ابنتي
ابنتي.
نفس الطفلة التي كنت أبيع المناديل والحلوى قرب المدارس حتى أشتري لها حذاء.
نفس الطفلة التي كانت تنام محمومة فوق صدري.
نفسها التي كانت تبكي وتقول
أمي، لا تتركيني.
كلما سمعت أصوات المفرقعات في الأعياد.
هي نفسها كانت مسجلة كمعتمدة عني.
وأنا مسجلة كميتة.
ارتجفت الورقة بين أصابعي.
حاولت هبة أن تسحبها مني، لكن زهراء وقفت بسرعة ووضعت يدها فوق الورقة.
خالة أمينة، احتفظي بها قالت وأرجوكِ لا توقّعي على أي شيء.
احمرّ وجه هبة.
من حضرتكِ حتى تتدخلي بأمور عائلية؟
نظرت إليها زهراء بهدوء غريب، هدوء أسندني أكثر من أي حضن.
عندما تكون امرأة مسجلة متوفاة وشخص آخر يستلم المال باسمها، فالموضوع لا يعود عائليًا فقط.
شعرت أن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
كان سيف واقفًا خارج القاعة، يتظاهر بأنه يتحدث بالهاتف. دخل عندما شعر أن هناك شيئًا حدث.
كان يحمل تلك الابتسامة المعتادة ابتسامة الرجل الذي يظن أن كل شيء يمكن السيطرة عليه.
ماذا حصل؟ سأل.
لم يجبه أحد.
لكنه رأى الورقة بيدي ووجه هبة الشاحب.
اختفت ابتسامته فورًا.
خالتي، أكيد هذا خطأ بالنظام قال تعرفين كيف تحصل هذه الأمور. تعالي ونحن نحلها وحدنا.
لا.
كانت ثاني مرة أقولها خلال دقائق.
الأولى خرجت خافتة.
أما هذه فخرجت بثقل سنوات كاملة.
اقتربت هبة من أذني.
أمي، لا تفعلي هذا هنا. الناس تنظر
إلينا.
نظرت حولي.
نعم، كان الجميع ينظر.
امرأة كبيرة توقفت عن تحريك ملفها بيدها.
رجل يضع شماغًا كان يراقبني وكأنه يسمع خبرًا حزينًا.
فتاة تحتضن أمها وتشد فكها بعصبية.
ولأول مرة لم أخجل من نظرات الناس.
خجلت فقط لأنني كنت غافلة كل هذا الوقت.
زهراء سألت بصوت جاف هل أستطيع أن أعرف أين كان يُصرف الراتب؟
خرج صوت من هبة يشبه الأنين.
ترددت زهراء، ثم ذهبت إلى المشرفة صاحبة السترة العنابية. تحدثتا بصوت منخفض، راجعتا شيئًا على الكمبيوتر، ثم طلبت مني المشرفة أن أجلس على طاولة جانبية.
خالة أمينة، هذا الموضوع يجب أن يتم التبليغ عنه قالت نحن هنا فقط نرشدكِ، لكن يجب أن تراجعي دائرة الأحوال المدنية لتصحيح بياناتكِ، والبنك الذي صدرت منه البطاقة، وتقدمي شكوى رسمية أيضًا.
ضحك سيف بسخرية.
أستاذة، لا تخوفون الناس. خالتي أصلًا لا تفهم بهذه المعاملات.
نظرت إليه.
لسنوات كنت أخاف من طريقته بالكلام.
من سخريته من بيتي.
من طريقته وهو يأخذ مكاني بالتدريج الكرسي، جهاز التحكم، حتى الكلام.
لكن في ذلك اليوم لم أخف.
أفهم بما يكفي لأعرف أن أحدهم كان يستلم المال وأنا ما زلت حية.
بدأت هبة تبكي.
في السابق، كانت دموعها تكسرني.
أما يومها فقد أتعبتني فقط.
أمي، أستطيع أن أشرح لكِ.
اشرحي هنا.
ليس هنا.
بل هنا. هنا بالضبط عرفت أنني ميتة.
ساد الصمت.
حتى الرجل الذي يبيع الشاي قرب الباب توقف عن صب الأكواب.
غطّت هبة وجهها بيديها.
سيف قال إن الموضوع مؤقت.
نظرت إليها.
وفجأة بدا العالم كله صغيرًا جدًا كأنه اختصر داخل هذه الجملة.
سيف قال.
دائمًا سيف.
سيف قال إن البيت أكبر من حاجتي.
سيف قال إنني أصبحت عجوزًا.
سيف قال إن أحفادي أهم مني.
سيف قال إن الأفضل أن تدير هبة أوراقي.
سيف قال إنني لا أفهم.
مؤقت ماذا؟ سألت.
ابتلعت هبة ريقها.
البطاقة والتسجيل وموضوع الوفاة. كان يعرف شخصًا يستطيع تعديل الأوراق. قالوا إن الأمر لن يضر أحدًا لأنكِ أصلًا غير مسجلة بأي راتب. وقالوا إن كل شيء يمكن إصلاحه لاحقًا.
وحتى موتي كان مؤقتًا؟
لم تجب.
أمسك سيف ذراعها بعنف.
اخرسي.
وقفت زهراء فورًا.
لا تلمسها.
نظرت هبة إلى يد زوجها وهي تمسك ذراعها.
ولأول مرة رأيت شيئًا مختلفًا في عينيها.
لم يكن ذنبًا.
كان خوفًا.
حينها فقط فهمت أن للخيانة وجهين.
وجه هبة وهي تستلم مالي وأنا حية.
ووجه سيف وهو يستخدم خوفها ليحوّلها إلى سارقة.
لكن أيًا من الوجهين لم يخفف ألمي.
استدعت المشرفة شرطيًا كان يقف خارج الدائرة.
لم يرفع صوته.
فقط اقترب وطلب من الجميع الهدوء.
أعطوني كرسيًا وكوب ماء.
لكنني لم أكن أريد ماء.
كنت أريد سنواتي الثلاث.
كنت أريد اسمي حيًا.
كنت أريد ابنتي أن تنظر إليّ كأم لا كمعاملة.
كتبت زهراء على ورقة كل الجهات التي يجب أن أراجعها.
الأحوال المدنية.
البنك.
الشكوى الرسمية.
وقالت لي ألا أعطي أوراقي الأصلية لأي أحد، وأن أصور كل شيء.
ثم سألتني
هل لديكِ شخص تثقين به؟
فكرت بجاراتي.
بأم علي التي تبيع الفطور قرب المدرسة.
بصديقتي أم مصطفى التي كانت دائمًا تقول إن هبة تستغلني.
بأخي طارق الذي توقفت عن زيارته لأن سيف كان يقول إنه يتدخل كثيرًا.
نعم قلت، رغم أنني تأخرت حتى أتذكرهم.
حاولت هبة أن تجعلني أركب معهم.
أمي، أرجوكِ. نعود إلى البيت ونتحدث.
لن أذهب معكم.
انكسر وجهها.
أنا ابنتكِ.
وأنا أمكِ لا جثتكِ.
خرجت أمشي نحو موقف الباص، والورقة مضغوطة داخل صدري.
كانت شمس بغداد حارقة فوق الإسفلت، والسيارات تمر مسرعة، والناس يركضون خلف يومهم كأن التعب صار جزءًا من أجسادهم.
صعدت إلى الباص ويداي باردتان.
الناس مزدحمون، يحملون أكياسًا وتعبًا وصمتًا.
امرأة كبيرة أعطتني مكانها عندما رأت وجهي الشاحب.
أردت أن أقول لها إنني ما زلت قوية وإنني لست عجوزًا لهذه الدرجة.
لكنني جلست.
ولأول مرة منذ سنوات تركت أحدًا يهتم بي ولو لدقائق.
وصلت إلى البيت وأغلقت الباب بالمفتاح.
اتصلت هبة عشرين مرة.
وسيف عشر مرات.
لم أرد.
ثم بدأ يطرق الباب بعنف.
خالتي! افتحي الباب! لا تعاندي!
جلست على الكرسي أنظر إلى جدران بيتي، وأواني المطبخ القديمة، وصورة أحفادي المعلقة على الثلاجة.
كان ذلك البيت الفقير هو الشيء الوحيد الذي لم يعطني إياه أحد.
والآن فهمت أنهم يريدونه أيضًا.
أمينة! صرخ سيف أنتِ وحدكِ لن
تستطيعي الوقوف بوجهنا!
هذه الجملة جعلتني أنهض.
أمسكت الهاتف واتصلت بأم علي.
جارة ممكن تجين لعندي؟ وإذا شفتي سيف عند الباب لا تجين وحدكِ.
بعد دقائق كانت أربع نساء واقفات خارج البيت.
أم علي بمريول المطبخ.
أم مصطفى بحذاء البيت.
جارتي مريم تحمل طفلها.
وأبو أحمد صاحب الدكان واقف بعصا المكنسة كأنه حارس للحي.
انخفض صوت سيف فورًا.
الجبناء يخافون دائمًا من الشهود.
فقط أردنا أن نتحدث قال.
فتحت الباب والسلسلة ما زالت معلقة.
غدًا سأقدّم شكوى.
كانت هبة تقف خلفه وتبكي.
أمي، لا تفعلي هذا بي.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
لأن الأم عندما تسمع ابنتها تبكي تركض إليها حتى وهي مجروحة.
لكنني كنت أعرف الآن كم يدفع الآباء ثمن إنقاذ أبنائهم عندما يستخدم الأبناء أيديهم لدفنهم.
أنتِ فعلتِ هذا بي أولًا يا هبة.
ثم أغلقت الباب.
في تلك الليلة لم أنم.
وضعت أوراقي فوق الطاولة.
البطاقة الوطنية.
البطاقة التموينية.
فواتير الكهرباء.
أوراق البيت.
ثم وجدت نسخًا مصورة لا أتذكر أنني أعطيتها لأحد.
وهنا فقط فهمت كيف فعلوا كل ذلك.
هبة كانت تملك كل شيء.
وأنا من أعطيتها كل شيء لأنها ابنتي.
في الصباح ذهبت مع أم مصطفى إلى دائرة الأحوال المدنية.
ثم إلى البنك.
ثم إلى الجهات الخاصة بتصحيح البيانات.
كل مكان كانت له نفس الرائحة
طوابير طويلة، عرق، أوراق، أختام، وصبر متعب.
وفي كل مكان كانوا يسألونني السؤال نفسه
حضرتكِ أمينة الجبوري؟
نعم.
لكن هنا مكتوب أنكِ متوفاة.
لهذا جئت حتى أثبت أنني ما زلت أتنفس.
في البنك تأخر الأمر أكثر.
موظفة شابة راجعت الحركات المالية، ثم نظرت إليّ بأسف.
خالة كانت هناك سحوبات منتظمة كل شهرين تقريبًا طوال ثلاث سنوات.
أمسكت طرف الشباك بيدي.
كم المبلغ؟
كتبت الرقم على ورقة.
شعرت أن الهواء اختفى من صدري.
لم يكن مبلغًا ضخمًا بالنسبة للأغنياء.
لكنه بالنسبة لي كان دواء.
وغازًا.
وحذاءً جديدًا.
وعملية العين التي كنت أؤجلها كل مرة.
وسقفًا لا يسرّب المطر في الشتاء.
كان حياة كاملة.
من الذي كان يسحب المال؟
لم تستطع الموظفة أن تخبرني بكل شيء، لكن الملف كان يحتوي على تواقيع، وبصمات، واسم المعتمدة.
وفي نسخة ضبابية من صورة التسجيل ظهرت هبة، تضع كمامة وتحمل بطاقة مكتوبًا عليها اسمي.
اسمي.
بين يدي ابنتي.
أمسكت أم مصطفى بذراعي.
لا تقعي يا أمينة.
لن أقع قلت.
ورغم أن جسدي كله كان يرتجف لم أقع.
في مركز الشرطة رويت القصة من البداية.
كيف طلبت هبة أوراقي.
كيف كان سيف يتحدث دائمًا عن البيت.
كيف أخذاني إلى دائرة الحماية الاجتماعية.
كيف اكتشفت أنني ميتة على الورق.
وكيف صُرف راتب باسمي طوال سنوات.
الموظفة التي أخذت إفادتي لم تبدُ مصدومة.
وهذا كان أكثر شيء أحزنني.
شرحت لي أنهم سيفتحون تحقيقًا بتزوير مستندات، واستغلال بيانات، واحتيال، وكل ما يثبت لاحقًا.
طلبت مني أن أحتفظ بكل الرسائل والأوراق والأسماء.
ونصحتني ألا أبقى وحدي مع هبة أو سيف.
وأحفادي؟ سألت.
هنا فقط انكسر صوتي.
أطفالي عندهم.
خفضت المرأة صوتها.
إذا كان هناك خطر أو ضغط عليهم، يمكن متابعة الموضوع أيضًا.
خرجت وأنا أحمل ملفًا مليئًا بالأوراق وقلبًا محطمًا.
وعندما وصلت إلى الحي رأيت حفيديّ جالسين على الرصيف أمام البيت.
علي، ابن السبع سنوات، يحتضن حقيبته المدرسية.
وسارة الصغيرة تبكي وتمسح وجهها بكم قميصها.
ركضت نحوهما.
ماذا تفعلان هنا؟
وقف علي بسرعة.
بابا تركنا هنا وقال إنكِ تحبيننا، والآن جاء دوركِ حتى تتحملينا.
بدأت سارة تبكي أكثر.
ماما لم تنزل من السيارة.
نظرت نحو آخر الشارع.
لم تكن هناك سيارة.
كانوا قد رحلوا.
شعرت بغضب أحرق ذراعيّ.
سيف لم يسرق مالي فقط.
كان يستخدم الأطفال حتى يضغط عليّ.
أدخلتهما إلى البيت.
أعطيتهما خبزًا وشايًا.
وضممتهما حتى توقفا عن الارتجاف.
نامت سارة فوق سريري بحذائها.
أما علي فبقي ينظر إليّ من طرف الغرفة.
جدتي أنتِ فعلًا حية؟
هذا السؤال كسرني.
ركعت أمامه.
نعم يا حبيبي حية.
بابا قال إنكِ ميتة وتريدين المشاكل.
أغمضت عيني.
لم أكن أستطيع أن أكره أمام طفل.
لكن الله يعلم كم حاولت ألا أصرخ.
في تلك الليلة اتصلت بالمحامية مرة أخرى.
ثم بأخي طارق.
ثم بأم علي.
وخلال ساعة فقط امتلأ بيتي الصغير بالناس.
أم مصطفى.
أم علي.
طارق.
دورية شرطة خارج الباب.
وحفيداي نائمان تحت بطانية قديمة.
وصلت هبة قرابة الحادية عشرة ليلًا.
كانت وحدها.
من دون سيف.
شعرها مبعثر، وعلى معصمها أثر كدمة خفيفة.
وعندما رأيتها اختلط كل شيء داخلي.
الابنة.
السارقة.
الطفلة.
والمرأة الخائفة.
أين سيف؟ سألتها.
نظرت إلى طفليها النائمين.
هرب وقال لي أصلحي مشاكلكِ بنفسكِ.
ضحكت بمرارة.
مشاكلكِ؟
بدأت تبكي.
أمي، في البداية لم أكن أعرف كل شيء. قال إنه مجرد مال مؤقت، وإنكِ لن تعرفي، وبعدها نعيد كل شيء. ثم بدأت أخاف. كان يقول إنه سيأخذ الأطفال إذا تكلمت. وإنكِ إذا اشتكيتِ سيقول إنني أنا من زورت كل شيء وحدي.
وهل فعلتِ؟
هذا السؤال ضربها أكثر من أي صفعة.
خفضت رأسها.
نعم.
جلس الصمت بيننا.
أنا وقعت همست وأنا من أعطاه أوراقكِ. وقلت لهم إنكِ تعتمدين علينا. وبعدها قالوا إن شهادة الوفاة ستسهل بقية المعاملات. أنا لم أصنعها، أمي لكنه فعل ذلك مع شخص يعرفه. لكنني كنت أعرف.
وضعت يدي فوق صدري.
الحقيقة لا تحرر دائمًا.
أحيانًا تنزع الجلد أولًا.
قتلتِني على الورق يا هبة.
انهارت على ركبتيها.
سامحيني.
أردت أن أقول نعم.
من التعب.
من العادة.
لأنني أم.
لكن علي تحرك نائمًا، وسارة كانت تحتضن وسادتي كأنها تخاف أن تختفي هي أيضًا.
وهنا فهمت أن التسامح السريع قد يكون طريقة أخرى لتعليم الأطفال أن الأذى بلا ثمن.
لا أستطيع أن أسامحكِ اليوم.
بكت أكثر.
هل ستشتكين عليّ؟
فعلت.
نظرت إليّ هبة وكأنها لا تعرفني.
أنا ابنتكِ.
وأنا ما زلت حية.
جاءت الدورية لتأخذ هبة حتى تدلي بإفادتها.
لم تكن مكبلة.
لم تكن تصرخ.
بدت فقط مكسورة.
أما أنا، فشعرت
أن قلبي يتمزق وأنا أراها تخرج من الباب.
لكنني لم أوقفها.
في اليوم التالي ظهر سيف قرب السوق، وهو يحاول سحب مال من حساب تم تجميده بعد البلاغ.
ألقت الشرطة القبض عليه بسبب قضية التزوير والتهديدات والوثائق المزيفة.
أما الرجل الذي كان يرتب الأوراق له، فقد تم القبض عليه بعد أسابيع.
كان كل شيء طويلًا ومتعبًا.
في العراق، عندما تكون فقيرًا، تصبح كل الأمور طويلة
الطوابير، والمراجعات، والأختام، والانتظار، والمعاملات.
اضطررت أن أراجع الأحوال المدنية أكثر من مرة.
أحضرت شهودًا يؤكدون أنني ما زلت حية.
اضطررت أن أثبت أنني لست مدفونة في أي مقبرة.
وكررت اسمي عشرات المرات حتى شعرت أنه تحول إلى دعاء.
أمينة الجبوري.
حية.
موجودة.
غير متوفاة.
حضرت زهراء كشاهد.
جاءت بملفها ونظارتها المستديرة نفسها.
وعندما رأتني قبل الجلسة، احتضنتني.
قلت لكِ لا توقّعي على شيء همست.
وأنتِ أنقذتِ حياتي قلت لها.
هزّت رأسها.
أنتِ كنتِ حية أصلًا الناس فقط توقفوا عن معاملتكِ كذلك.
استغرق تصحيح بياناتي وقتًا طويلًا.
تم إيقاف البطاقة.
وبدأ التحقيق بكل المبالغ التي سُحبت.
وافقت هبة لاحقًا على الإدلاء بأقوالها ضد سيف، لكن هذا لم يجعلها بريئة.
أُجبرت على حضور جلسات متابعة وعلاج، وبقيت القضية مفتوحة لفترة طويلة.
أما حفيداي، فبقيا معي مدة من الزمن تحت متابعة اجتماعية.
لم يكن الأمر سهلًا.
كان عمري ستين عامًا، وفجأة عدت أستيقظ لتحضير الفطور المدرسي، ومتابعة الواجبات، وغسل الملابس، والاستماع إلى كوابيس الأطفال في الليل.
لكن هذه المرة لم أحاول أن أحمل كل شيء وحدي.
طلبت المساعدة.
قبلت الطعام الذي كانت الجارات يرسلنَه.
وتركت أم مصطفى تأخذ الأطفال إلى الحديقة عندما أتعب.
تعلمت شيئًا متأخرًا
ليس كل حب يجب أن نحمله وحدنا.
في إحدى الأمسيات جاءت هبة إلى البيت.
لم تدخل مباشرة كما كانت تفعل سابقًا.
بقيت قرب الباب.
وجهها خالٍ من المساحيق، ويداها فارغتان.
أمي وجدت عملًا في مطعم صغير قالت سأبدأ بإعادة المال. حتى لو كان قليلًا.
كنت أقشر الذرة في المطبخ.
لم أنظر إليها فورًا.
أنتِ لا تعيدين المال فقط.
أعرف.
يجب أن تعيدي الثقة أيضًا والثقة لا تُدفع نقدًا.
أومأت بصمت.
خرجت سارة الصغيرة تركض نحوها.
ماما!
فتحت هبة ذراعيها، لكنها قبل أن تعانقها نظرت إليّ.
كأنها تطلب الإذن دون كلام.
وهذا كان جديدًا.
أومأت لها.
قفزت سارة إلى حضنها.
وبكت هبة بصمت.
أما علي فلم يخرج من غرفته.
كان ما يزال غاضبًا.
ومن حقه ذلك.
بعد أشهر، عندما عاد اسمي رسميًا حيًا في النظام، ذهبت وحدي إلى دائرة الحماية الاجتماعية.
لم أسمح لهبة أن ترافقني.
ركبت الباص وحدي، ومررت بالشوارع نفسها، والبسطات نفسها، والوجوه المتعبة نفسها.
لكنني لم أكن المرأة نفسها.
كانت زهراء ما تزال هناك.
وعندما رأتني ابتسمت فورًا.
خالة أمينة!
عانقتني كأنني واحدة من أهلها.
هذه المرة، عندما كتبت رقمي الوطني، لم تغلق الشاشة.
ابتسمت فقط.
ها هي بياناتكِ.
أدارت الشاشة نحوي.
اسمي.
تاريخ ميلادي.
الحالة فعّالة.
فعّالة.
لم أبكِ يومًا بسبب كلمة إدارية كما بكيت يومها.
وقّعت باسمي.
أنا.
بيدي.
من دون معتمدة.
من دون خوف.
وعندما خرجت اشتريت شايًا ساخنًا وقطعة خبز بالجبن وجلست على مقعد قرب الشارع.
كان الناس ما يزالون يقفون بطوابير طويلة، يحملون ملفات ملونة وأملًا متعبًا بين أيديهم.
فكرت في هبة.
وفي سيف.
وفي السنوات التي عشتها وأنا أظن أن التحمل وحده يكفي.
ثم أخرجت بطاقتي الوطنية من الحقيبة ونظرت إلى صورتي.
لم تكن صورة جميلة.
كنت أبدو متعبة، وشعري مفلطحًا، ووجهي أكبر من عمري.
لكنها كانت صورتي.
صورة امرأة حية.
عندما عدت إلى البيت، ركض علي ليفتح الباب.
جدتي هل انتهت قصة موتكِ؟
ضحكت من قلبي لأول مرة منذ شهور.
نعم يا حبيبي انتهت.
عانقتني سارة من خصري.
إذًا لازم نسوي احتفال.
وفعلنا.
احتفال صغير.
رز وفاصوليا وخبز ساخن وشاي ثقيل.
أحضرت أم علي حلوى بسيطة.
وشغّل طارق أغاني قديمة من هاتفه.
وجاءت هبة في آخر الليل تحمل كيس خبز.
لم تدخل مباشرة.
بقيت تنتظر عند الباب.
نظرت إليها من خلف الطاولة.
كان الجرح ما يزال موجودًا.
لكنه لم يعد ينزف بالطريقة نفسها.
ادخلي قلت لكن هنا لا أحد يوقّع بدل أحد.
خفضت رأسها.
حاضر يا أمي.
ودخلت.
بقي البيت صغيرًا.
وبقي الحر قاسيًا في الصيف، والبرد قاسيًا في الشتاء.
وبقي المطر يتسرّب من السقف أحيانًا.
لكنه عاد بيتي.
وعاد اسمي لي.
وعادت حياتي أيضًا.
أخذتني ابنتي إلى دائرة الحماية الاجتماعية وهي تظن أنها ستخرج ببطاقة تحت سيطرتها.
أما أنا فخرجت بحقيقة كادت تقتلني، لكنها أعادت لي شيئًا سُرق مني بالتدريج
صوتي.
لأن بعض الموت لا يحدث في المقابر.
يحدث عندما يقنعكِ أولادكِ أنكِ لم تعودي مهمة.
وبعض العودة إلى الحياة لا تحتاج معجزة.
فقط موظفة شريفة أغلقت شاشة الكمبيوتر، وامرأة قالت لا لأول مرة، وتذكرت أنها ما زالت حية.
حية فعلًا.