شهر العسل

قبل ما نتحرك لشهر العسل،صاحب جوزي شدني على جنب في القاعة وقالي: “في حاجة لازم تعرفيها.”
​ليلى مكنش بقالها متجوزة أكتر من أربعين دقيقة لما ياسين، صاحب عمر الأنتيم، لمس كتفي وقالي بصوت واطي جداً: “متركبيش العربية دي الليلة دي.”
​الباند كانت شغالة بأعلى صوت، والمعازيم كانوا بيجمعوا الشماريخ عشان الزفة. عمر كان واقف جنب البار بيضحك مع ولاد عمه، مشمر كمه وطالع زي ما هو، الراجل اللي وثقت فيه تلات سنين.
​ياسين مكنش باين عليه إنه بيهزر خالص. وشه كان مخطوف، وأخدني وراه في طرقة الخدمة اللي جنب المطبخ.
​قلتله: “أنت بتعمل إيه؟ لو دي مقلب فـ أنا مش رايقة خالص.”
​بلع ريقه وقالي: “مش مقلب. أنا حاولت أخلي عمر يقولك قبل الفرح، قالي إنه هيقولك، بس مكلمكيش.”
​قلبي وقع في رجلي. ياسين طلع موبايله ووراني صورة لأوراق جوه دوسيه جلد. أول حاجة شفتها كان اسمي.
​ليلى كامل
​وتحت الاسم، رقم قرض، وإنذار بتأخر السداد، ومبلغ أكتر من اتنين مليون جنيه!
​ياسين كمل كلامه: “لقيت الورق ده في عربية عمر من ساعة. طلب مني أجيب “الزراير”

بتاعة القميص من درج العربية، والدوسيه كان تحت الكرسي. فتحته لأني افتكرته ورق تبع الفرح.” سكت ثانية وقال: “رقمك القومي مكتوب في الطلب، وفي إمضاء باسمك تحت.”
​”مستحيل، الكلام ده مش منطقي!”
​قاللي: “هو ساب شغله من شهر تلاتة اللي فات، ومقالكيش. كان بيقول للناس كلها إنه شغال استشاري “Free-lancer”. ده استلف مني ومن مروان فلوس، والنهاردة طلب مني 200 ألف جنيه كمان عشان تلحقوا تسافروا المالديف بكرة.”
​لثانية واحدة، كنت هتجنن وأرجع القاعة وأمثل إني مسمعتش حاجة. بس فجأة افتكرت عمر الشهر اللي فات لما قالي ابعتيلي صورة بطاقتك عشان “شركة السياحة محتاجاها”. وافتكرت الفيزا اللي طلعت باسمي في شهر أربعة، واللي هو قالي وقتها إنها غلطة من البنك.
​ياسين ناولني الدوسيه: “في إنذارات تانية في شنطة هدومه.”
​وقبل ما أرد، عمر ظهر في آخر الطرقة. شاف الدوسيه في إيدي، وشاف ياسين جنبي، وشه بقى أبيض زي الورقة.
​قال بسرعة: “ليلى.. تعالي نتكلم بره.”
​مقالش “أنا أسف”. مقالش “ياسين كداب”. قال بس “تعالي نتكلم بره”.
​في اللحظة دي بس
بصيت في عينيه وأنا بفتكر كل لحظة حب عشناها، كان نفسي يكدب، كان نفسي يقول إن ياسين خاين أو بيتبلى عليه. بس ملامحه المهزوزة قالت كل حاجة.
​مديت إيدي بالدوسيه ورميته في صدره، والورق اتنطر في الأرض بيننا. قلعت الخاتم من إيدي، وبصيت لياسين وقلتله بصوت ميت: “ياسين، مفتاح عربيتك معاك؟”
​ياسين استغرب: “أيوة، بس ليه؟”
​قلتله وأنا عيني في عين عمر اللي كان هيتجنن: “عشان أنا مش هركب العربية مع النصاب ده.. أنا هركب معاك أنت، وهنروح نفتح الشنطة اللي فيها باقي الورق قدام المعازيم كلهم.”
​لسه عمر بيقرب عشان يمسك إيدي، سمعنا صوت عالي جاي من القاعة.. صوت خناقة، وصوت حد بيصرخ باسم “عمر”.
​بصينا ورايا، ولقيت اتنين رجالة ببدل غامقة داخلين الطرقة، واحد منهم طلع كارنيه وقاله ببرود: “أستاذ عمر.. معانا أمر ضبط وإحضار بخصوص شيكات بدون رصيد وبلاغ تزوير.”
​عمر بصلي بكسرة، وأنا وقفت مكاني مشلولة.. هو الفرح ده كان حقيقي، ولا كان مجرد خطة عشان يهرب بالفلوس قبل ما يتقبض عليه؟
​اللحظة كانت تقيلة، الهوا في الطرقة كأنه

اتسحب. الظابط واقف ببرود، وعمر وشه بقى لونه أزرق، مش بس أبيض. ليلى كانت واقفة بستان الفرح الأبيض، التاج على راسها، بس حاسة إن الفستان ده بقى كفن لطموحاتها وأحلامها.
​عمر حاول يتكلم، صوته كان طالع مهزوز ومبحوح: “يا فندم أكيد في سوء تفاهم، أنا لسه عريس، لسه كاتب كتابي من ساعة!”
الظابط رد عليه بنظرة خالية من أي مشاعر: “والله يا أستاذ عمر، الشيكات اللي مضاها باسم مدام ليلى، والقرض اللي اتسحب بضمان السجل التجاري “المضروب” بتاعك، مابيعترفوش بليلة الدخلة. اتفضل معانا بالذوق عشان مكلبشكش قدام المعازيم.”
​ليلى بصت لياسين وهي مش مصدقة، ياسين كان باصص للأرض، كأنه شايل ذنب إنه هو اللي فجر القنبلة دي. صرخت في عمر فجأة، صرخة طلعت من حتة بعيدة جوه روحها:
“بقى أنا يا عمر؟ أنا اللي وقفت جنبك لما قلتلي إنك بتأسس شركتك الخاصة؟ أنا اللي كنت ببعتلك صوري وبياناتي وأنا واثقة فيك أكتر من نفسي؟ أنت مش بس نصاب، أنت خاين!”
​عمر حاول يمسك إيدها: “ليلى، اسمعيني، أنا عملت كل ده عشاننا، عشان أعملك الفرح اللي كنتِ بتحلمي بيه، عشان منتحرمش من حاجة..”

نفضت إيدها منه كأنها لمست عقربة: “فرح بإيه؟ بفلوس مسروقة؟ بفلوس قروض باسمي أنا؟ أنت كنت بتبني سعادتك على خرابي!”
​الظابط شاور للعساكر، وسحبوا عمر من الطرقة. في اللحظة دي، المزيكا بره كانت لسه شغالة، “سهروني الليل” كانت بتلعلع، والناس بتضحك وبتاكل “بوفيه” العشاء، وهما ميعرفوش إن العريس بيتسحل من باب الخدمة ورايح على القسم.
​المواجهة الكبرى: وسط المعازيم
​ياسين بص لليلى وقالها: “ليلى، لازم نمشي من هنا، الناس لو شافت المنظر ده هتبقى فضيحة العمر.”
ليلى مسحت دموعها بعنف، والماسكرا بدأت تهبب تحت عينيها، بس نظرتها اتغيرت تماماً. مكنتش نظرة واحدة مكسورة، كانت نظرة واحدة قررت تحرق المركب بمن فيها.
​”نمشي؟ لا يا ياسين. اللي عمل ده لازم يتحمل تمنه. أنا مش ههرب كأني عملت حاجة غلط.”
دخلت ليلى القاعة. المزيكا وقفت فجأة لما شافوا شكلها. فستانها متكرمش، وشها متبهدل، وعمر مش معاها.
حماتها (أم عمر) جرت عليها: “في إيه يا ليلى؟ فين ابني؟ وإيه المنظر ده يا حبيبتي؟”
​ليلى وقفت على المسرح، مسكت المايك من بتاع الباند، وصوتها كان بيرن في القاعة كلها:
“يا جماعة، أحب أشكركم جداً إنكم نورتونا. بس للأسف، الفرح خلص. العريس اللي أنتم جايين تباركوله، لسه مأخوذ دلوقتي حالا ببوكس البوليس بتهمة النصب والتزوير. وكل الرفاهية اللي أنتم شايفينها دي، مدفوعة من قروض هو لبسهالي من ورا ضهري.”
​القاعة سكتت سكوت مرعب. أم عمر وقعت من طولها، والناس بدأت تهمس “يا عيني”، “يا فضيحة”، “يا شماتة أبلة ظاظا فينا”.
ليلى كملت: “أي حد له قرش عند عمر، يروح يطالب بيه في القسم، وأنا من بكره هبدأ إجراءات الطلاق.. قصدي “الخلع”، لأن الراجل ده ميتعاشرش لحظة واحدة.”
​المفاجأة اللي محدش توقعها
​ليلى سابت المايك ونزلت، مكنتش بتعيط، كانت ماشية بخطوات ثابتة. ياسين كان مستنيها بره بعربيته. ركبت جنبه وقالتله بجمود: “طلعني على القسم.”
ياسين استغرب: “ليه يا ليلى؟ كفاية اللي حصل.”
ردت عليه: “لازم أقدم بلاغ رسمي في التزوير قبل ما يحملوني المسؤولية القانونية عن القروض دي. أنا مش هضيع مستقبلي عشان واحد واطي.”
​وهما في الطريق، تليفون ليلى رن. كان رقم غريب. ردت وهي مخنوقة: “أيوة، مين؟”
صوت ست مجهولة ردت عليها بهدوء يقبض القلب: “مبروك يا عروسة. شفتي اللي حصل في عمر؟ ده مجرد أول خيط. لو فاكرة إن عمر هو اللي خطط لكل ده لوحده، تبقي غبية. اسألي ياسين اللي جنبك، كان بيعمل إيه في شقة المعادي يوم الثلاث اللي فات الساعة 4 العصر.”
​ليلى حست إن الهوا برد زيادة عن اللزوم. بصت لياسين وهو سايق، ياسين اللي كان “المنقذ”، اللي ورّاها الورق، اللي كان دايماً موجود في كل مشكلة بينها وبين عمر.
ياسين لاحظ نظرتها: “في إيه يا ليلى؟ مين اللي بيكلمك؟”
​ليلى مقالتش ولا كلمة. بس إيدها كانت بتترعش وهي بتدور في شنطتها على ورقة صغيرة كانت شافتها مع ياسين قبل كدا. شكت في حاجة غريبة. ليه ياسين “لقى” الورق في العربية بالصدفة دي؟ وليه استنى لحد بعد كتب الكتاب بـ 40 دقيقة عشان يقولها؟ ليه مش قبل ما تمضي على القسيمة؟
​الفصل الثالث: خيانة الصديق
​ليلى حاولت تبان طبيعية: “دي واحدة من صاحباتي كانت بتطمن. ياسين، هو أنت كنت فين يوم الثلاث اللي فات؟”
ياسين ارتبك ثانية، بس رجع لهدوئه: “كنت في الشغل، ليه؟”
ليلى: “أصل حد قالي إنه شافك في المعادي.. في شقة هناك.”
​ياسين فرمل العربية فجأة وبص لها: “ليلى، أنتِ بتشكي فيا؟ أنا اللي أنقذتك! أنا اللي عرفتك حقيقته!”
ليلى ضحكت بوجع: “أو أنت اللي ورطته؟ أنت وعمر أصحاب من سنين. عمر ميعرفش يعمل الخطط دي لوحده. عمر “هفأ” وتفكيره على قد حاله. التخطيط بتاع القروض والتزوير ده محتاج حد بيفهم في الحسابات والقانون.. حد زيك يا ياسين.”
​ياسين سكت، ملامح وشه الوديعة بدأت تتحول لملامح تانية خالص. ابتسم ابتسامة صفرا وقال: “برافو يا ليلى. دايماً كنت بقول إنك أذكى بكتير من عمر. بس للأسف، ذكاءك جيه متأخر.”
​ليلى حاولت تفتح باب العربية، بس ياسين كان قفل “السنتر لوك”.
ياسين كمل كلامه: “عمر كان محتاج فلوس عشان يداري خيبته، وأنا كنت محتاج حد يشيل الليلة. أنا اللي كنت بوقع بينكم، وأنا اللي خليته يصدق إنك موافقة تمضي على الورق ده كـ “روتين”. هو غبي، صدقني. وأنتِ كنتِ مغمية عينيكِ بالحب.”
​ليلى: “عايز إيه يا ياسين؟”
ياسين: “عايز الدوسيه اللي معاكي. الورق اللي فيه إمضاءاتي أنا كـ “ضامن” مستتر. عمر في القسم دلوقتي، وأول ما هيتزنق هيعترف عليا. أنا محتاج الورق ده عشان أختفي، وأنتِ هترجعي بيتك، وتنسي إنك شفتيني النهاردة.”
​النهاية المشوقة: اللعبة الأخيرة
​ليلى بصت للدوسيه اللي في حضنها، وبعدين بصت لياسين. وفجأة، طلعت موبايلها.
ياسين: “بتعملي إيه؟”
ليلى: “أنا كنت فاتحة “لايف” على فيسبوك من أول ما ركبت معاك العربية يا ياسين. والناس كلها، والبوليس اللي بيراقب تليفوني دلوقتي بعد بلاغ عمر، سمعوا كل كلمة قلتها.”
​صوت سرينة البوليس بدأ يقرب من العربية. ياسين وشه اتخطف، وحاول يتهجم عليها، بس ليلى كانت أسرع، وفتحت الشباك وصوتت بأعلى صوتها.
​في ليلة واحدة، ليلى خسرت جوزها، وخسرت أعز أصدقائهم، بس كسبت نفسها. الفستان الأبيض بقى كله طين وعرق، بس روحها كانت بتنضف من وسخ السنين اللي عاشتها في كدب.
​لما البوليس وصل وكلبش ياسين، ليلى وقفت في الشارع، والتاج وقع من على راسها واتكسر. بصت للسما وقالت: “الحمد لله إنها جت على قد كدا.”
​دخلت ليلى بيت أهلها بشنطة هدومها، مش كـ “عروسة”، لكن كـ “ناجية”. ومن اللحظة دي، قررت إن مفيش راجل في الدنيا هيخليها تمضي على ورقة بياض تاني، لا بالحب، ولا بالعشرة.
​تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *