حاد، كأنه يقرأ فيها شيئًا لا يراه الآخرون.

خفضت ريناتا عينيها فورًا. هذا الرجل كان خطرًا… لكن ليس كجيراردو. خطره أنيق، صامت، مسيطر.

توقف القطار فجأة في محطة شبه فارغة. نظرت ريناتا دون وعي إلى الرصيف… فتجمد الدم في عروقها.

جيراردو.
شروق شروق
كان هناك، مستندًا إلى عمود، ينتظرها كصياد يعرف طريق فريسته. وعندما رآها، اعتدل ببطء وابتسم… نفس الابتسامة المقززة.

— لقد وصل… همست دون أن تشعر.

الرجل بجانبها لم يتفاجأ.

— أعلم.

نظرت إليه بدهشة. كان هادئًا كتمثال.
شروق شروق
فُتحت الأبواب بصوت خافت، ودخل هواء بارد. تقدم جيراردو نحوها بسرعة، وعيناه تشتعلان غضبًا.

— إذا خرجتِ وحدك، قال الرجل وهو يقف بهدوء، فستعودين إلى القفص… وهذه المرة لن يسمح لكِ بفتح الباب مرة أخرى.

تجمدت ريناتا. لم تطلب مساعدته. لا تعرفه أصلًا. لكن صوته… لم يكن وعدًا، بل حقيقة.

نزل أولًا إلى الرصيف… وتبعته دون أن تفهم لماذا.

مدّ جيراردو يده ليمسك بذراعها، لكن الرجل وقف بينهما قبل أن يلمسها. لم يرفع صوته، ولم يتخذ وضعية قتال… فقط وقف بثبات، ممسكًا بسيجارة مشتعلة، كأن الآخر ليس تهديدًا بل إزعاجًا.

— هذه زوجتي، بصق جيراردو، لكنها لم تعد نبرته واثقة. ستأتي معي.

نظر الرجل إلى ريناتا ثم إليه.

— لا يبدو أنها تريد الذهاب معك.

— أنت لا تفهم شيئًا! هي لا تملك أحدًا… هي يتيمة، لا أحد سيطالب بها!

ضاقت عينا الرجل، وتقدم خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كافية ليجعل جيراردو يتراجع دون وعي.

— أنت مخطئ، قال بهدوء. هي تقف بجانبي الآن… وهذا يعني أنها لم تعد وحدها.
شروق خالد
لم يصرخ. لم يهدد. لكن صوته جمّد المكان كله. نظر جيراردو إلى وشومه، إلى ساعته، إلى ذلك الهدوء المرعب… ولأول مرة منذ خمس سنوات، كان هو من يشعر بالخوف.

ورأت ريناتا ذلك بوضوح.

الرجل الذي جعل حياتها جحيمًا… انكمش أخيرًا.

ابتلع جيراردو ريقه، وتراجع خطوة أخرى، لكن كبرياءه لم يسمح له بالهروب بسهولة. شدّ كتفيه، محاولًا استعادة هيبته المفقودة، وقال بصوت أعلى مما ينبغي:

— أنت فاكر نفسك مين عشان تدخل بيني وبين مراتي؟

الرجل لم يرد فورًا. سحب نفسًا بطيئًا من سيجارته، ثم أطلق الدخان بهدوء، وكأن الوقت ملكه وحده.

— أنا؟… قالها بنبرة خافتة، ثم ألقى نظرة سريعة حوله، فلاحظت ريناتا شيئًا غريبًا: رجلين يقفان بعيدًا قليلًا، يراقبان بصمت. لم يكونا من الركاب العاديين… وقفتهما، نظراتهما، وحتى طريقة وضع أيديهما… كل شيء فيهما كان منظمًا، حذرًا.

عاد الرجل بنظره إلى جيراردو.

— أنا الشخص اللي لازم تبعد عنه… لو عايز تعيش.

ضحك جيراردو بسخرية، لكن ضحكته خرجت مهزوزة.

— تهددني؟ قدام الناس؟

وقبل أن يكمل، اقترب أحد الرجلين الذين كانوا يراقبون، وقال بهدوء شديد:

— امشي… دلوقتي.

تجمد جيراردو. نظر للرجل الغريب، ثم للرجلين الآخرين، ثم إلى ريناتا… وكأن عقله بدأ يستوعب أخيرًا أنه لم يعد المسيطر هنا.

— دي مش خلصت… قالها وهو يتراجع. هترجعيلي يا ريناتا… غصب عنك.

لكن صوته لم يكن مخيفًا هذه المرة… بل بدا كصدى ضعيف لرجل خاسر.

استدار ورحل.

—شروق خالد

بقيت ريناتا واقفة، جسدها يرتعش، وعيناها مثبتتان على المكان الذي اختفى فيه. لم تصدق… هل انتهى الأمر فعلًا؟

— مشي، قال الرجل بهدوء.

نظرت إليه ببطء.

— ليه… ساعدتني؟

نظر إليها للحظة، ثم أطفأ سيجارته تحت قدمه.

— لأنك طلبتي ده.

هزّت رأسها بسرعة.

— لا… أنا ما طلبتش حاجة.

اقترب خطوة واحدة فقط… لكنها شعرت أن المسافة بينهما اختفت.

— كل واحد بيطلب المساعدة بطريقته… وأنتِ كنتي بتصرخي، حتى لو بصمت.

سكتت. لم تعرف ماذا تقول.

مرّت لحظة ثقيلة، ثم سألته بصوت خافت:

— أنت مين؟

نظر إليها نظرة مختلفة هذه المرة… أعمق، أخطر.

— السؤال الصح مش أنا مين… السؤال: هل أنتِ مستعدة تعرفي؟

ترددت.

كل شيء فيها كان يقول: اهربي. ابتعدي. هذا الرجل خطر.

لكن… لم يكن الخطر دائمًا عدوًا.

أحيانًا… يكون هو النجاة الوحيدة.

— أيوه… قالتها أخيرًا.

ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد ظهرت.

— اسمي سليم.

سكت لحظة، ثم أكمل:

— والباقي… هتعرفيه مع الوقت.

— شروق خالد

خارج المحطة، كانت سيارة سوداء فاخرة تنتظر. فتح أحد الرجال الباب الخلفي لسليم، ثم نظر إلى ريناتا وكأنه ينتظر قرارها.

وقفت مكانها.

هذه لحظة فاصلة.

إما تعود لحياتها القديمة… أو تدخل عالمًا لا تعرف عنه شيئًا.

نظر إليها سليم دون أن يتكلم.

لا ضغط… لا استعجال.

لكن عينيه قالتا كل شيء: القرار لكِ.

أخذت نفسًا عميقًا…

ثم تحركت.

ركبت السيارة.

—شروق خالد

انطلقت السيارة في شوارع الليل، والمدينة تبتعد خلفها تدريجيًا.

كانت ريناتا تنظر من النافذة، قلبها ما زال يخفق بسرعة، لكنها لأول مرة منذ سنوات… لم تشعر بالخوف.

— خايفة؟ سأل سليم بهدوء.

نظرت إليه.

— مش عارفة… بس مش زي قبل.

هز رأسه.

— كويس.

سكت قليلًا، ثم قال:

— لأن اللي جاي… مش سهل.

نظرت إليه بقلق.

— تقصد إيه؟

نظر أمامه، وعيناه أصبحتا باردتين فجأة.

— جيراردو مش هيسيبك… واللي زيه لما يخسر، بيتهور.

ابتلعت ريقها.

— وأنا… هعمل إيه؟

التفت إليها أخيرًا.

— من النهارده… أنتِ تحت حمايتي.

سكتت لحظة… ثم سألت:

— مقابل إيه؟

ابتسم ابتسامة غامضة.

— ولا حاجة دلوقتي…

شروق خالد

ثم أضاف بهدوء:

— بس كل حاجة ليها تمن يا ريناتا.

—

في مكان آخر…

كان جيراردو يقف في زقاق مظلم، يضرب الحائط بقبضته بغضب هستيري.

— مش هسيبك… همس بغِلّ. حتى لو آخر حاجة أعملها.

رفع هاتفه، واتصل برقم.

— عايز كل المعلومات عن واحد اسمه سليم… حالًا.

جاءه الصوت من الطرف الآخر مترددًا:

— سليم مين؟

صمت جيراردو لحظة، ثم قال:

— الراجل اللي كان في المترو…

مرت ثوانٍ… ثم تغير صوت المتصل فجأة.

— أنت اتجننت؟! ابعد عن الموضوع ده فورًا!

— ليه؟! صرخ جيراردو.

جاءه الرد ببطء… وخوف واضح:

— لأنك لو قربت منه… هتختفي.

تجمد جيراردو.

— هو… مين؟

همس الصوت:

— ده مش مجرد راجل…

سكت لحظة…

— ده اللي الناس بتخاف حتى تنطق اسمه.

— شروق خالد

وفي السيارة…

كانت ريناتا لا تزال تنظر أمامها، لا تعرف أنها لم تهرب فقط من جحيم…

بل دخلت جحيمًا آخر… أكثر ظلمة.

لكن هذه المرة…

لم تكن الضحية.

—

لم تكن ريناتا تعلم أن الصمت داخل السيارة لم يكن راحة… بل هدوء ما قبل العاصفة.

مرت دقائق طويلة، لا يُسمع فيها سوى صوت المحرك وأنفاسها غير المنتظمة. كانت تنظر من النافذة، لكن عقلها لم يكن يرى الشوارع… بل كان عالقًا عند تلك اللحظة في المترو. عند نظرة جيراردو الأخيرة… وعند ثبات سليم المخيف.

— وصلنا، قالها السائق أخيرًا.

توقفت السيارة أمام فيلا ضخمة محاطة بأسوار عالية وبوابات حديدية سوداء. لم يكن المكان مجرد بيت… كان أشبه بحصن.

نزل سليم أولًا، ثم مد يده إليها دون أن ينظر مباشرة. ترددت لثانية… ثم أمسكتها.

مجرد لمسة.

لكنها كانت كافية لتشعر بشيء غريب… أمان لم تعرفه منذ سنوات، ممزوج بخطر لا يمكن تجاهله.

دخلت معه.

— شروق خالد

من الداخل، كان كل شيء هادئًا… مرتبًا… فخمًا بشكل مبالغ فيه، لكن بلا دفء. كأن المكان لا يسكنه بشر… بل سلطة.

— اقعدي، قال سليم وهو يشير إلى أريكة.

جلست ببطء، عيناها تتحركان في المكان بحذر.

— دلوقتي… قال وهو يخلع ساعته ويضعها على الطاولة، هنبدأ من الأول.

نظرت إليه بترقب.

— أنتِ هربتي من راجل بيضربك… وكنتِ مستعدة تمشي لأي مكان… صح؟

هزّت رأسها.

— وأنا قررت أساعدك… بس مش عشان الشفقة.

عقدت حاجبيها.

— أمال ليه؟

سكت لحظة… وكأنه يختار كلماته بعناية.

— لأنك مفيدة.

تجمدت.

— مفيدة… إزاي؟

شروق خالد

اقترب منها قليلًا، ونظر مباشرة في عينيها.

— لأنك محدش يعرفك… ومحدش هيدور عليك.

رجعت للخلف غريزيًا.

— أنا مش فاهمة…

ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن مريحة.

— أنا مش مجرد واحد أنقذك… أنا داخل حرب.

سكتت… وقلبها بدأ يدق أسرع.

— حرب؟!

— وكل حرب… محتاجة ناس ما حدش يشك فيها.

اتسعت عيناها.

— أنت عايز تستخدمـ—

قاطعها بهدوء:

— عايز أحميك… وفي نفس الوقت… تساعديني.

سكتت. عقلها يصرخ: اهربي.

لكن… إلى أين؟

جيراردو بالخارج.

وهذا الرجل أمامها.

اثنان خطران… لكن أحدهما فقط وقف بينها وبين الموت.

— ولو رفضت؟ قالتها بصوت ضعيف.

نظر إليها طويلًا…

ثم قال بهدوء مرعب:

— هسيبك تمشي.

اتسعت عيناها بدهشة.

— بجد؟

— أيوه… بس مش هقدر أحميك بعد كده.

سكت.

ثم أضاف:

— وجيراردو هيلاقيك… أسرع مما تتخيلي.

انخفضت عيناها للأرض.

الاختيار كان واضحًا… لكنه قاسٍ.

رفعت رأسها أخيرًا.

— أعمل إيه؟

ابتسم لأول مرة… ابتسامة حقيقية، لكنها خطيرة.

— كده بدأنا.

—

في اليوم التالي…

استيقظت ريناتا على صوت خافت. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة واسعة، نظيفة، وهادئة.

لكن الهدوء لم يدم.

دخلت امرأة أنيقة، تحمل حقيبة.

— صباح الخير… أنا الطبيبة، قالت بابتسامة.

اقتربت منها، وبدأت تعالج جروحها.

— عندك حظ… قالت وهي تنظف الجرح. قليل اللي بيخرجوا من حياته ويعيشوا.

تجمدت ريناتا.

— تقصدي مين؟

نظرت الطبيبة إليها للحظة… ثم قالت:

— سليم.

صمتت ريناتا.

— هو… خطر؟

ابتسمت الطبيبة ابتسامة غامضة.

— جدًا.

ثم أضافت بهدوء:

— بس أخطر لما يهتم بحد.

— شروق خالد

في نفس الوقت…

دخل أحد الرجال إلى مكتب سليم.

— في مشكلة.

لم يرفع سليم عينيه.

— قول.

— جيراردو… مش سكت.

توقف سليم عن الحركة.

— عمل إيه؟

— جمع ناس… وبيسأل عليك في كل حتة.

صمت سليم… ثم رفع عينيه ببطء.

وفيها شيء تغيّر.

— يبقى هو اللي اختار.

— نتصرف؟

وقف سليم، والتقط سترته.

— لا.

تجمد الرجل.

— لا؟!

أشعل سليم سيجارة، وقال بهدوء قاتل:

— المرة دي… أنا هروح له بنفسي.

— شروق خالد

في غرفة ريناتا…

كانت تقف أمام المرآة، تنظر لنفسها.

الكدمات بدأت تختفي…

لكن شيئًا آخر بدأ يظهر.

قوة.

ضعيفة… لكنها موجودة.

وفجأة، فُتح الباب.

دخل سليم.

— جهزي نفسك.

نظرت إليه بقلق.

— ليه؟

نظر إليها بثبات…

— هتشوفي جيراردو.

تجمدت.

— إيه؟!

اقترب خطوة.

— عشان ننهي كل حاجة.

بدأ الخوف يرجع… لكن هذه المرة لم يشلها.

— وأنا… أعمل إيه؟

مد لها شيئًا صغيرًا.

هاتف.

— لما أقولك… تتكلمي.

نظرت له بتوتر.

— وهتقول إيه؟

ابتسم ببطء…

— الحقيقة.

— شروق خالد

بعد ساعة…

كانت السيارة تتوقف في نفس الزقاق.

نفس المكان.

لكن هذه المرة…

ريناتا لم تكن الضحية.

وكان جيراردو… على وشك يفهم ده.

نزلت ريناتا من السيارة، وقدماها ترتجفان… لكن ليس كما في السابق. كان الخوف لا يزال هناك، نعم… لكنه لم يعد يُسيطر عليها.

الزقاق نفسه… نفس الجدران القذرة… نفس الظلام.

لكنها لم تكن نفس الفتاة.

كان سليم يقف بجانبها، هادئًا كعادته، بينما انتشر رجاله في الظلال دون ضجيج. كل شيء كان محسوبًا.

— افتكري… قال بصوت منخفض، أول ما أكلمك… تقولي كل حاجة.

هزّت رأسها ببطء.

وقبل أن تستوعب أكثر…

ظهر جيراردو.

خرج من العتمة كالشبح، عيناه مليئتان بالغضب والجنون.

— كنت عارف إنك هترجعي… قال بابتسامة مريضة.

لكن ابتسامته اختفت فورًا عندما رأى سليم.

توقف مكانه.

— أنت…

سليم لم يرد. فقط نظر إليه.

وكان ذلك كافيًا.

— إيه اللي أنت عايزه؟! قالها جيراردو بعصبية.

أخرج سليم هاتفه، وضغط زرًا… ثم نظر إلى ريناتا.

— دلوقتي.

شعرت أن قلبها سيتوقف.

هذه اللحظة… هي الفاصلة.

نظرت إلى جيراردو… نفس الرجل الذي كسرها، أهانها، جعلها تخاف من نفسها.

لكن فجأة…

لم ترَ وحشًا.

رأت رجلًا ضعيفًا.

أخذت نفسًا عميقًا… وبدأت تتكلم.

— أنت كنت بتضربني كل يوم…

تغيرت ملامح جيراردو.

— اسكتي!

لكنها لم تسكت.

— كنت بتقولي إني مليش حد… إني لو اختفيت محدش هيسأل عني…

صوته بدأ يهتز:

— قولتلك اسكتي!

صرخت هذه المرة، لأول مرة في حياتها:

— كنت بتموتني وأنا عايشة!

الصمت سقط فجأة.

حتى الهواء توقف.

سليم كان يسجل.

كل كلمة.

كل اعتراف غير مباشر.

كل تهديد.

اقترب خطوة.

— كفاية.

شروق خالد

نظر إلى رجاله.

في لحظة… خرجوا من الظلام، وأحاطوا بجيراردو.

بدأ الخوف الحقيقي يظهر على وجهه.

— لا… لا استنوا… أنا—

نظر إليه سليم ببرود.

— دي النهاية اللي اخترتها لنفسك.

— هتقتلني؟! صرخ جيراردو.

سكت سليم لحظة…

ثم قال:

— لا.

اتسعت عينا ريناتا بدهشة.

— في حاجات أسوأ من الموت.

أشار بيده.

تقدم الرجال، أمسكوا بجيراردو الذي بدأ يصرخ ويقاوم… لكن بلا فائدة.

— ريناتا! صرخ فجأة. أنا بحبك!

تجمدت للحظة…

ثم نظرت إليه ببرود لأول مرة.

— الحب عمره ما كان وجع.

انكسر صوته.

واختفى… وهو يُسحب داخل الظلام.

—

عاد الصمت.

وقفت ريناتا مكانها… تشعر أن شيئًا ثقيلًا انزاح من فوق صدرها.

لكن بدل الراحة…

شعرت بفراغ.

نظرت إلى سليم.

— خلصت؟

نظر إليها.

— أيوه… بالنسبة له.

— وبالنسبة لي؟

سكت.

ثم اقترب خطوة.

— لسه.

تجمّدت.

— تقصد إيه؟

نظر إليها نظرة عميقة.

— أنتِ مش نفس البنت اللي ركبت المترو… وده معناه إنك قدامك اختيار.

— اختيار؟

— ترجعي تعيشي حياة عادية… وتحاولي تنسي.

سكت لحظة…

— أو تكمّلي معايا.

دقات قلبها زادت.

— في إيه؟

شروق خالد

ابتسم ابتسامة خفيفة.

— في عالم… مفيهوش ضعف.

نظرت بعيدًا.

حياة عادية؟

هل تقدر ترجع؟ هل تقدر تنسى؟

بعد كل اللي حصل؟

وبعد ما شافت القوة… وشعرت إنها مش ضحية؟

رفعت عينيها نحوه.

— ولو كملت معاك… هبقى إيه؟

اقترب أكثر… حتى أصبحت المسافة بينهما لا تُذكر.

— هتبقي حاجة محدش يقدر يكسرها تاني.

صمتت.

ثواني طويلة…

ثم قالت:

— موافقة.

ابتسم.

لكن هذه المرة…

كانت ابتسامة انتصار.

—

بعد شهور…

في نفس محطة المترو…

كانت فتاة أخرى تجلس، خائفة، مكسورة… تشبه ريناتا القديمة.

اقتربت منها امرأة أنيقة، قوية، بعينين باردتين… لكن فيهما شيء من الرحمة.

جلست بجانبها.

— عايزة تهربي؟

رفعت الفتاة عينيها ببطء.

— أيوه…

ابتسمت المرأة.

— يبقى تعالي معايا.

وقفت…

وتحت ضوء المحطة، ظهرت ملامحها بوضوح.

لم تعد ريناتا القديمة.

بل شيء آخر تمامًا.

شيء أخطر…

وأقوى.

وفي الظل…

كان سليم يراقب.

بهدوء.

كعادته.

– شروق خالد

النهاية 🔥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *